من القديم الجاري في الناس أنهم لا يتأسَّفون على قضاة الجَوْر والارتشاء، بل يسبُّون ويجدِّعون.واعتبره اليوم وأنت تقرأ في التعليقات على نبأ هلاك قاضي الإعدامات، سيئ الذكر، في وسائل التواصل، ولله كم ينتظره من الخصوم بين يدي حكم عدلٍ غدًا!
فضلاء وأهلون لهم فجعوا بهم.. أممٌ خصومٌ أمام الظالم غدًا.
وأنا أقرأ في التعليقات عن قاضي الإعدامات المصري خطر لي واقع قضاة الجزائية المتخصصة عندنا! وهي المتخصصة بأعظم المظالم! كم من فاضل ومصلح وعالم وداعية وصاحب قلم خير سجنوا! وبأحكامهم غُيّب كثير من هؤلاء تغيبًا هو في حكم القانون مؤبدٌ! أحكام فلكية؛ عشرون سنة ونحوها يحسِبها ذووهم بالثواني! وسوف يحاسبونهم بها غدًا.
ومن تدبر هذا علم وجه قول العز ابن عبد السلام رحمه الله:
” وَأَمَّا وُلَاةُ السُّوءِ وَقُضَاةُ الْجَوْرِ فَمِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وِزْرًا وَأَحَطِّهِمْ دَرَجَةً عِنْدَ الله، لِعُمُومِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ جَلْبِ الْمَفَاسِدِ الْعِظَامِ وَدَرْءِ الْمَصَالِحِ الْجِسَامِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَأْثَم بِهَا أَلْفَ إثْمٍ وَأَكْثَرَ عَلَى حَسَبِ عُمُومِ مَفْسَدَةِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَعَلَى حَسَبِ مَا يَدْفَعُهُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَا لَهَا مِنْ صَفْقَةٍ خَاسِرَةٍ وَتِجَارَةٍ بَائِرَةٍ” [قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/١٤٢].
وتأمل كم من داعية مصلح كان ينتفع به عدد غفير؛ كم حرَموا من الخير بسجن هؤلاء؟ وقد كان يتابعهم الملايين على حسابات التواصل وغيرها، فما حرموهم من الخير في رقاب هؤلاء القضاة!أعمال بر وإغاثة سجنوا بسببها آخرين كانت سببًا في غوث أمم، وإسلام أمم في مجاهل أفريقيا، وشرق آسيا، وأوروبا، والأميركتين! أي منع للمعاون أعظم من سجن الذين يبذلون الخير للناس!
بل كم حرَموا من الخاصة من طلاب العلم من مشايخهم الذين ما عرفوا إلا بالنشاط الموجه إلى طلاب العلم؛ والذين يتخرج على أيديهم من يبثون العلم وينشرون الهدى بين الناس! ما جريمة الطريفي و العلوان! حيث يحاكم الأخير وتغلظ العقوبة ثم تعاد المحاكمة لتغلّظ! جريمته إفتاؤه بما يدين الله عز وجل به، ويعتقده من دين الله! في قضايا كانت تخالف فتواه فيها اختيارات الدولة، ثم لما صالحت الدولة الذين كانوا يأخذون بفتواه في الشام بقي في السجن كما كان! أي صلف وظلم هذا!
إن ذنب هؤلاء القضاة أعظم من جور في قضية، أو ظلم فرد! ومن ورائه أسرته، وذويه، وأصحابه ومحبيه.. إنه ظلم أمة، وجناية على الحق! والأصل أن تقال عثرات ذوي الهيئات، لا أن تعد حسناتهم سيئات، ثم تضاعف العقوبة على تلك الحسنات أو الاجتهادات!
وقد قال عز وجل في الحديث القدسي: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب!
وتأمل كم من داعية مصلح كان ينتفع به عدد غفير؛ كم حرَموا من الخير بسجن هؤلاء؟ وقد كان يتابعهم الملايين على حسابات التواصل وغيرها، فما حرموهم من الخير في رقاب هؤلاء القضاة!أعمال بر وإغاثة سجنوا بسببها آخرين كانت سببًا في غوث أمم، وإسلام أمم في مجاهل أفريقيا، وشرق آسيا، وأوروبا، والأميركتين! أي منع للمعاون أعظم من سجن الذين يبذلون الخير للناس!
