قال الشيخ: طاعة محمد بن زايد عقيدة سلفية.

في القاعة المخصَّصة للصلاة في قاعدةٍ عسكريةٍ على أطراف إمارة أبو ظبي، تقدَّم الشيخ المسؤول عن وحدة التوعية الدينية والتوجيه الفكري، وبدأ يلقى محاضرته على حشدٍ من الضباط والجنود، يتقدمهم فريقٌ من الإعلاميين والناشطين على شبكات التواصل.

كان حديث الشيخ يدور حول الأحداث الأخيرة في اليمن، وكان يذكر الجميع بوجوب التزام منهج السلف بالتكاتف مع ولي أمرهم في إمارات الخير؛ الشيخ محمد بن زايد الذي يتصدى لمشاريع الإخوان المسلمين الساعين للفتنة في كل مكانٍ، وكان من آخر مساعيهم نجاحهم في التغرير بالسعودية لتتدخل وتسند مشروعهم في اليمن الجنوبي!

ولما رأى الشيخ على وجوه الحاضرين لهفةً لسماع المزيد من التفصيل والشرح، قال: ما كلُّ ما يُعرف يُقال، ونحن لسنا أهل سياسة، وولاة الأمر يعرفون الكثير مما لا يستطيعون التصريح به، وهم أعلم وأعرف بدهاليز السياسة من غيرهم، فعلينا جميعًا، سواءٌ كنا شيوخًا، أو جنودًا، أو إعلاميين أن نقف مع دولتنا وولاة أمرنا في وجه مشاريع جماعات الإسلام السياسي المدعومين من السعودية.

هذه قصة متخيَّلة مستوحاةٌ من واقعٍ يجري على الأرض في الإمارات وغيرها، حيث يحصل تلبيس كثيرٌ وتحريفٌ للدين، ليتمَّ توظيفه في خدمة أغراض الملوك والساسة تحت شعار منهج السلف وأحاديث طاعة ولاة الأمر! تلبيسٌ تُوظَّف فيه نصوص الوحي وآثار السلف من أجل إعطاء الشرعية الدينية لتصرفات حكامٍ لا يبالون بشرعٍ ولا دينٍ.

لكنَّ الله سبحانه لطيف بعباده، حكيمٌ فيما يقضيه ويقدره، فتأتي الأحداث والمحن لتفضح زيف تلك التأصيلات الفاسدة وتكشف ما فيها من تضليلٍ وإفسادٍ.

وكنا في مقالة سابقة تحدثنا عن معضلة غلاة الطاعة في التعامل مع نازلة غزة، وكيف رأيناهم يخرقون تأصيلاتهم السابقة عن أحكام الجهاد، وعن اختصاص ولي الأمر بحقِّ إعلانه ضد العدو الكافر، وأشرنا في المقالة-أيضًا-إلى ورطة سابقة لهم في التعامل مع الأزمة التي نشبت قبل سنوات بين السعودية وقطر.

وما إنْ نُشرت تلك المقالة، حتى تفجرت الآن أزمة أخرى أنجبت معضلةً جديدةً أظنُّها ستكون أشدَّ وطأةً على أهل التحريف والغلو من سابقاتها، أعني بذلك بروز وصعود الصراع السعودي الإماراتي إلى السطح بعدما كان يدار في الخفاء.

وحين أرجِّح أن هذه الأزمة ستكون أشدَّ وطأةً على أهل الغلو من غيرها، فلأنهم وقعوا فيها وسط خصومةٍ شرسةٍ بين رأسين داعمَين لطريقتهم، يدينون لهما بولاء لا يدينون بمثله لغيرهما! فمهما حاولوا وجهدوا فلن يستطيعوا تنزيل قواعدهم على هذا الخلاف ليخرجوا برؤيةٍ مقبولةٍ تستُر بطلان انتسابهم لطريقة السلف.

فحسب أصولهم وقواعدهم: فإنَّ في الرياض وليُّ أمرٍ يحكم رعيةً يجب عليها أن تسمع له وتطيع متى اتخذ قرارًا يرى فيه المصلحة؛ فوليُّ الأمر-كما يرددون دائمًا-يعرف ويرى ما لا يراه سائر الناس، وهو بمستشاريه أدرى بمصالح الحكم، فلا يجوز لأحدٍ أن يفتات عليه في تقديره للمصالح والمفاسد!

