السعودية المستجيرة بالوكيل الباكستاني!

غلبت الرغبة السعودية في البحث عن تحالف عسكري مع دولة قوية تضمن أمنها بعد الموقف الأمريكي المتواطئ مع «إسرائيل» خلال قصف الأخيرة للدوحة في ٩ من سبتمبر الماضي كتعبير عن خيبة أمل من مظلة الحماية الأمريكية التي تضربها على الخليج العربي، على غيره من التفسيرات في قراءة اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمتها الرياض وإسلام آباد بعد ثمانية أيام فقط من عدوان «إسرائيل» على قطر.

واستأنس بعض المتفائلين لدعايات الإعلام السعودي الإلكتروني بأن ذلك التحالف هو نواة لتحالف إسلامي موسع يضع مؤسسيه في خريطة القوى العالمية الكبرى، غير أن شواهد كثيرة لا تعزز هذا المذهب الذي اتجه إليه محللون في العالم العربي والغربي.

ليست خطوة في الاتجاه الصحيح، هكذا يمكن قراءتها، فالحكومة الباكستانية التي استجارت بها السعودية في أحلك اللحظات تبعية للولايات المتحدة، وأكثرها تزلفًا لها، كما بدا من اجتماعي نيويورك وشرم الشيخ اللذين كال فيهما رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف المديح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطريقة نظر إليها الشعب الباكستاني بازدراء، وواجهت انتقادات من شخصيات إعلامية معارضة ذات حيثية ووزن في باكستان.

وعلى عكس ما راج عند المتزلفين؛ فإن للباحثة مينا جفري ليندمولدر، مديرة البرامج في معهد القانون الدولي حاليًّا، والباحثة السابقة بمعهد نيو لاينز، قرأته هكذا في مقالها المعنون: «هل تصبح باكستان مزود الأمن الجديد للشرق الأوسط» (٩ أكتوبر) في مجلة NATIONAL INTEREST (وهي مجلة أمريكية حائزة على جوائز تركز على قضايا الدفاع والأمن القومي والشؤون العسكرية والأجهزة والسياسة الخارجية والسياسة الأمريكية): “تبرز باكستان كضامن أمني جديد في الشرق الأوسط، حيث تملأ الفراغ الأمني الذي خلفته إدارة ترامب، فبالطبع، ما كان لاتفاق بهذا الحجم أن يتم لولا موافقة ضمنية من إدارة ترامب؛ فمع أجندتها «أمريكا أولًا»، أظهر الموقف الحالي للولايات المتحدة عدم رغبتها في البقاء كحارس إقليمي، لاسيما في ظل دعمها القوي للمشروع التوسعي الإسرائيلي. وقد دعي رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس أركان الجيش المشير عاصم منير إلى البيت الأبيض للاحتفال بتعاونهما مع الولايات المتحدة، مما يشير إلى علاقة أكثر دفئًا مما كانت عليه سابقًا”.

واستأنس بعض المتفائلين لدعايات الإعلام السعودي الإلكتروني بأن ذلك التحالف هو نواة لتحالف إسلامي موسع يضع مؤسسيه في خريطة القوى العالمية الكبرى، غير أن شواهد كثيرة لا تعزز هذا المذهب الذي اتجه إليه محللون في العالم العربي والغربي.

وأول تحرك لجنرالات باكستان بعد الاتفاق لم ييمم وجه قواتهم شطر العدو الصهيوني، وإنما للحدود مع «الإمارة الإسلامية» في أفغانستان، فسبعة ولايات حدودية أفغانية لم تسلم من العدوان الباكستاني في وقت كان يتملق فيه شريف لترامب ويزكيه للحصول على جائزة نوبل للسلام!

قاصي باكستان ودانيها يفهم أن إطاحة العسكر الباكستاني برئيس وزراء باكستان عمران خان، كان لسببين رئيسين: رفضه التطبيع مع «إسرائيل»، وتمنعه عن الركوع لإملاءات الولايات المتحدة الأمريكية.

ليست خطوة في الاتجاه الصحيح، هكذا يمكن قراءتها، فالحكومة الباكستانية التي استجارت بها السعودية في أحلك اللحظات تبعية للولايات المتحدة، وأكثرها تزلفًا لها، كما بدا من اجتماعي نيويورك وشرم الشيخ اللذين كال فيهما رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف المديح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطريقة نظر إليها الشعب الباكستاني بازدراء، وواجهت انتقادات من شخصيات إعلامية معارضة ذات حيثية ووزن في باكستان.

الإعلامي المخضرم في باكستان حامد مير، قد قال في كلمة له أمام مؤتمر في العاصمة إسلام أباد من أجل التنديد بالعدوان على غزة، في ٦ ديسمبر ٢٠٢٣، مخاطبًا زعيم جمعية علماء الإسلام، المولوي فضل الرحمن، وزعيم الجماعة الإسلامية سراج الحق: “إنكما تعرفان جيدًا أن في باكستان جهات تقوم بالتنديد بالعدوان الإسرائيلي على غزة في الظاهر، لكننا جميعًا نعرف أنها تتطلع وترغب في غير ذلك، وهي تسعى للتطبيع مع إسرائيل”.

