على إثر انتشار المقطع المصور للتعامل الفظ الذي سلكه عسكري الحرم في المشهد المشين له، وهو يشد معتمرة من يدها، ليدفعها بالقوة لمغادرة مكان ليس مخصصًا لبقائها فيه، ثم تعديه على معتمر آخر، نصحه بعدم التعدي على النساء، ثارت معركة كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي، ما بين مسوِّغ للعسكري فعلته القبيحة، بدعوى أنه يحافظ بهذه الفظاظة على «أمن الحرم»، الذي يتهدده امرأة ضعيفة، ورجل محرم! وما بين منتقد لمثل هذه الأفعال التي لا يجوز أن يتسم بها منظمو مرور الحجيج والمعتمرين والزائرين.
سيطر على وسائل التواصل فريقان:
الأول– وكان معظمه من «الذباب الإلكتروني»-: الذي شطح به الدفاع عن هذه الغلظة والتسويغ لها إلى سباب ١٠٠ مليون مسلم مصري، ينتمي إليهم المعتمر المعتَدى عليه، وإلى التفسير التآمري للحادثة على أنها متعمدة لـ«الإساءة للسعودية»، والتحدث بنبرة عالية عن زائري بيت الله الحرام، متمثلين قول المسؤول العسكري الكبير، القائل في مقطع آخر: “الحجاج في قلوبنا، ومن يخالف فهو في قبضتنا”، بلهجة تفسر من أين استقى هذا العسكري المعتدي مفهومه عن «المخالفين»، وعدم تفريقه بينهم وبين «المجرمين»!
والفريق الثاني: الذي حوَّل الحادثة لتقصد متعمد لأبناء الجنسية المصرية، وزاد بالإساءة للسعوديين، ومعظم هؤلاء من «الذباب الإلكتروني» المصري والإماراتي.
وبغض النظر عن الفريقين؛ فإن الأمر أدهى من أن تمثله حادثة قد تكون فردية، يمكن أن تؤخذ في حدودها وتنتهي فتنتها في مهدها. المصيبة الكبرى ليست في الحادثة بل في أشياء وأشياء مثيرة للقلق والاضطراب..
فكل زائر أدرك الأزمان الماضية يقر تلقائيًّا بأن أخلاق فئة من رجال الأمن المعني بالحرم قد ضاقت بالزائرين، وأخذت فظاظتها تزداد موسمًا بعد موسم، فلم يكن رجل الأمن في الحرمين الشريفين على مدى عشرات السنين الماضية إلا عنوانًا للتسامح، ومظهرًا رائعًا لبشاشة الوجه، وجمال الصبر، فما الذي تغير إلى حدود مطالبة البعض بغرض مغلف خبيث أو بحسن نية بـ«تدويل الحرمين الشريفين»، ورفع يد السعودية عن الإشراف عليهما؟!
كثيرٌ ما تغير، التعليم ومناهجه التي تغيرت، ولم تعد تعطي العساكر والمدنيين ما يرفع من أخلاقهم ويقوي عقيدتهم ويمحو جهلهم بالدين! وعسكرة الجيش والشرطة التي قلَّصت من أدوار الوعَّاظ ومعلمي الدين فيها حتى علتها الجهالة والعصبية وسوء الأخلاق إلا من رحم ربي.
العلماء الذين غابوا، وحلَّ محلهم الصامتون أو المنافقون أو المرتزقة، فلم يعد لأهل العلم ولا لكلمتهم قيمة عند الشعب السعودي، أُسوة بما فعله الأعداء فينا في كل بقعة من بقاع الإسلام، حتى أصبح الشيوخ محل سخرية وازدراء لا محل تقدير وإجلال!
الإعلام الذي يطنطن صباح ومساء عاملًا على إحلال الوطنية مكان الدين، ونشر العصبية والشعبوية القومية المدمرة للمجتمعات، وخصوصًا هذا المجتمع السعودي، الذي لا لام لشعثه إلا بالإسلام، ولا ضامنَ لوحدته إلا هو، ولا مدماكًا لبنائه سواه.
فكل زائر أدرك الأزمان الماضية يقر تلقائيًّا بأن أخلاق فئة من رجال الأمن المعني بالحرم قد ضاقت بالزائرين، وأخذت فظاظتها تزداد موسمًا بعد موسم، فلم يكن رجل الأمن في الحرمين الشريفين على مدى عشرات السنين الماضية إلا عنوانًا للتسامح، ومظهرًا رائعًا لبشاشة الوجه، وجمال الصبر، فما الذي تغير إلى حدود مطالبة البعض بغرض مغلف خبيث أو بحسن نية بـ«تدويل الحرمين الشريفين»، ورفع يد السعودية عن الإشراف عليهما؟!
العصبية البغيضة، والشعبوية المدمرة، هي السبيل الوحيد لتفرقة هذا الشعب وإضعافه، وإيكاله إلى قوته المادية الزائلة بينما يملك هو ما هو أسمى من ذلك وأبقى!
هل لا يسأل المسؤولون أنفسهم: متى استعُديت الأقلام ومن ورائها جموع من أبناء الشعوب المختلفة على السعودية وشعبها، وزادت الإساءات إليهما؟! ألم يكن ذلك بعد إطلاق أسراب «الذباب الإلكتروني» ينهش في أعراض الشعوب المسلمة ويستعديها؟!
هذا الذباب، وتلك اللجان، هي أكبر دعاية لتدويل الحرمين الشريفين، بل وتقسيم السعودية فيما بعد! وكل يوم تكسب تلك الدعوة أنصارًا لها بسبب حماقة هؤلاء، بل قُل عمالة هؤلاء وخيانتهم لدينهم ووطنهم أيضًا.
بالأمس القريب، لم يكن يدعو للتدويل سوى إيران بغرض هيمنتها فيما بعد على الحرمين الشريفين، وكان كل العالم الإسلامي، يتقدمه علماء المسلمين، وحركات إسلامية كثيرة، مُستنفرًا لرفض تلك الدعوة وتعرية أهدافها الخبيثة حينها.
أما اليوم، فتنضم فئام لها من فرط ما يجدونه من مواقف سياسية مخزية، وأفعال مشينة تمتد حتى داخل الحرمين الشريفين، وأمانًا يفتقده منتقدو أنظمة «صديقة» فضلًا عن السعودية نفسها.
هذا الذباب، وتلك اللجان، هي أكبر دعاية لتدويل الحرمين الشريفين، بل وتقسيم السعودية فيما بعد! وكل يوم تكسب تلك الدعوة أنصارًا لها بسبب حماقة هؤلاء، بل قُل عمالة هؤلاء وخيانتهم لدينهم ووطنهم أيضًا.
فظاظة بعض الأمن ستنتقل من الحالات الفردية إلى نمط سائد، ما دامت تلك السياسات قائمة، والأحوال ماضية نحو مزيد من التردي والاعتداد بالكبرياء الزائف!
وقد كان يكفي كل مسلم أن يجد هذا العسكري يُحاسب، ورئيسه يعتذر، وكان الأمر سينتهي عند هذا الحد، لكن من لا يريدون خيرًا للسعودية وأهلها، سيمدون أمثال هذا المتعجرف في غيه ثم لا يُقْصِرون!