لو أخطأت حركة تحررية في تقدير موقف ما، وانتهجت سبيلًا أدى إلى حصول خلل ما في تحقيق أهدافها التي رسمتها لنفسها فذاك أمر وارد، ولا يثير الريبة لأول وهلة، فما من عمل بشري مهما بلغت دقة حساباته إلا ويعتريه خلل أو سوء تقدير، أما وإن تقود كل أفعال تنظيم ما إلى كوارث تتعارض كلها مع الأهداف المعلنة للتنظيم، ولا يقوم التنظيم بدراسة الأسباب التي أدت إلى حصول هذه الكوارث المتتالية؛ فإن ذلك يُعد أكبر دليل على أن هذا التنظيم يتعمد الوصول إلى حدوث هذه الكوارث المتعاقبة. وهذا هو نفس ما يفعله تنظيم «داعش» الذي أدت كل تحركاته وقراراته وأعماله إلى وقوع مصائب متوالية على الأمة الإسلامية، لم يؤدِ أي منها إلى تحقيق أي هدف معلن من قِبل قيادة التنظيم.
بداهة لا يعني هذا إلا أن التنظيم مخترق أو أن هناك من يحركه في اتجاهات تعيد المسلمين خطوات إلى الوراء، وتحقق أهدافًا إستراتيجية لأعداء الإسلام، ولو لم يفهم ذلك أعضاؤه من الشباب الذي يختارهم من بين سن ١٨-٢٤ في معظمهم، وفقًا للدراسات التي أكدتها بيانات معسكرات الاعتقال التي حوت الآلاف من عناصر التنظيم في العراق وسوريا.
وأجهزة الاستخبارات التي تعاملت مع الجماعات المسلحة التي تبدو مغالية في أفكارها، تعلم جيدًا أنها الأسهل من بين الجماعات الإسلامية في كيفية اختراقها، فكلما أولى التنظيم اهتمامه بالسلاح، وحملته، قل اهتمامه بالتأهيل العلمي والتربوي، وهذا الأخير كلما كان علمًا مقتصرًا على «التكفير» وتصنيف الناس، دون علوم الشريعة وإدراك المقاصد والمآلات، كان ادعاؤه وإبراز من ليس أهلًا للعلم ليكون في صدارة القيادة «الشرعية» أيسر، وكلما ازدادت حاجة التنظيم للسلاح باهظ الثمن، كان أسهل على الرعاة توجيهه حيثما شاءوا وأرادوا.
وهذه التركيبة متحققة في تنظيم «داعش»، وأفرع من تنظيم «القاعدة» أيضًا، خصوصًا في نسخه المتأخرة، ولهذا كانت أفعال «داعش» لا تعبر في معظمها عن «جهاد» بقدر ما كانت تحقق إستراتيجيات وتكتيكات تخدم العدو الغربي أو الشرقي، وإن بدت «تجاهده».
وربما كان يزعج مثل هذا الاستنتاج من أثار التنظيم إعجابهم أواسط العقد الماضي، عندما كان التنظيم يجتاح مناطق شاسعة جدًّا في كل من سوريا والعراق، ولعلهم تأثروا بعبارة اتخذها التنظيم شعارًا أن «الدولة الإسلامية باقية وتتمدد»، لكنهم الآن لا يجدون ما يدفعونه به سوى الصمت، والتذرع بأن الأحوال ما صارت إلى الأفضل بعد انكماش التنظيم، ولا يدرون بأن هذا التدهور في أحوال المسلمين يعود في أحد أسبابه إلى تشويه صورة الإسلام والجهاد وتزهيد المسلمين في الانخراط في أي مقاومة للمحتلين القدامى والجدد بعد تقديم «داعش» هذه الصورة المنفرة من قتله للمسلمين وذبحه للأسرى وقتله للمدنيين في الغرب، دون أدنى تفسير يمكن تفهمه في سياق الأهداف السياسية.
وكل ما فعلته «داعش» من تحركات وقتال، قد صب في معظمه في صالح الأعداء: شيعة العراق – إيران – بشار الأسد – النصيرية – الدروز – الإيزيديين – النظم العلمانية – اليمين الأوروبي…
وإليكم إشارات سريعة:
- فجأة تُرك للتنظيم أسلحة متنوعة في مخازن الجيش العراقي ضمت دبابات وآليات، وانسحب الجيش العراقي بشكل مريب جدًّا في الموصل، وزحفت قوات التنظيم من الموصل حتى مداخل بغداد دون أي غطاء جوي، حيث غضت قوات التحالف الدولي الذي ترأسه الولايات المتحدة الأمريكية، ووقفت ميليشيات «داعش» عند حدود بغداد بزعم وجود دفاع قوي من النظام العراقي، حيث لم تشهد بغداد أي معركة حقيقية، فكانت النتائج: تشكيل الحشد الشعبي الذي لا يضم سوى الشيعة بخلاف الجيش العراقي، الذي يقوده الشيعة لكن تمثيل السنة فيه ملحوظ، وورث الحشد هو كل «غُنمه» من التنظيم، وزاد عليه، واكتسب «شرعية» مكنته من تدمير بعض مدن السنة، وأبرزها الموصل أكبر معاقل السنة في العراق، وتم تهجير أهلها، وخسر السنة استراتيجيًّا بتلك الهزيمة التي تسبب بها داعش، حيث تمكنت ميليشيات إيران من تشكيل ما يُشبه الحرس الثوري الإيراني.
- جرى تسهيل اجتياح «داعش» فرع سوريا لمعظم المناطق المحررة في سوريا، بتمويل هائل حصل عليه التنظيم من معاركه الوهمية في العراق، التي استولى خلالها على الذهب، وسُهل له إلى جوار ذلك السيطرة على المناطق النفطية في سوريا إلى أن انتهى دوره في سوريا، فسلّم معظمها لقسد. قسد هذا التنظيم العلماني الباطني، الذي كشفت الباحثة التركية إسلام كنبجلي في أكتوبر الماضي عن أن “وفد التفاوض الذي أرسلته قسد لدمشق مؤخرًا للقاء المسؤولين السورين، كان يضم كلًّا من خلف العبيد العلي، قائد تنظيم «داعش» في دير الزور (اعتقلته قسد ٢٠١٨)، وسوزدار حقي القيادية في تنظيم وحدات حماية المرأة YPJ فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا، وسيبان حمو القيادي بتنظيم YPG أحد فروع حزب العمال الكردستاني في سوريا.” ولم يترك ذلك أي اندهاش لا على المسؤولين السوريين، ولا بعض الباحثين المتخصصين في الشأن السوري!
- قامت «الذئاب المنفردة» التابعة للتنظيم، بعمليات تبناها التنظيم في أوروبا ضد مدنيين أوروبيين بدعاوى الانتقام من حكوماتهم، مما أسهم كثيرًا في صعود اليمين الأوروبي، واستناده إلى تلك الجرائم في سن قوانين مجحفة ضد المسلمين في أوروبا، ما تزال تتواصل حتى الآن بسبب تخويف الناخب الأوروبي من المسلمين.
والنماذج أكثر من أن تسمح بها هذه المساحة من جرائم التنظيم التي أخرت المسلمين لعقود، وسهلت عمل أعدائهم، وللعلم؛ فإن الذين أنتجوا «داعش» في مصانعهم لا يزالون يضعونها في طور التجميد المؤقت لحين الحاجة إليها مجددًا، والذي قد يكون أحد أشكاله العودة للساحة الأوروبية مرة أخرى لمحو التعاطف الشعبي الكبير مع قضية غزة!