اللصان والمسروق في خلاف السعودية والإمارات!

لعل مما أبرزته الأزمة الخليجية الأخيرة ( بين السعودية والإمارات ) من عناوين، هو التذكير بالمثل الشهير: إذا اختلف اللصان ظهر المسروق، وفي ثنايا هذا الاختلاف ما يثبت أنهما لصان وما يظهر المسروق لمن كان له لب وبصيرة، ومن قام لله متجردًا من اتباع الأهواء والتعصب المذموم.

فأول ما ينكشف من هذا الاختلاف: أنهما حلف مشترك طوال سنوات سابقة في العديد من الملفات العالمية والإقليمية، صوتهما واحد وفعلهما واحد، وكان حلفًا غادرًا بالإسلام وأهله، مضيعًا لمصالحهما، مقدمًا لمصالح ثلة من المترفين، الذين انتهجوا المسارعة في رضى أعداء الأمة، والظلم والقسوة على علمائها ودعاتها ورموزها!

فأضعفوا المجتمعات الإسلامية وحاربوا تدينها خدمة لمن يريدون رضاه في أمريكا وإسرائيل، واستمروا على هذه السياسة سنوات طويلة، يستحيل معها أن يقال: إن طرفًا منهما كان يجهل ما يفعل!

ثم بعد وقوع الخلاف بينهم: قام بعضهم بتعيير بعض بهذا الخط السياسي الذي كانوا فيه معًا!

واعتمد أتباع السعودية خاصة تعيير الإماراتيين بهذه العمالة، وكأنهم لم يكونوا حلفًا معها في هذا الطريق قبل أن يختلف اللصان ويظهر المسروق!

ففي ذروة تحالف البلدين على قطر مثلًا: كان الذي يعير الإمارات بالعمالة لإسرائيل من السعوديين سيدخل السجن إن لم يهمس بها همسًا! وكان تيار الوطنجية الأعمى سيكيل له التهم بالتطرف والإرهاب وأنه من تنظيم الإخوان، إلى آخر الأسطوانة الفاجرة المعروفة عنهم! ولكن بعد اختلافهم مع الإمارات صاروا هم من يقول هذا الكلام، وصار بعض الأتباع الجهلة من الطرف الآخر يقولون: رمتني بدائها وانسلت، وهكذا صدق اللهُ أهلَ العلم والإيمان فيما كانوا يصفون به سياسة هاتين الحكومتين على ألسن أتباعهما وباعتراف منهما.

فأضعفوا المجتمعات الإسلامية وحاربوا تدينها خدمة لمن يريدون رضاه في أمريكا وإسرائيل، واستمروا على هذه السياسة سنوات طويلة، يستحيل معها أن يقال: إن طرفًا منهما كان يجهل ما يفعل!

ومما كشفته هذه الأزمة: المأزق العظيم لسردية غلاة الطاعة، تلك السردية الوثنية المصنوعة بأيدي بشر منتمين للتدين وهم من أجهل الناس وأفجرهم!

وبعضهم لديه اختلالات نفسية وعقلية ولكنه مصدر للإعلام في صورة شيخ دين، بعدما قمع شيوخ الدين الحقيقيون وامتلأت بهم السجون وخاف من بقي منهم خارجها عن الكلام الحق!

فتسلقت القرود على المنبر المهجور، وصارت تقدم دين الله كما يريده الساسة المتحالفون عليه، أنه يؤيد حلفهم ويأمر بطاعتهم، وانساق بعض رموز هذه البدعة من السعوديين في الثناء على الإمارات وجهودها في نشر الإسلام، ذات نشوة بلحظة الحلف بين البلدين! ولم يدر بخلدهم أن اللصين سيختلفان، وسيتهم بعضهم بعضًا بما تنوء به الجبال من تهم، فمن المأمور بطاعته منهما الآن؟! ومن الذي كانت جهوده في خدمة الإسلام الآن؟!