وفي أبو ظبي: وليُّ أمرٍ آخر يتمتع بنفس المزايا والحقوق الواجبة له على جنوده ورعيَّته.

وما يحصل الآن أنَّ وليَّا الأمر تعارضت قراراتهما، وتناقضت رؤيتهما للمصالح؛ فلو وجبت طاعة الاثنين لفسدت الأرض!

ولي الأمر في الرياض: يتَّهم وليَّ الأمر في أبو ظبي بإثارة الفتنة والفرقة في اليمن، وولي الأمر في أبو ظبي ينفي ذلك، ويزيدُ فيتَّهم وليَّ الأمر في الرياض بتأييد الإخوان المسلمين في اليمن، وهي التهمة التي يتبرأ منها ولي الأمر في الرياض!

فماذا يقولُ لنا منهج السلف المدَّعى في مثل هذه النازلة؟!

إن قلنا: إنَّ المسلم في السعودية يلزمه اتباع وتصديق وليِّ أمره والتسليم لقراراته باعتباره الأعلم بالمصلحة، فماذا عمَّن يعيش في الضفة الأخرى في أبو ظبي، هل سنقول: إن عليه تصديق وليِّ أمره أيضًا؟ أم أنَّ واجبه تصديق وليِّ الأمر في السعودية، وتكذيب وليِّ أمره؟!

ما الحكم الشرعيُّ في مثل هذه النازلة؟

وأين يقعُ مذهب السلف في هذه المعضلة؟

وهل منهج السلف يمنع العالم وطالب العلم الذي يعيش في الرياض أو في أبو ظبي من أن يستقل برأيه، فينظر في المصالح والمفاسد، ويفتي الناس بما يراه، وإن خالف رؤية وليِّ أمره؟ أم أنه إن فعل هذا يكون مُفتاتًا معتديًا على حقوق ولي الأمر؟!

لست أتحدث هنا عن (إنكارٍ سريٍّ أو علنيٍّ)، بل حديثي عن مسؤولية الفتيا المعلقة برقاب أهل العلم، فهناك الآن جنود على الأرض يقاتلون فيَقتُلون ويُقتَلون، وهناك دماء تسفك، وهناك أيضًا: معركة إعلامية حامية الوطيس في الفضائيات والصحف وعلى شبكات التواصل، وثمة تحشيد وتجييش للناس في الطرفين، هُدِمَ فيه كل ما كان يقال: عن تحريم الطعن في الولاة!

فما موقف العلماء وطلاب العلم في كلٍّ من البلدين إذا سئلوا عن شيءٍ من هذا؟

وأهمُّ من ذلك كله: ما الواجب على من يعيش في إحدى الدولتين إذا أمره وليُّ أمره بالمشاركة والإسهام في هذه الخصومة بسلاحه، أو حتى بلسانه أو قلمه؟ هل يَحِقُّ له الامتناع عن ذلك إن رأى خطأ ولي أمره في تقدير المصلحة؟ أم أنَّ واجبه التسليم والانقياد تحت قاعدة: طاعة ولي الأمر الخبير بالمصالح والمفاسد؟!

دين المسلمين في الرياض هو دين المسلمين في أبو ظبي، ومذهب السلف يفترض ألا يتغير بتغير العواصم واختلاف إحداثيات الموقع الجغرافي، فإذا كان كلٌّ من الطرفين ملزمًا بالتسليم والطاعة لما يراه ولي أمره من مصالح، فمعنى هذا أن دين الإسلام يأمر أهله بالاقتتال بينهم طاعةً لولاة أمورهم! والقاتل والمقتول في الطرفين مأجورٌ مثابٌ! فهل يمكن أن يُنسب هذا الفقه لمذهب السلف، أو حتى لدين الإسلام جملةً؟!

بالأمس كان هاني بن بريك يصيح من اليمن ويعلن أنه-بناءً على منهج السلف-فهو مع وليِّ أمره عيدروس الزبيدي المتغلب على اليمن الجنوبي.

ووسيم يوسف ينعق في أبو ظبي ويؤكد أنه مع ولي أمره محمد بن زايد.