كما أكد مير أن أبا القنبلة النووية الباكستانية عبد القدير خان، قد حكى له شخصيًّا أن إسرائيل لما كانت تعتدي مرة تلو الأخرى على الفلسطينيين. ونقل عن خان قوله: “قررنا أن نقوم بشيء حيال ذلك ولنضرب إسرائيل، فقررنا أن نجعل صواريخ غوري بمدى خمسة آلاف كيلومتر، وبدأنا بالمشروع فعلًا، ولما أرسلنا الميزانية إلى الحكومة، دعاني الرئيس برويز مشرف وطلب مني أن أشرح له الميزانية، وقبل أن أبدأ الحديث قال لي مشرف: كأنك تريد استهداف إسرائيل؟ فقلت: نعم، فأجابني بكل وضوح أن عدونا هو الهند، وليست إسرائيل، من هنا لن أسمح بأن يكون مدى صواريخنا أكثر من ألفين أو 1500 كيلومتر”! وأضاف مير أن قدير خان قال له: إن هذا الموقف كان السبب وراء خلافه مع الحكومة الباكستانية، والذي تطور لاحقًا إلى اعتقاله.

ومثل ما قاله مير، أكده آخرون منهم مولوي فضل الرحمن نفسه في تصريحات أخرى، وأعاده عمران خان كثيرًا قبل سجنه، وخلال الأيام الماضية.

ولا يجهل أحد من الحضور في اجتماع نيويورك ثم شرم الشيخ أن توجيه الدعوة لرئيس إندونيسيا الجنرال السابق برابوو سوبيانتو، الذي جلبه الجيش الإندونيسي إلى السلطة بالتزوير ليتفوق على منافسه المحافظ، ورئيس باكستان الذي زور له عسكر بلاده الانتخابات لمنع عمران خان من العودة للسلطة بعد اكتساح حركة الإنصاف التي يتزعمها الانتخابات قبل تزويرها، إنما كان لإدخال البلدين المسلمين الكبيرين في حظيرة التطبيع، وإن نفي الاثنان ذلك بخجل في أعقاب فضيحتيهما في شرم الشيخ (فضيحة تزلفهما، وفضيحة فساد سوبيانتو المالي التي تكشفت على هامش الاجتماع!).

وكلاهما يمهد تدريجيًّا في بلاده للانخراط في «اتفاقات إبراهام» التي وعد بها ترامب المنطقة في خطابيه بالكنيست وشرم الشيخ؛ فأي حماية يمكن أن توفرها باكستان للسعودية من «إسرائيل»، ونظامهما سيغوصان معًا في الوحل الصهيوني؟! وأي حماية ستوفرها إسلام آباد للرياض ضد إيران، وتركيبتها العسكرية والأمنية تأبى ذلك، نظرًا للتغلغل الشيعي في مواقع قيادية في الجيش والاستخبارات الباكستانية؟!

إن أكثر الحكومات الباكستانية انبطاحًا للولايات المتحدة الأمريكية بعد حكومة برويز مشرف، هي حكومة شريف، فلأي هدف كان هذا التحالف الأعرج؟! على وجه اليقين، ستستفيد باكستان كثيرًا من هذا التحالف؛ فالتوقعات الاقتصادية الباكستانية الحالية قاتمة، لاسيما بعد الفيضانات الكارثية هذا العام، وإسلام آباد بحاجة ماسة إلى حليف يساعدها على الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية.

وكلاهما يمهد تدريجيًّا في بلاده للانخراط في «اتفاقات إبراهام» التي وعد بها ترامب المنطقة في خطابيه بالكنيست وشرم الشيخ؛ فأي حماية يمكن أن توفرها باكستان للسعودية من «إسرائيل»، ونظامهما سيغوصان معًا في الوحل الصهيوني؟! وأي حماية ستوفرها إسلام آباد للرياض ضد إيران، وتركيبتها العسكرية والأمنية تأبى ذلك، نظرًا للتغلغل الشيعي في مواقع قيادية في الجيش والاستخبارات الباكستانية؟!

كما سيضع هذا التحول في الأحداث إسلام آباد في مكانة طالما رغبت بها: شريك فاعل في العالم الإسلامي، وقوة عسكرية تُنافس الهند، ومستفيد من النوايا الحسنة والأسلحة الأمريكية، عبر المملكة العربية السعودية. هذا بالنسبة لباكستان، أما بالنسبة للسعودية فما الذي ستجنيه سوى الرضا الأمريكي عن الأخذ بيد باكستان للغرق معًا في مستنقع التطبيع؟!