فصار الجواب عند بعضهم:

  • يجب على الإماراتيين أن يطيعوا ولي أمرهم في عداوته للسعودية ويصدقوه فيما اتهمها به ويتبعوه على ذلك!
  • كما يجب على السعوديين أن يطيعوا ولي أمرهم في عداوته للإماراتيين ويصدقوه فيما اتهمها به ويتبعوه على ذلك!
  • وصار دين الله عندهم يأمر بالنقيضين تعالى الله وتنزه دينه عن ذلك : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا )
  • وآخرون منهم: لم يحيروا جوابًا ولم يفيقوا من وقع الصدمة وغاب دينهم مع الاختلاف السياسي، غياب الهلال عن عين المترائي، فهم على أطلال الوطنجية وشتائمهم واقفون حائرون يتلمسون هدى من شتيمة هنا أو شتيمة هناك دون جدوى، قد انكشف لهم زيف ما هم عليه لو تجردوا لله وصدقوا في طلب الحق.

وأما من نزه قلبه ودينه عن اتباع أي من الطرفين من أهل العلم والإيمان ممن كان يحاكم الاثنين إلى شريعة الله، ويتبرأ من مخالفتهما لدين الله ويقر بما وافقوا فيه الإسلام: فهو قرير عين، لسان حاله:

بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى ** فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغدِ

ومما كشفته هذه الأزمة: معالم الفجور في الخصومة في أتباع الطرفين المختلفين، فصارا يتهمان بعضهما بدعم الإخوان المسلمين، تلك التهمة التي كانت سيفًا مصلتًا بأيديهما إبان حلفهما المشترك، فهي إحدى أركان حصارهما لقطر، وبها استطال أتباعهما على كل ناصح لله ومشفق على قومه، ومن خلالها امتلأت سجون الدولتين برموز وأبرياء وصالحين! ثم لما صار بينهما خلاف أطلقها كل منهما في وجه الآخر، بذات المنهج الذي كانا يطلقانها به في وجه الآخرين: كذبًا وزورًا واتهامًا لمن يختلف معهما لمجرد الاختلاف، دون تحري الصدق ودون عدل في الحكم!

وهذا يذكر بأحد رموز غلاة الطاعة الذي نشر له تسجيل مع أحد طلابه ممن تشرب منهجه وقام بتطبيقه دون مجاملات فأحرج هذا الرمز، وفي ثنايا نقاشهم قال الطالب للشيخ: فلان الذي لا تبدعه إخواني. فرد عليه الشيخ: أنت الإخواني!

هكذا في لحظات وبكل يسر، يكشف أولئك القوم الذين ملأوا الدنيا وأشغلوا الناس بحرب الإخوان عن طريقتهم ومنهجهم في صك هذه التهمة، وأنها مجرد تهمة معلبة جاهزة للقذف بها في وجه كل من يختلف معنا ويخالف طريقتنا دون تقوى لله ولا صدق مع خلقه.

ومن معالم الفجور في الخصومة: ما امتلأت به دعايات الفريقين من طعن في الأعراض، واتهام في الأنساب، وما صاغه شعراء ومثقفون من البلاطين من معيب القول والاستطالة على النساء، الأمر الذي يدل على مدى المرض الأخلاقي الذي ينخر في عظام الفريقين وأتباعهما، ويذكرنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في علامات المنافق: وإذا خاصم فجر.

ومما كشفته هذه الأزمة: شدة تعلق الفريقين بالكفار من أعداء الله تعالى، في أمريكا وإسرائيل، وفرحهم بما يصدر من أي منتم إلى هاتين الدولتين ولو كان صحفيًّا مغمورًا لا تأثير له من مدح لأي منهما، ومسارعتهما في نيل رضا الكفار ضد الآخرين! ولن تجد عند أي ذبابة من أتباع الفريقين استدلالًا بالقرآن والسنة وكلام علماء المسلمين على صحة الموقف وخطأ الآخر، ولكنك ستجد التداول الكبير لتصريحات الكفار ولو كانت محورة أو مزورة بما يدل على اتجاه القلوب والعقائد في المعسكرين.

