إتمامًا لما سبق الشروع في الحديث عنه من الانحرافات التي طرأت مؤخرًا على أحكام السياسة الشرعيّة وما يتّصل بها، كان العزم أن يكون موضوع هذه المقالة إلقاء الضوء على واحدةٍ من أكبر التحوّلات والانحرافات التي دخلت على كثيرٍ من المنسوبين للعلم والفتيا في هذا الباب، ألا وهي مشكلة: تنحية البحث العلمي في مشروعيّة نظام الحكم، والقفز بدل ذلك إلى حشد الكلام عن أحاديث السمع والطاعة وتحريم الخروج على ولاة الأمور.
ومن المعلوم أنّ التديّن بوجوب السمع والطاعة للحاكم فرع عن تصحيح شرعيَّته، ولهذا كان النظر في شرعية الحاكمين إلى وقتٍ قريبٍ مطروحًا بكثرةٍ في الساحة العلميَّة، وشائعًا على ألسنة المفتين وفي مؤلفات أهل العلم ودروسهم، بخلاف الحال التي نراها اليوم، حيث طغى الكلام عن (طاعة ولاة الأمور) وغُيِّب البحث في أصل شرعيَّتهم!
وكان مبدأ هذا التحوُّل عندما ضغط واقع العلاقات الدولية على أهل العلم والفتيا، فأصبح الكلام عن شرعية نظامٍ من الأنظمة موجبًا لإثارة أزمةٍ سياسيَّة بين ذلك النظام، وبين البلد التي يتحدث منها العالم، فلذلك صار أعيان أهل العلم يتحاشون الحديث عن شرعية أنظمة الحكم في الفضاء العام، وقصروا كلامهم عن هذا في مجالسهم ومحيطهم القريب. (والحديث هنا عمن يحمل همَّ مثل هذه القضية ويملك الشجاعة للحديث عنها).
ومما زاد في التباس المسألة على الناس ذاك الحديث المكثّف عن طاعة ولاة الأمر بلغة فيها إجمال أو تعميم يعوزه إحكام العبارة، حيث يأتي حديث العالم مرسلًا دون تمييز بين نظامٍ ونظامٍ، مع أن عددًا كبيرًا من المتحدثين بمثل هذا الخطاب لا يعتقدون أكثر ما فيه من تعميم، لكنَّهم في الوقت نفسه عاجزون عن التفصيل والتصريح بالتمييز بين الأنظمة.
ومن المعلوم أنّ التديّن بوجوب السمع والطاعة للحاكم فرع عن تصحيح شرعيَّته، ولهذا كان النظر في شرعية الحاكمين إلى وقتٍ قريبٍ مطروحًا بكثرةٍ في الساحة العلميَّة، وشائعًا على ألسنة المفتين وفي مؤلفات أهل العلم ودروسهم، بخلاف الحال التي نراها اليوم، حيث طغى الكلام عن (طاعة ولاة الأمور) وغُيِّب البحث في أصل شرعيَّتهم!
ومع تبني منابر الإعلام لمثل هذه الخطابات الملتبسة، ثم دخول أهل الارتزاق والنفاق، تشكل مع مرور الوقت فقه أعمى عاجز عن رؤية مبطلات شرعية الحكم مهما كانت بارزةً مكشوفةً لأوساط المتعلمين، فكانت الثمرة خطابًا بائسًا لا يعرف من أحكام السياسة سوى الحديث عن مذهب السلف في السمع والطاعة لولاة الأمر!
وفي السعودية خاصّةً كان العالم (فيما مضى) إذا تحدث عن طاعة ولاة الأمر لا يستحضر سوى محيطه القريب ووليَّ أمره الذي يدين بشرعيَّته، وكانت القضية المفصلية الحاضرة التي أوجبت لهؤلاء التمييز بين السعودية وغيرها عدم وجود مرجعية للحكم معلنةٍ مصرّحٍ بها غير الشريعة الإسلاميّة، فمن هنا اعتقدوا شرعية نظام الحكم فيها، ثم بنوا على ذلك حديثهم عن طاعة ولي الأمر فيها.
وهذه المقالة لن تناقش هذه القضية خاصّةً؛ إذ غرضها فقط تسليط الضوء على أحد مظاهر التحوّل في الخطاب الشرعي لطائفة من أهل العلم والفتيا.
