اليوم المنكر الوطني!

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وبعد:

فإن مما يؤسف له ما ترى اليوم من تهانٍ وتبريكات من مشايخ ودعاة باليوم الوطني، وبعض من لم يجرؤ على التصريح بالتهنئة على ذلك المنكر والاحتفال به، وضع صورة العلم وجعله يوم شكران بِدعي على ما يتوهمه نعمة مناسبة لذلك اليوم! أو دفعًا عن نفسه بذلك شرَّ راصد، وذلك الراصد عند كثير من هؤلاء متوهَّم غير مُحقَّق، ولكن خوف السر من غير الله يحمل على اتباع التوهم! وإلا فكثير من هؤلاء أسخطوا ربهم، وما درى عنهم أحد!

وقد كان الاحتفال بالأعياد الوطنية قبل أن يحدث في بلادنا منكرًا من الأفعال، وزورًا من جملة الزور مندرج عند العامة والخاصة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) [سورة الفرقان، من الآية: ٧٢]، فقد كانت الفتوى على ذلك، لا يعرف عن أهل العلم في البلاد غير ذلك بخلاف ما في بلدان أخرى!

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: “هذا اليوم الوطني هو من التشبه بأعداء الله، الأيام الوطنية هو من التشبه”. ولاشك أنه تشبه، أضافوا إليه بدعة يآتي التنبيه عليها.

وكان بعض الفضلاء إذا تكلم في بعض هذه الأبواب يحط على دول أخرى، ثم يستدعى في ذلك على سبيل المحمدة ما في المادة الثانية من النظام الأساسي للحكم: “عيدا الدولة، هما عيدا الفطر والأضحى، وتقويمها، هو التقويم الهجري”.

ولكن ذهبت تلك المحمدة، وتغير في الواقع من سنوات ما هنالك!

وكان أول ذلك بوادر أنكرها العلماء، ومحاولات أجهزت عليها الفتاوى في أوقاتها، كالتي سبقت عن الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله.

ومن قبله أفتى مفتي الديار السعودية شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله بنحو ذلك في يوم التأسيس، وكان بعض الحجازيين -وفي الحجاز ملكيون أكثر من الملك- قد ذهبوا لابتداعه، ووافق ذلك هوى لبعض الكبراء، ولا يبعد أن تكون محاولة إبرام ذلك بدفع من بعضهم، فكتب الشيخ محمد بن إبراهيم رحمهم الله جميعًا ما نصه:

إلى… سلمه الله تعالى، وأعاذه من مضلات الأهواء والفتن، ورزقه العمل والتمسك بواضح السنن ،آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وقد تحققنا ما أُحدث في مكة المشرفة من العيد المسمى بعيد الجلوس، في آخر شعبان الذي هو مضارع لأعياد الجاهلية، ولم يمنعنا من الكلام فيه، ومشافهتك بذلك لما كنت عندنا إلا أنا ظننا أنه لا يفعل هذا العام، من أجل أنه تقدم من بعضنا مناصحة لك في ذلك.

وكان بعض الفضلاء إذا تكلم في بعض هذه الأبواب يحط على دول أخرى، ثم يستدعى في ذلك على سبيل المحمدة ما في المادة الثانية من النظام الأساسي للحكم: “عيدا الدولة، هما عيدا الفطر والأضحى، وتقويمها، هو التقويم الهجري”.

وأنت فاهم سلمك الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله تعالى بالملة الحنيفية محا جميع ما عليه الجاهلية من الأعياد الزمانية والمكانية، وعوض الله تعالى عنها الحنفاء بعيد الفطر وعيد الأضحى، ومما يدل على ذلك حديث أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر»، أخرجه أبوداود والنسائي بإسناد صحيح.

وتقرر في الشريعة المطهرة أنه لا يسوغ تعظيم زمان أو مكان بنوع من أنواع التعظيم إلا زمان أو مكان جاء تعظيمه في الشرع، فكما أن تعظيم القبور، أو بقعة لم يجئ تعظيمها في الشرع من أعظم البدع، فكذلك تعظيم زمان من الأزمنة ولا فرق، فلو ساغ تعظيم زمان من الأزمنة التي لم يدل على تعظيمها الشرع، وجعله عيدًا لساغ تعظيم ليلة الإسراء، ويوم بدر، ويوم الفتح، وجعلها أعيادًا، لما حصل في تلك الأزمنة من الخير الكثير، وإعلاء كلمة الله تعالى، وتشريف رسول الله ، وقد هدمت الموالد والقباب التي على القبور لكونها أعيادًا بدعية .. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله.

وقد حرر بعض المشايخ ضابط العيد وغيره من الأيام التي ترتب فيها أمور لمصالح، وبين أنه يفرق بين اليوم الذي يحدد لعمل معين ولو تكرر، وبين اليوم الذي يحدد ويتكرر لذات اليوم، فيكون اليوم مقصودًا لذاته، تعظيمًا له وتمييزًا له عن غيره.

فالأول ليس تمييز اليوم وتخصيصه مقصودًا، وإنما المقصود منه جعله ظرف زمان لعمل معين كبداية دراسة أو اختبار أو اجتماع، ونحو ذلك، ولا يلتفت إليه لمعنى آخر.. والثاني تعظيم ليوم بعينه، وجعل خصيصة غير عادية له.