ومما كشفته أزمة الإمارات والسعودية: انتشار الحمية الجاهلية والتعصب المذموم والانقياد الأعمى في كثير من أتباع الفريقين، فهم يدافعون ولو لم يفهموا ويتقحمون ولو في مهاوي الردى، بما يخالف ما عليه المسلمون حقًّا، الذين كانوا يتبعون ولاتهم في الحق، وينصحونهم عن الباطل، ولم يقتصر هذا الاتباع الجاهلي -الذي بين الله في كتابه أنه من أكبر أسباب دخول النار- على الممارسات الجاهلة، بل تم التنظير له والتأطير، في مشهد يعكس مأزق المفهوم الوطني الذي ينتشر عند مواطني الخليج، والذي جاء بصورة مهينة للكرامة الإنسانية، فلا هو الذي يقدم مصالح الدين، كما في القرآن والسنة وكلام فقهاء المسلمين، ولا هو الذي يقدم مصالح الوطن، كما هو في مواضعات البشر الباحثين عن مصالحهم ومصالح أممهم ومجتمعاتهم!

ومما كشفته هذه الأزمة: شدة تعلق الفريقين بالكفار من أعداء الله تعالى، في أمريكا وإسرائيل، وفرحهم بما يصدر من أي منتم إلى هاتين الدولتين ولو كان صحفيًّا مغمورًا لا تأثير له من مدح لأي منهما، ومسارعتهما في نيل رضا الكفار ضد الآخرين! ولن تجد عند أي ذبابة من أتباع الفريقين استدلالًا بالقرآن والسنة وكلام علماء المسلمين على صحة الموقف وخطأ الآخر، ولكنك ستجد التداول الكبير لتصريحات الكفار ولو كانت محورة أو مزورة بما يدل على اتجاه القلوب والعقائد في المعسكرين.

بل تعني الوطنية عند هؤلاء بكل اختصار ومهانة: اتباع الأمير في كل قراراته ولو كانت ضد المصالح، مع عدم الجرأة على التفكير في كونها ضد المصالح أو معها، مع كامل الاستعداد لتبديل الجلد بكل سرعة إذا ما تغير رأي الأمير أو جاء أمير آخر برأي مغاير.

ولو كان عند أحد منهم لب وعقل لكشفت له هذه الأزمة خطأ الطريق الذي يسير فيه، فهو إن كان يضايقه خصومه الذين يهاجمون بلده وقيادته ويتهمونهما، فليعلم أنهم يقومون بما يؤمن به هو ويراه حقًّا، من اتباع الأمير في خصومته مع الآخرين ومهاجمته لهم وفي سائر المواقف، دون تمحيص بين ما هو حق منها وما هو باطل!

فهم يتبعون أمراءهم كما تتبع أنت أميرك، وكلاكما سيسأل أمام الله عن هذا الاتباع الأعمى، ولن ينفعه أن يقول: أمرني فلان، أو فعلته لرضى فلان، بل سيجد أميره الذي اتبعه أول من يتبرأ منه ( إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ).

بل تعني الوطنية عند هؤلاء بكل اختصار ومهانة: اتباع الأمير في كل قراراته ولو كانت ضد المصالح، مع عدم الجرأة على التفكير في كونها ضد المصالح أو معها، مع كامل الاستعداد لتبديل الجلد بكل سرعة إذا ما تغير رأي الأمير أو جاء أمير آخر برأي مغاير.

وما أخوف ذلك المشهد الذي أخبرنا الله بحدوثه في نار جهنم لنفر من الضعفاء، اتبعوا قومًا مستكبرين في معصية الله، ثم لما دخلوا معهم النار يطلبون كبراءهم وأمراءهم الغنية من عذاب الله وهيهات: (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا نصيبًا من النار) .

إن ما تكشفه الأزمة الخليجية الأخيرة أكبر بكثير مما تمت الإشارة إليه في هذه العجالة، وهي في تفاصيلها وطياتها تكشف وتقرر ما سبق إليه أهل العلم والإيمان من نقد أخطاء الحكومات الخليجية ومجتمعاتها، من إخلالهم بشريعة الله وبمصالح دينهم وانقيادهم للكفار، وركونهم للترف والدعة والكسل، حتى صاروا يسبون الصحوة ويستعذبون الرقدة والغفلة، ولقد جاءت هذه الأزمة مصدقة وشاهدة ضمن شواهد كثيرة لما يحتاج إليه أهل الخليج من عودة لدين الله وإعزاز لمجتمعاتهم بالدين، خلافًا لما هم عليه من تناحر وتشرذم وتسابق في رضى الكفار، وقسوة على علمائهم ودعاتهم ورموزهم، ولين مع أهل النفاق والريب ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) .