وإذا لم يكن الدعاة الهداة، والعلماء الصادعون بالحق أولياء لله عز وجل فليس لله ولي! ولا غرو أن كان هؤلاء من أشد أهل الزمان بلاءً، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه!واعتبر بهذا لتعرف فضل أهل الحق الذين هم في الأسر على الذين هم في الديوان أو القصر!واعلم أن كلمةَ حقٍّ ودعوة هدى ألقت بهؤلاء في الأسر، لا يغلب على ظن العاقل أن يقولها من استجلب إلى القصر.
ونعلم أن هناك فضلاء يدارون ويبذلون ما في وسعهم، وهم ما بين معذور أو مأجور إن شاء الله، لكن آخرين كثيرين ركنوا إلى الذين ظلمهم، وشرعوا لهم من الحكم والدين ما لم يأذن به الله.
وهذه موعظة لهم تذكرهم قول ربهم: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) [سورة هود، الآية: 113].
ثم من المهم أن يُعلم مكان المعذور من مكان المجاهد المأجور، ومن لم يميز بين أفضل الجهاد، الذي هو كلمة حق عند سلطان جائر، وبين أعظم البغي الذي هو قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، وحبسهم، وعقوبتهم، فهو من أعظم الناس جهلاً وضلالاً. وما أعظم جنايته حين ينسب ذلك الجهل إلى الكتاب والسنة، واعتقاد السلف والأئمة!
أين السلف وفعالهم وحالهم من هذا!
لو عاصرهم بفكره هذا لبدعهم وزعم أنهم خوارج أو بغاة أو نحو ذلك مما يوزعونه اليوم من الألقاب على أتباع السلف والأئمة بصدق! وعلى المسلم أن يحذر هؤلاء، ومتى وجدت المنتسب للعلم يصف بالبدعة العاملين الناصحين، ويثني على الأئمة المضلين، فاعلم أنه إن كان عالمًا فهو من علماء السوء، الذين لا يجوز أن يعتمد على قولهم.
قال ولي الله الدهلوي: “الزَّمَان لما طَال وَبعد الْعَهْد وضيعت الْأَمَانَات لم يجز أَن يعْتَمد على أَقْوَال عُلَمَاء السوء من الْقُضَاة الجورة والمفتين التَّابِعين لأهوائهم حَتَّى ينسبوا مَا يَقُولُونَ إِلَى بعض من اشْتهر من السّلف بِالصّدقِ والديانة وَالْأَمَانَة إِمَّا صَرِيحًا أَو دلَالَة، وَحفظ قَوْله ذَلِك وَلَا على قَول من لَا نَدْرِي هَل جمع شُرُوط الاجتهاد أَو لَا فَإِذا رَأينَا الْعلمَاء الْمُحَقِّقين فِي مَذَاهِب السّلف عَسى أَن يصدقُوا فِي تخريجاتهم على أَقْوَالهم واستنباطهم من الْكتاب وَالسّنة وَأما إِذا لم نر مِنْهُم ذَلِك فهيهات” [عقد الجيد، ص١٤].
ثم من المهم أن يُعلم مكان المعذور من مكان المجاهد المأجور، ومن لم يميز بين أفضل الجهاد، الذي هو كلمة حق عند سلطان جائر، وبين أعظم البغي الذي هو قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، وحبسهم، وعقوبتهم، فهو من أعظم الناس جهلاً وضلالاً. وما أعظم جنايته حين ينسب ذلك الجهل إلى الكتاب والسنة، واعتقاد السلف والأئمة!
ويجب ألا يكون العزو انتقائيًّا كما يفعله بعض السادرين في الضلالة، فإن وجد نصًّا علم أن عمل السلف والقرون يوجه فهمه، قال: العبرة بالنص! وأغفل ما كانت عليه الأمة في صدرها الأول من فهمه، وإذا وجد لبعض السلف ما يوافق هواه جعله إجماع السلف والحجة التي يعتسف عليها النص! وكان حقه أن يعتذر لذلك السلف، ويعتبر بالنص وسلف آخرين!
هدى الله ضال المسلمين، وفرج عن المظلومين، وعن أوليائه المتقين، وأرانا ما وعد من حسن العاقبة لهم في الدنيا قبل الآخرة، بمنه وفضله.