فإذا سقطت المقولات السابقة – المؤامرة والمغامرة – عند ميزان العقل والواقع، لجأ أهل الخذلان إلى ما هو أخطر منها: استدعاء الدين نفسه، وتوظيف الخلاف العقدي والفقهي سلاحًا في وجه الجهاد وأهله، زعمًا وبهتانًا.
المقولة الثالثة: مقولة العجز:
وملخصها أن المسلمين في عجز تام عن الجهاد فلا يجب عليهم، وقد يستشهد بعضهم بحال النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ونقاش هذه المقولة في الأوجه التالية:
الوجه الأول: أن العجز حال بعض المسلمين وليس كلهم، من المرضى والضعفاء والمأسورين ونحوهم، فهؤلاء لهم في حال رسول الله في مكة أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وأما بقية المسلمين فهم يملكون شيئًا عظيمًا من المال والسلاح والرأي، ثم هم منخذلون عن الجهاد وخاذلون للمجاهدين، تاركون لما أمر الله به وما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: إن كان ظن أصحاب هذه المقولة في انهزام الإسلام أبدًا فهو ظن المنافقين والكفار، وهو من أنواع الظن السيئ بالله المُخرج من ملة الإسلام، كما ذكر العلماء، وإن كان ظنهم أن مرحلة العجز طارئة فأين إعدادهم للجهاد؟!
وهل يا ترى حينما ينتصر المسلمون على اليهود ويطردونهم من بلاد الإسلام سيكون هؤلاء المنتصرون امتدادًا لأصحاب هذه المقولة؟! أم أنهم امتداد المجاهدين من آساد الطوفان، ومن قضوا حياتهم في مواجهة اليهود والإعداد لذلك؟!
الوجه الثالث: إن هذه المقولة نابعة من ضعف الإيمان، والدليل على ذلك أن من يقولها لا يجاهد ولا يدعم المجاهدين، وقد حكاها القرآن عن ضعاف الإيمان، فقال سبحانه: (قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ).
الوجه الرابع: أن من بركات طوفان الأقصى المبارك أنه أكذب هذا الشعار- مقولة العجز- وحطم هذه المقولة، فإن فئة قليلة محاصرة من أهل الإسلام بإمكانات بدائية وقليل من السلاح قد أنكوا في الكفار، واقتحموا عليهم عقر دارهم، وقتلوا منهم وأسروا، فكيف لو كان وراءهم أهل الإسلام؟! فالعجز ليس في قدرة المسلمين حقيقة، وإنما في إيمانهم وإعدادهم، وهذا من العجز المعيب الآثم، وليس من العجز العاذر.
المقولة الرابعة: مقولة الابتداع:
وتتلخص في أن المجاهدين من حماس وغيرهم مبتدعة في الدين، أو أنهم يوالون المبتدعة كإيران والروافض، ونقاش هذه المقولة في الأوجه التالية:
الوجه الأول: أن من عقيدة أهل السنة التي ينصون عليها في كتب الاعتقاد الجهاد مع كل بر وفاجر من المسلمين، وهذا لأن مصلحة الجهاد عائدة لأهل الإسلام جميعهم، وهو دافع لفساد أعداء الإسلام، وهذا الأمر كما أنه مقتضى الدين، فهو مقتضى العقل كذلك.
الوجه الثاني: فشت البدع والأخطاء في المسلمين منذ انقضاء القرون المفضلة، ولم يمنع ذلك من الجهاد ولا من الانتماء للإسلام وأهله ولا من مناصرتهم، إلا عند طائفة قليلة من الخوارج، خرجوا على المسلمين وشذوا عنهم متذرعين بما فيهم من بدع ومعاصي، وهم الذين وصفوا في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) ومن يردد هذه المقولة إنما يشرب من معين الخوارج، ويتنفس من منسمهم، وإن كانت له عداوة مع هذا الاسم؛ فإنما هي كعداوة الثور للون الأحمر، ثم هو يتفق معهم في المضمون، ويقتل أهل الإسلام بخذلانه وكلماته وتحريضه عليهم تاركًا جهاد الكفار من اليهود ومن والاهم.
من بركات طوفان الأقصى المبارك أنه أكذب هذا الشعار- مقولة العجز- وحطم هذه المقولة، فإن فئة قليلة محاصرة من أهل الإسلام بإمكانات بدائية وقليل من السلاح قد أنكوا في الكفار، واقتحموا عليهم عقر دارهم، وقتلوا منهم وأسروا، فكيف لو كان وراءهم أهل الإسلام؟! فالعجز ليس في قدرة المسلمين حقيقة، وإنما في إيمانهم وإعدادهم، وهذا من العجز المعيب الآثم، وليس من العجز العاذر.
الوجه الثالث: قد جرت العادة أن أصحاب هذه المقالة شر في حالهم ومآلهم ممن يطعنون فيهم من المجاهدين، وأنهم يتبعون ويعظمون من ارتكب موبقات أعظم مما يعيبونه على المجاهدين، فهم ساكتون عمن يوالي الكفار، ويمكن للمرتدين من العلمانيين والطاعنين في الدين، بل من يظاهر الكفار على المسلمين، ولربما سوَّغوا عمله بالمصالح، ثم هم يهولون على المجاهدين علاقتهم بإيران، يبصرون القذاة في أعين الناس ويتركون الجذع في أعينهم!
الوجه الرابع: أن المسلمين أجمعين يلهجون بالثناء على صلاح الدين الأيوبي فاتح بيت المقدس ومحرره من الصليبيين، وهو مع ذلك ممن تنسب له أخطاء من جهة التدين ومن جهة الدنيا، بل روي أن له علاقة بالحكم الإسماعيلي الذي كان وزيرًا عنده، وأنه ندم على قطع الخطبة عنه لما مات بعدها بقليل، وتمنى لو كان تريث حتى موته، وكل ذلك لم يعكر موالاته كقائد مسلم ولا الفرح بجهاده للكفار، ومن يعاديه ويبغضه لأجل أخطائه فلن يكون إلا ضعيف عقل قليل إيمان ذا منهج خطير على الإسلام وأهله كمنهج الخوارج.
فشت البدع والأخطاء في المسلمين منذ انقضاء القرون المفضلة، ولم يمنع ذلك من الجهاد ولا من الانتماء للإسلام وأهله ولا من مناصرتهم، إلا عند طائفة قليلة من الخوارج، خرجوا على المسلمين وشذوا عنهم متذرعين بما فيهم من بدع ومعاصي
الوجه الخامس: أن ابن تيمية جاهد مع الأشعرية والصوفية ضد التتار والمغول، بل وقرر في كتبه تقديم أهل البدع من المسلمين على غيرهم من الكفار الأصليين، فهذا موقف أهل الإيمان والعلم.
الوجه السادس: أن الكفار من اليهود وغيرهم إنما يرون هذا القائل كما يرون المسلمين في غزة، فهم يستهدفون الجميع، ويحاربون الجميع، ويكيدون للجميع، ولكن هذا القائل المخذول جمع تضييع الإيمان مع تضييع العقل والفطنة!
وعند هذا الحد لا يبقى من تلك المقولات إلا صورة واحدة: دين وفقه جديد يُستعمل لتعطيل الفرائض، وفقه يُساق لتبرير القعود وتشريع تعطيل الفريضة ، ونصوص تُنزَع من مقاصدها لتكون غطاءً للخذلان لا حاجزًا دونه. وللحديث بقية.