وبمناسبة تعيين الشيخ صالح الفوزان مفتيًّا عامًّا للمملكة، أسوق هنا كلامًا ذا صلةٍ يتعلَّق بفضيلته قد يصدم الكثير من ضعيفي المعرفة والاطلاع.
ما سأنقله للقراء هنا ليس كلامًا للشيخ الفوزان نفسه، بل هو حديثٌ صريحٌ لعالم أجل وأكبر منه، وهو الشيخ عبد العزيز بن بازٍ (رحمه الله)، والكلام الذي سنقرؤه للشيخ ذكره في أحد دروسه التي كان يلقيها بين العامين (1398هـ-1399هـ).
وفي السعودية خاصّةً كان العالم (فيما مضى) إذا تحدث عن طاعة ولاة الأمر لا يستحضر سوى محيطه القريب ووليَّ أمره الذي يدين بشرعيَّته، وكانت القضية المفصلية الحاضرة التي أوجبت لهؤلاء التمييز بين السعودية وغيرها عدم وجود مرجعية للحكم معلنةٍ مصرّحٍ بها غير الشريعة الإسلاميّة، فمن هنا اعتقدوا شرعية نظام الحكم فيها، ثم بنوا على ذلك حديثهم عن طاعة ولي الأمر فيها.
أما عن علاقة الشيخ الفوزان بهذا، فكلام ابن بازٍ الذي سنقف عليه دُوِّن في كتابٍ طبع عام (1430هـ)، بمراجعة وتقديم الشيخ صالح الفوزان (المفتي الجديد). وزيادةً على ذلك: فقد كُتِبَ على طرة الكتاب أنه طبع بإذن من المفتي الراحل قريبًا الشيخ عبد العزيز آل الشيخ (غفر الله له). ليس هذا فحسب، بل إنَّ الكتاب طُبع بإشراف وعناية الدكتور عبد السلام السليمان: (عضو هيئة كبار العلماء حاليًّا).
تأمَّل هذه القائمة من الأسماء المحيطة بالكتاب، ثم اقرأ معي الكلام الصريح المدوّن فيه، وستدرك أنه كلامٌ من النوع الذي يُعَدُّ قائل بعضه اليومَ من الخوارج المستحقِّين للقتل!

قال الشيخ ابن بازٍ (رحمة الله عليه):
[لو كان هناك جهادٌ صالحٌ الآن، يجب أن تُقاتل البلاد العربية كلُّها، حتى تقيم توحيد الله وحتى تحكم شريعة الله. ولكن أين الجهاد؟! الله المستعان؛ فالشرك موجودٌ، وطاعة الحكام من دون الله موجودة. فهذه الطوائف يجب أن تقاتل، في مصر والشام والعراق، وكل مكانٍ عُطِّلت فيه الشريعة؛ فيجب أن تقاتل حتى تقيم الشريعة؛ فإما هذا، وإما هذا؛ إما أن تقام الشريعة وأنتم على بلادكم وعلى أموالكم وعلى كراسيكم، فمطلوبنا مثل ما قال الصحابة للروم وفارس، مطلوبنا أن تقيموا أمر الله، فإذا أقمتم أمر الله، رجعنا عنكم].هذا ما ورد في الكتاب مما قاله الشيخ ابن بازٍ.
وكما نشاهد ونسمع الآن، فقد انتقل البحث اليوم من قتال الدول النّابذة للشريعة إلى الأمر بطاعتها، وإلى وصم منازعيها، أو حتى من لا يدينون بشرعيتها بمذهب الخوارج! ومن سيدهشه هذا الكلام من الشيخ ابن بازٍ سوف تتعاظم دهشته متى علم أن هذا الرأي العلميّ الذي ذكره الشيخ كان موقفًا شائعًا بين أهل العلم في السعودية وخارجها، (أعني نزع الشرعية عن حكم من ينبذ شريعة الإسلام ويقصيها عن مرجعيَّة الحكم).
وكان المفترض أن يساق في هذه المقالة المزيد من الشواهد التي تجلي هذه الحقيقة التاريخية المغيَّبة، لكن مع تعيين الشيخ الفوزان مفتيًّا عامًّا آثرنا الاستفتاح أولًا بنشر هذه الوثيقة العلميّة، وسنعرض المزيد من أشباهها في مقالةٍ أو مقالاتٍ قادمةٍ إن إذن الرحمن.
دمتم بخيرٍ وسَعْدٍ.