الدعاة الوطنيون!

هم طائفة من الدعاة تحب الدعوة ولكن حبها لأوطانها أعظم، وبرهان ذلك أنهم إذا لم تقبل دعوتهم لم يفارقوا، وإن تسلط عليهم الظالمون رضوا بالحبس واستسلموا للقتل لا يخرجون إلا إن نُفوا قسرًا.

ولعل كثيرًا ممن يقرأ هذا الوصف منهم لا يدري أينطوي ما تقدم على مدح أو قدح! وكثيرًا ما يتداخل المدح والذم!

لكن في هؤلاء قوم أُتيت دعوتهم من وطنيتهم! قدموا على تبليغ رسالات ربهم عشيرتهم، ومساكن يرضونها، وأوطانًا أخلدوا إليها.. وذرائع الاستطاعة والطاعة تُغشي وتُشبِّه الحقَّ بالباطل!

إن تبليغ رسالات الله واجب في الجملة لا مجرد فضيلة مع القدرة عليه، وإقامة شرعه فريضة تتعين عند العجز بالدعوة ما أمكنت وحيث سمحت، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم كنبيِّهم عليه الصلاة والسلام لم يُبعثوا إلى أقوامهم خاصة. كما قال صلى الله عليه وسلم -كما في حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما-: «وكانَ النَّبيُّ يُبعَثُ إلى قومِه خاصَّةً وبُعِثتُ إلى النَّاسِ عامَّةً»، سواء منهم أصحاب العيش اللين الرطيب في بلدان كبلدان الخليج أو أنحاء أوروبا اليوم، أو أصحاب العيش الخشن الجديب في سواد أفريقيا! وأطراف آسيا.

لقد كان احتباس محمد صلى الله عليه وسلم في مكة بأمر الله الحكيم لما كان له من يحوطه ويمنعه، فلما بلغ مكر الأعداء مداه، أذن له في الهجرة، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [سورة الأنفال، آية: ٣٠]، فهاجر صلى الله عليه وسلم وغدت الهجرة واجبة على من حوصر وضويق في دينه، ثم قال الله عز وجل في وعيد من ركن إلى وطنه وآثر البقاء على استخفاء بدينه مع قدرته على الهجرة: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [سورة النساء، آية: ٩٧].

إن تبليغ رسالات الله واجب في الجملة لا مجرد فضيلة مع القدرة عليه، وإقامة شرعه فريضة تتعين عند العجز بالدعوة ما أمكنت وحيث سمحت، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم كنبيِّهم عليه الصلاة والسلام لم يُبعثوا إلى أقوامهم خاصة

والهجرة العامة على التحقيق باقية، فمهما بلغت الدعوة حدًّا يمكر فيه المتسيدون ليسجنوا الدعاة أو يقتلوهم أو يخرجوهم إلى حيث شاءوا مما يلائم الظالمين، ويكتم صوت المصلحين، فقد أذن الله بالهجرة إلى حيث تكون النصرة للمستضعفين، أو حيث يؤذن لهم بإظهار شعائرهم، وإعلان دعوتهم.

لم تكن الحبشة في عهد النبوة دار إسلام لما أُذن لمن هاجر في أن يهاجر إليها، وما كانت يثرب – وقد اجتمع أوسها وخزرجها قبيل الهجرة على تمليك ابن سلول- بدار إيمان، بل بلدة يغلب عليها الشرك، ويتحكم فيها يهود متنفذون يُعدون نبلاء أو أرستقراطيين!

وإنما بارك الله فيها لما حل بها المبارك صلى الله عليه وسلم وتتابع معه وبعده المباركون رضي الله عنهم ورحمهم!

فيا داعي الإسلام كن مباركًا وانظر مكانا تنشر فيه الخير وتعلنه، لا تحبسه ثم تنتظر مكر الله بالمفسدين وأنت جالس لا تحرك ساكنا! قد أخلدت إلى وطنك، فاستحققت بذلك العقوبة مع قومك إن هي نزلت، (إنَّ النَّاسَ إذا رأَوْا ظالمًا فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشك أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ) والحديث من صحيح أبي داؤود، ورواه غيره، وفي الصحيحين: (أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ، إذَا كَثُرَ الخَبَثُ).

وقد تحتاج أو تضطر للنجاة أن تركب مركبًا صعبًا وأن تفعل كما فعل الجيل الأول لما ضيق عليه في دينه وحورب في دعوته، قصدوا أطراف إفريقية وكانت أرض قوم بعداء بغضاء كما في حديث أسماء بنت عميس: (وَكُنَّا في دَارِ، أَوْ في أَرْضِ البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ في الحَبَشَةِ، وَذلكَ في اللهِ وفي رَسولِهِ)، أخرجاه في الصحيحين.

لكن كان فيهم ملك عادل، وساد فيهم حكم يحمي الحريات، ويحفظ الحقوق، ويقدس العدل.. ولم تكن الحبشة خيرًا من مكة!

لم تكن الحبشة في عهد النبوة دار إسلام لما أُذن لمن هاجر في أن يهاجر إليها، وما كانت يثرب – وقد اجتمع أوسها وخزرجها قبيل الهجرة على تمليك ابن سلول- بدار إيمان، بل بلدة يغلب عليها الشرك، ويتحكم فيها يهود متنفذون يُعدون نبلاء أو أرستقراطيين!

وهكذا هاجر صلى الله عليه وسلم لما قصد المدينة إلى بلدة لم تكن خيرًا من مكة ولكن كان حال الدعوة فيها خيرًا.

