للأجهزة الأمنية رؤيتها للسجون التي تزج فيها بالقيادات والكوادر والأفراد من المؤمنين بأفكار سياسية تحررية، يسارية أم يمينية، فغير الهدف الأبرز من تحييد هؤلاء، ومنعهم من ممارسة أنشطتهم السياسية أو الاجتماعية أو التعليمية أو الاقتصادية أو العسكرية؛ فهي تحاول أن توجه من خلالهم الجهات المعارضة للنظم الأمنية تلك.
فتارة تسعى إلى تجنيد بعض القيادات ثم زرعها مرة أخرى في الحركة المعارضة أو الثورية، وتارة تعمل على الإفراج الموجه لتغيير طبيعة العمل المعارض أو الثوري، وأحيانًا يكون للأجهزة الاستخبارية والأمنية أهدافها الخاصة غير ذلك كتوجيه رسائل سياسية معينة لدول أو جهات خارجية ونحو ذلك.
وكمثال للحالة الأولى، نجد نموذج محمد دحلان، هذا القائد الشاب في حركة فتح، وأحد مؤسسي الشبيبة فيها، والذي سجنته السلطات «الإسرائيلية» عام ١٩٨١ وحكمت عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة المشاركة في أنشطة عسكرية ضد الاحتلال، ثم أفرجت عنه بعد أن جندته وأعادته للعمل السياسي، ليتولى قيادة الأمن الوقائي في غزة، ويوكل إليه مهمة قمع حركة حماس، وقد أدى دوره لدرجة فاقت الاحتلال إلى أن أطاحت به الحركة في أحداث ٢٠٠٧ ويفر بعدها لسيناء ويستقر في النهاية في أبو ظبي كمستشار لحاكمها محمد بن زايد. والأمثلة المشابهة في «الإسلاميين» كثيرة جدًّا، ومن جميع التيارات الفكرية داخلها، في العالم كله.
وأمثلة الحالة الأولى، كثيرة هي الأخرى، ومنها الإفراج عن السجناء الجزائريين من بعض سجونها ليتمركزوا في الجبال قبل الانقلاب العسكري في يناير ١٩٩٢، ليسهموا بقصد أو بدون قصد في عسكرة الرفض السلمي السياسي للانقلاب، لتشويه «الإسلاميين» بتنفيذ جرائم بعد اختراق الاستخبارات الجزائرية لجماعات الجبال، وقد تكرر ذلك مع فتح ثغرات في سجن «لامبيز» الشهير في باتنة للسماح لأكثر المنتسبين لـ«الإسلاميين» غلوًّا بالفرار منه، ومن ثم الالتحاق بالجبال لارتكاب جرائم بمعية رجال الاستخبارات الجزائريين الذين انضموا لقيادة الجماعات الأكثر غلوًّا ووحشية في العشرية السوداء، التي نتج عنها القضاء المبرم على العمل السياسي الإسلامي في الجزائر بعد أن كان في صدارة المشهد.
فتارة تسعى إلى تجنيد بعض القيادات ثم زرعها مرة أخرى في الحركة المعارضة أو الثورية، وتارة تعمل على الإفراج الموجه لتغيير طبيعة العمل المعارض أو الثوري، وأحيانًا يكون للأجهزة الاستخبارية والأمنية أهدافها الخاصة غير ذلك كتوجيه رسائل سياسية معينة لدول أو جهات خارجية ونحو ذلك.
ومثل ذلك ما كان في سجن «أبو غريب» في العراق، ثم سجن «بوكا» بالقرب من الحدود العراقية الكويتية، والذي أُعدَّ خصيصًا لإنتاج تنظيم الدولة الإسلامية في العراق ثم العراق والشام، المعروف اختصارًا باسم «داعش».