واللعب بالأسماء بعد ذلك لا يغير الحقيقة كتسمية الخمر مشروبًا روحيًّا!

فاليوم الوطني السعودي من جملة الأعياد المحدثة المحرمة لما فيها من التشبه والبدعة، سواء سميت «عيدًا» أو «يومًا» أو «ذكرى» أو «مهرجانًا» فحقيقته تخصيص زمان بتعظيم، واحتفال وأعمال، تعود، تعظيمًا لذلك اليوم الذي لم يعظمه الله ولا رسوله ولا المؤمنون على مر ألف وأربعمائة عام، وليس فيه ما يستحق التعظيم!

وقد كان اليوم الوطني في بلدنا يومًا من جملة الأيام! حتى جاءت أوائل بوادر المنكر في عهد الملك عبد الله، عام ٢٠٠٥م فجعل ذلك اليوم عطلة رسمية، فكان ذلك احتفاء به وسلوكًا مسلك التشبه اللطيف، والتعظيم البدعي.

وتقرر في الشريعة المطهرة أنه لا يسوغ تعظيم زمان أو مكان بنوع من أنواع التعظيم إلا زمان أو مكان جاء تعظيمه في الشرع، فكما أن تعظيم القبور، أو بقعة لم يجئ تعظيمها في الشرع من أعظم البدع، فكذلك تعظيم زمان من الأزمنة ولا فرق، فلو ساغ تعظيم زمان من الأزمنة التي لم يدل على تعظيمها الشرع، وجعله عيدًا لساغ تعظيم ليلة الإسراء، ويوم بدر، ويوم الفتح، وجعلها أعيادًا، لما حصل في تلك الأزمنة من الخير الكثير، وإعلاء كلمة الله تعالى، وتشريف رسول الله ، وقد هدمت الموالد والقباب التي على القبور لكونها أعيادًا بدعية .. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله.

إلى أن جاء عهد الملك سلمان فأعلن الاحتفالات وجعل اليوم الوطني موسمًا لها عام ٢٠١٩م.. وكان في ما بين البادرة الأولى وهذا الإعلان المنكر، يُحتفل بافتتاح مشاريع تتفاوت قيمتها يحرص على أن يجعل افتتاحها في اليوم الوطني.

لكن لم يبلغ الأمر تعظيم ذلك اليوم بإقرار احتفالات منكرة إلا عام ٢٠١٩م.

واستمرت إلى يومنا هذا، مجون رسمي وشعبي، ومقاطع منكرة لم تزل في تلك الاحتفالات، مبثوثة في وسائل التواصل، وفعاليات كنا نأمل أن يستحي منها الفسقة وهم يرون حال الأمة اليوم، أو على الأقل هيبة للموت إذ صادف يومهم هذا العام وفاة مفتي المملكة!

فاليوم الوطني السعودي من جملة الأعياد المحدثة المحرمة لما فيها من التشبه والبدعة، سواء سميت «عيدًا» أو «يومًا» أو «ذكرى» أو «مهرجانًا» فحقيقته تخصيص زمان بتعظيم، واحتفال وأعمال، تعود، تعظيمًا لذلك اليوم الذي لم يعظمه الله ولا رسوله ولا المؤمنون على مر ألف وأربعمائة عام، وليس فيه ما يستحق التعظيم!

هذا مع كون الاحتفال بالعيد الوطني عمومًا منكرًا، وهو في المملكة أنكر، فلا يوجد فيما يوافق ذلك اليوم حدث ليعظم! فاليوم الثامن بعد العشرين من سبتمبر، الموافق للأول من الميزان من عام ١٩٣٢م، لم يكن فيه شيء ذو بال!

لا تحررت البلاد من احتلال كافر!

ولا نالت استقلالًا من حكم أجنبي عنها!

بل حتى توحيد البلاد تحت ابن سعود وطرد الهاشمي منها، ثم ضم بعض أجزاء الجنوب كان قبل ذلك، فالحجاز ضمت عام ١٩٢٥م، ثم أضيفت بعض الملحقات كجيزان وكان آخرها عام ١٩٣٠م، وإنما حدث في ذلك التاريخ ٢٣-سبتمبر-١٩٣٢م تغيير الاسم فقط؛ فبدلًا عما كان اسمه: مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، عدل الاسم ليصادر ذلك في اسم: السعودية!

فبأي شيء يحتفلون! أو يرقصون ويعربدون!

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.. قد كان اتباع العلماء، وفتوى أهل البلد عاصمًا لكم من تلك المسخرة، وذلك الكفران!

نعم فلو قدر أن ما كان من أمر التسمية نعمة، أو كان هذا الموسم يقام لشكران يوم توحد الجزيرة كما يتوهمه الجاهلون، لو كان كذلك لكان ما يقيمونه فيه من المنكرات من أعظم كفران نعمة الله، وقد خلت من قبلنا المثلات! (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [سورة إبراهيم، الآية: ٢٨].

نعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأهواء والأعمال، ومن أن نرى الباطل حقًّا، أو يلتبس علينا فنهلك.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.