وتلك سيرة أولى العزم من الرسل قبله دونك، حواريو عيسى تفرقوا فأقاموا دعوته بعد أن كانت محاصرة مستضعفة منكل بأهلها فانتشرت بهم، ونبي الله موسى خاطر ببني إسرائيل لينجو بهم من سجنهم الواسع إلى بر الأمان، ومنه إلى بيت المقدس، وقال الخليل: (وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة العنكبوت، من الآية: ٢٦]، ونوح حمل من آمن معه في السفينة: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورك هود، آية: ٤١]، واعتصم من اعتصم بجبال الوطن! فلم تغن عنه شيئًا لما جاء أمر ربك.. فماذا تنتظرون؟!

إن أهل الدنيا لو كسدت تجارتهم ببلد نقلوها إلى حيث تروج، فتجار الآخرة أولى، فبضاعتهم أخف حملًا ونقلًا.

وكثير من الدعاة بين خطيئتين!

الأولى: -أشرت إليها فيما تقدم- إنها خطيئة البقاء والخنوع، أو تمكين الظالمين من أنفس الصالحين فما دونها.

وقد سمى الله من أخلد إلى ذلك بدعوى الاستضعاف ظالمًا، وفي ذلك إشارة إلى مشاركته الظالم بتمكينه من نفسه ومن يتبعه أو يسمع له، وإن تمسكن، وكان يحسب نفسه ضحية، نعم هو ضحية لكنه ربما كان ضحية نفسه مع آخرين!

لا يتفق مع الشرع ولا مع العقل أن يقال هو ينتظر فرجًا من ربه! وهو رافض لمسالك أرض الله الواسعة، ومخارجها الكثيرة، ويأبى كل فرج إلا على ما يشتهي ويركن إليه ويريده! يتحكم في تفريج ربه! يأمر بلسان حاله أن يوافق ما أخلد إليه وارتضاه! لا ما أمر به وشُرع لمثله.. فكيف ترجو نجاته؟ وما ظنك بعاقبته! ما ظنك بمريض يرجو شفاءً والدواءُ عنده لا يريد تناوله!

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها

إن السفينة لا تجري على اليبس!

ترجو نصر الدين ونشره أو تريد نصر نفسك! والله لا تنصر حتى تنشر نفسك من حيث قبرتها بيدك!

أما الخطيئة الأخرى: فهي خطيئة العنف والمصادمة، خطيئة المنازعة المسلحة، خطيئة الخروج على الظالم بالسيف، خطيئة إعلان جهاد لم تتهيأ شروطه ولا أركانه!

خطأ خيار مواجهة لم يأت أوانها بين قوم أخلاط لم تتمايز صفوفهم.. ومجتمع دولي وإقليمي لا يساعد مثلهم! بل يعاضدون الظالم.

الخطيئة الأولى استسلام وتسليم للرقبة وسلامة للآخرين، وقد يستدعي ذلك تعاطف بعضهم، وربما استهجان بعضهم لغفلة المستسلم!

والثانية انتحارية قد تؤذي الظالمين ولا تضرهم وتضر في الغالب آخرين، ويستدعي ذلك غضب الناس، واستهجانهم، ويمنع تعاطفهم.

وإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى!

استعجل النحر والانتحار ليرتاح ويخدع نفسه بأنه قد بذل وسعه وضحى بنفسه!

وهو غافل أو مغفل كالأول يرجو ويدعو بنصر لم يبذل سببه الشرعي والكوني، بل خالف كل ذلك.

هذا وفي الختام أعلم أن مفارقة الأوطان عزيزة على النفوس، وليس من شأن الهجرة الدينية أن تنعم ببلاد تسر عينك مناظرها، وتشرح صدرك حال الناس فيها، دينية أودنيوية، المهم حتى لا تكون خاسرة أن تغنم فيها، بعيش كريم بحيث تقيم أمور الدنيا وتعمل بأمر ربك وتدعو إلى شرعه.

يهاجر الناس الآن لأجل لقمة العيش كل صقع، يسافرون من دول الغرب حيث الخضرة والماء وبهرج الدنيا اقتناصًا لفرصة تكسبهم مالًا في صحراء الجزيرة..

كما يهاجرون من مواطن الخوف على النفس والمال والعرض إلى مواطن الأمن.

إن أهل الدنيا لو كسدت تجارتهم ببلد نقلوها إلى حيث تروج، فتجار الآخرة أولى، فبضاعتهم أخف حملًا ونقلًا.

فكذلك كن في هجرتك لدينك، قد تكَون إلى حيث تحرزه وتقيمه لنفسك، فتحفظ بذلك رأس دينك! أو إلى حيث تحرز وتقيم دين غيرك مع ذلك فتثمر بذلك رأس دينك! واجرد الحساب بدقة، وحاسب نفسك بصدق تربح وتعرف ما تذر وما تفعل!

وتذكر أن من وجبت عليه الدعوة بالشروع في طريق العلم وطريقها، وتعينت الحاجة إليه في أصقاع وأمصار لم تقم فيها كفاية تغني، ليس كغيره.

وبعد فليس المطلوب من الدعاة هجرة حمقاء والكيس لا تعجزه تدابير مفارقة لطيفة! وليس مطلوبًا من الدعاة أيضًا أن يكونوا معارضين أو نشطاء سياسيين إن هم هاجروا بل دعاة مصلحين يستنقذون أمتهم بل أمما، ويعتنون صادقين بقضايا أهلهم وأوطانهم بعيدًا عن آصار وأغلال متحكم غاشم.

أصلح الله الأحوال، وهدى الضال، ورد أوطانًا مختطفة إلى أهلها وردهم إليها.