وفي السعودية أشباهٌ لهذين، يقولون إنهم مع ولي أمرهم الواجبة طاعته حسب منهج السلف أيضًا.

فهل لمثل هذا العبث صلةٌ بدين الإسلام؟!

أئمةُ الإسلام كانوا يرون لأنفسهم حقَّ النظر المستقل في المصالح والمفاسد، بل إنَّ هذا من صميهم واجبهم، حتى لو تعلق الأمر بسياسات أهل الحكم. أما اليوم، فلو استقلَّ عالمٌ برأيه في هذه النازلة أو ما يشبهها في بلدٍ كالسعودية، فسيجد نفسه في قاعة المحكمة، بين يدي قاضٍ (شرعيٍّ!) يصدر عليه حكمًا بالسجن عقدًا أو عقدين بتهمة الخروج عن منهج السلف، والافتيات على ولي الأمر، وهي المحكمة نفسها التي سجنت بالأمس من كان يحذر من الإمارات وتذكر في تسبيب الحكم: (الإساءة لدولة صديقة)، وهي الدولة نفسها التي تبين الآن أنها عدوٌّ، وأنَّ الوقوف ضدها واجبٌ وطنيٌّ متعينٌّ!

دين المسلمين في الرياض هو دين المسلمين في أبو ظبي، ومذهب السلف يفترض ألا يتغير بتغير العواصم واختلاف إحداثيات الموقع الجغرافي، فإذا كان كلٌّ من الطرفين ملزمًا بالتسليم والطاعة لما يراه ولي أمره من مصالح، فمعنى هذا أن دين الإسلام يأمر أهله بالاقتتال بينهم طاعةً لولاة أمورهم! والقاتل والمقتول في الطرفين مأجورٌ مثابٌ! فهل يمكن أن يُنسب هذا الفقه لمذهب السلف، أو حتى لدين الإسلام جملةً؟!

بعض الناس قد يضعف حظُّه من العلم الشرعي، فينساق وراء بعض هذه الآراء الفاسدة، فتأتي مثل هذه النوازل لتوقظَ وتحرك عقلَ من لديه مسكة عقلٍ ليراجع قناعاته التي لا يزال يردِّدُ أنها مذهب السَّلف، فالأئمة من أهل العلم والفقه إذا قالوا في مسألةٍ: “إذا رأى ولي الأمر المصلحة”، فهم يتحدثون عن ولي أمرٍ عدلٍ ينظر في مصالح أهل الإسلام، لا عن مستبدٍّ فاسقٍ يدور مع مصالح كرسيه دون مبالاةٍ بحدود الله وحرماته.

ولو كان كلُّ من وَلِيَ وتغلّب على طائفة من المسلمين وجب التسليم له فيما يقول إنه مصلحة، فسوف ينفتح بابٌ عظيمٌ من الفساد والشرِّ الذي لا نهاية له.

فيزيد بن أبي سفيان رأى المصلحة في قتال وقتل أبناء الصحابة بالمدينة يوم الحَرَّة.

والأمير ابن زياد: رأى المصلحة في قتل الحسين.

والحجاج بن يوسف رأى المصلحة في قتال عبد الله بن الزبير وذبح سعيد بن جبير.

وأمير المدينة رأى المصلحة في جلد سعيد بن المسيب.

وأمير آخر للمدينة رأى المصلحة في جلد الإمام مالك بن أنس.

والمأمون والواثق والمعتصم رأوا المصلحة في سجن وجلد أحمد بن حنبلٍ.

وسلاطين المماليك رأوا المصلحة في سجن ابن تيمية ومنعه من الفتيا.

والتاريخ مليء بنماذج من الظلم التي رأى فيها ولاة الأمر مصلحةً، فمن نسب للإسلام أو لأئمة السلف إطلاق القول: بأن ولي الأمر أدرى بالمصالح دون تفريق بين ولي صالحٍ وآخر فاسقٍ، فقد افترى على الله ونسب لدين الإسلام الظلم والجور.