«بوكا» كان يؤوي أكثر من ٢٠ ألف معتقل، وعُرف لاحقًا باسم «جامعة الجهاد»، نظرًا لترك السلطات الأمريكية الحبل على الغارب لمنظرين من أهل الغلو والتكفير في العمل «الجهادي» بالنشاط واستقطاب المتدينين وبقايا حزب البعث، حيث عُدَّ السجن «بقعة سوداء» تجتذب كل مريد للمقاومة و«الجهاد» قصد توجيهه باتجاه لا يبني مقاومة حقيقية، ولا يمثل حركة إصلاحية ذات جناح رادع، ولا حركة ثورية، وإنما تلخص دوره في حرف البوصلة الإسلامية عن مسارها وتقديم صورة قاتمة للإسلام وذروة سنامه!
وقد أشار تقرير نشرته صحيفة العرب اللندنية في ١٠ إبريل ٢٠١٩ إلى أن أفرادًا من التنظيمات المسلحة قد قدّموا دروسًا حول المتفجرات وتقنيات التفجير الانتحاري للسجناء الآخرين لكون أغلب المعتقلين لم يتجاوزوا ٢٠ عامًا وتمكنوا من تجنيد أعداد من السجناء الذين اختاروا في ما بعد الانضمام إلى تنظيم «داعش».
وقد تكرر ذلك مع فتح ثغرات في سجن «لامبيز» الشهير في باتنة للسماح لأكثر المنتسبين لـ«الإسلاميين» غلوًّا بالفرار منه، ومن ثم الالتحاق بالجبال لارتكاب جرائم بمعية رجال الاستخبارات الجزائريين الذين انضموا لقيادة الجماعات الأكثر غلوًّا ووحشية في العشرية السوداء، التي نتج عنها القضاء المبرم على العمل السياسي الإسلامي في الجزائر بعد أن كان في صدارة المشهد.
كما أن تقريرًا بعنوان: «كيف ساعدت الولايات المتحدة داعش في العراق وسوريا»، نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قد أكد أنّ مقاتلي هذا التنظيم الذين ظهروا في العراق وسوريا كان قد أمضى أغلبهم سنوات في مراكز الاحتجاز التي أدارتها الولايات المتحدة وشركاؤها في العراق بعد عام ٢٠٠٣!
وأشار التقرير إلى أن معظم كبار قادة تنظيم «داعش» من السجناء السابقين، ولاحقًا لاحظ باحثون أن ١٧ من الـ٢٥ قائدًا الأهم من قادة تنظيم «داعش» كانوا قد أمضوا مدة في السجون الأمريكية في العراق بين عامي ٢٠٠٤و٢٠١١.
«بوكا» كان يؤوي أكثر من ٢٠ ألف معتقل، وعُرف لاحقًا باسم «جامعة الجهاد»، نظرًا لترك السلطات الأمريكية الحبل على الغارب لمنظرين من أهل الغلو والتكفير في العمل «الجهادي» بالنشاط واستقطاب المتدينين وبقايا حزب البعث، حيث عُدَّ السجن «بقعة سوداء» تجتذب كل مريد للمقاومة و«الجهاد» قصد توجيهه باتجاه لا يبني مقاومة حقيقية، ولا يمثل حركة إصلاحية ذات جناح رادع، ولا حركة ثورية، وإنما تلخص دوره في حرف البوصلة الإسلامية عن مسارها وتقديم صورة قاتمة للإسلام وذروة سنامه!
ومن غير أن نصدق بالضرورة الرواية التي نقلتها صحيفة غارديان في ١٢ديسمبر ٢٠١٤، عن قيادي سابق في داعش دعته بأبي أحمد، يقول فيها: أنه “كانت هناك إستراتيجية جديدة يتم وضعها، وكان هو يقودها وتتزايد تحت أنظار الأميركان، وهي عملية بناء «داعش»، ولولا وجود سجن للأميركان في العراق لم يكن داعش موجودًا الآن”؛ فإن ما نقلته عنه قد دللت عليه الأحداث فيما بعد، إذ إن ما أسداه التنظيم للقوى الأجنبية المناوئة للإسلام، سواء أكان لأمريكا أم «إسرائيل» أم إيران أم الأجهزة الاستخبارية في أوروبا لهو أكبر شاهد على أن التنظيم قد صُنع تحت رقابة تلك الجهات أو بتشجيع منها أو من بعضها!
وتلك الشواهد نتحدث عنها وآثارها في حلقة جديدة من هذه السلسلة.