أئمةُ الإسلام كانوا يرون لأنفسهم حقَّ النظر المستقل في المصالح والمفاسد، بل إنَّ هذا من صميهم واجبهم، حتى لو تعلق الأمر بسياسات أهل الحكم. أما اليوم، فلو استقلَّ عالمٌ برأيه في هذه النازلة أو ما يشبهها في بلدٍ كالسعودية، فسيجد نفسه في قاعة المحكمة، بين يدي قاضٍ (شرعيٍّ!) يصدر عليه حكمًا بالسجن عقدًا أو عقدين بتهمة الخروج عن منهج السلف، والافتيات على ولي الأمر، وهي المحكمة نفسها التي سجنت بالأمس من كان يحذر من الإمارات وتذكر في تسبيب الحكم: (الإساءة لدولة صديقة)، وهي الدولة نفسها التي تبين الآن أنها عدوٌّ، وأنَّ الوقوف ضدها واجبٌ وطنيٌّ متعينٌّ!

بل حتى ولي الأمر العدل العالمُ التقيُّ النقيُّ يجوز للعالم مخالفته في تقدير المصالح. فها هم جمهور الصحابة رضي الله عنهم لم يستجيبوا لإمامهم علي بن أبي طالبٍ لما دعاهم لقتال أهل الجمل وصفين، فرأوا أن ذلك القتال قتال فتنة لا مصلحة فيه، ولم يقلْ أحدٌ منهم: (عليٌّ وليُّ أمرٍ وطاعته واجبة إذا رأى المصلحة في قتال الخارجين عن طاعته).

بل قد كان في الصحابة من يعيش تحت ولاية علي رضي الله عنه، ومع ذلك كان يأمر بالتخلف والقعود عن القتال معه كما ثبت في صحيح البخاري عن الأحنف بن قيسٍ قال: ذهبت لأنصر هذا الرجلَ (يعني عليًّا)، فلقيني أبو بكرةَ رضي الله عنه، فقال: أين تريدُ؟ قلت: أنصُر هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعتُ رسول الله يقول: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار).

كان الصحابة يقولون هذا ويصرحون به، وعليٌّ يعلم بذلك دون أن يرى لنفسه حقَّ محاسبة أحدٍ منهم، فقد كان من مشاهير الصحابة الذين أمسكوا عن القتال معه أسامة بن زيدٍ، وقد ثبت عنه في صحيح البخاري أنَّه لما أرسل مولاه إلى علي بن أبي طالب في حاجةٍ له قال له: إنَّه سيسألك فيقولُ ما خلَّف صاحبَك؟ فقل له: إنَّه يقول لك: لو كنتَ في شدق الأسد لأحبْبتُ أنْ أكونَ معك فيه، ولكنْ هذا أمرٌ لم أرَه”. يعني لم أر المصلحة والخير فيه.

فإذا كان مثل علي رضي الله عنه تجوز مخالفته في تقدير المصلحة، ويجوز إعلان ذلك والفتيا به، فكيف يُمنَعُ من مثل هذا مع من لا يبلغون شسع نعل عليٍّ اليسرى؟!

دين الإسلام ومذهب السلف بريئان من ذلك المسلك البليد الذي يعطي لأصحاب الولايات حصانةً من المخالفة والتخطئة، ويمنح فُسَّاقهم عصمةً من اتباع الهوى في سياساتهم. والعالم مأمورٌ شرعًا بإظهار الحقِّ متى علم أنَّ صاحب الولاية يأمر بفسادٍ ظاهرٍ يتوهَّم أو يوهِمُ أنَّ فيه الخير والمصلحة.

ومن يتعلَّلُ بأنَّ الساسة يرون ما لا يراه غيرهم، فعليه أن يتذكر أنَّ العلماء بدين الله أيضًا يرون ويعلمون من أحكام الشرع ما لا يعلمه الرؤساء الجهال والفساق، ولأجل هذا المعنى دخل العلماء في قوله تعالى: “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، فقال أبو العالية، وعطاء، ومجاهد، والحسن البصري وغيرهم: هم أولو العلم والفقه.

من رزق عقلًا، ونظر بصدقٍ وفهمٍ في نصوص الوحي، ثم تأمل في إرث أئمَّة الإسلام، وانخلع من الهوى والتقليد الأعمى، فسوف يدرك بيُسرٍ أن دين الإسلام برآءٌ ممّا ينسبه له غلاة الطاعة من تلك التقعيدات المتهافتة التي تلصقُ بأئمة السلف من خلال تنزيل أقوالهم على غير ما أرادوه وقصدوه.