ختم العلامة الشوكاني بعض رسائله بقوله:
“فخشية صولة الرعاع قد أمسكت بعنان القلم، ومُنعت عن كثير مما يليق بالمقام إيراده،
ولا جرم! ففي فمي ماء، وهل ينطق من في فيه ماء”! والرعاع نوع مما يجعل الماء في أفواه العلماء!
ومن قبل ذلك وبعده نوع آخر أعظم، ذكره ابن الوزير عندما ساق خبر بعض السلاطين وجبايته للأموال بالباطل فقال:
“جملة ما حصل للسلطان من المال في هذه التنقّلات نحو الخمسة وثلاثين ألف دينار، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، ما شاء الله كان. انظر إلى شَرَهِ هذا السلطان وما عليه من كسر الناموس فقلّ إنصافه وكثر طمعه وجمعه للمال من أيّ وجه كان، وبالله المستعان، ومع ذلك فلقد بُكي بعده على زمانه! وأقول كما قيل:
قالت الضفدع قولًا فهمته الحكماء
في فمي ماء وهل ينـ طق من في فمه ماء”!
وهذا من هؤلاء العلماء شجاعة! فاليوم لا يجرؤ أن يقول أحدهم في فمي ماء، وهو يعلم أن السيل قد بلغ الزبى، وأن الماء قد نصُف الفم ولا يمكنه مع ذلك النقيق فحية البحر الخبيثة حاضرة!
مليارات تهدر، وحقوق تغصب، وغاية ما نرجو أن تكون في أفواه الفضلاء مياه! وأن قلوبهم حية!
ومثل هذا العالم الذي كنى عن تعذر النطق بالحق قد يعذر، لكن الشأن فيمن نطق بخلاف الحق، وقال بغير العدل، وهو يسمع قول الحق: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) [سورة الأنعام، من الآية: ١٥٢]، فأخذته هيبة الناس فقال بغير ما يتفق مع خشية من أمره بالعدل! وكان آلة للجائر، وسبيلًا له على أهل الحق!
وقديمًا سكت في محنة القول بعقائد باطلة كبار، وأجاب أعلام، ونطق بالحق أئمة! بقي منهم أحمد بن حنبل، الذي كان مسلكه نبراسًا للأمة، وكان من شأنه مع من سكت التغاضي، لكنه هجر من أجاب في المحنة من العلماء، حتى إنه هجر وترك كبارًا تأولوا، قال أبو زرعة: “كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمّار، ولا أبي معمر، ولا يحيى بن معين، ولا أحد ممن امتحن فأجاب”، وله مع الإمام يحيى بن معين قصة مشهورة.
فاليوم لا يجرؤ أن يقول أحدهم في فمي ماء، وهو يعلم أن السيل قد بلغ الزبى، وأن الماء قد نصُف الفم ولا يمكنه مع ذلك النقيق فحية البحر الخبيثة حاضرة!
مليارات تهدر، وحقوق تغصب، وغاية ما نرجو أن تكون في أفواه الفضلاء مياه! وأن قلوبهم حية!
وذلك لأن الله عز وجل قد أخذ الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، كما أخذ ميثاق البيان على بني إسرائيل، فوقع منهم الكتمان، فحقت عليهم اللعنة: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [سورة البقرة، من الآية: ١٤٦]، (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [سورة آل عمران، الآية: ١٨٧].
وهكذا هذه الأمة نُهيت عما نُهي أهل الكتاب عنه من إثم كتمان العلم، فقد شمل الجميع الحكم في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [سورة البقرة، الآية: ١٥٩].
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة البقرة، الآية: ١٧٤].
وإثم هذه الأمة الوسط، التي كُلِّفت بالشهادة على الأمم، وتبليغ رسالات الله، وبايع صحابة رسولها رسولَ الهدى صلى الله عليه وسلم على أن يقولوا بالحق حيث كانوا، إثمها في كتمان الحق أشد؛ فواجبها من البيان وتبليغ رسالات الله أعظم، وما يليها منه أكبر، والحاجة إلى ما جاءها به الله من الهدى ودين الحق أمس! فذنب كتمان عالمها الحقَّ أشدُّ خطرًا وأعظم جرمًا.
غير أن الله برحمته لم يخل هذه الأمة من قائل بالحق، فلم يزل فيها قائم لله بحجة وهذا قد يجعل لغيره في السكوت مندوحة.. ولكن كثيرًا ما يفري في عضده، ويعاضد عدو الله من ينطق بخلاف الحق والعدل تأولًا، فلا يجوز أن يُسوَّى بين هذا وبين من سكت رهبًا متأولًا كفاية ما كان من بيان غيره.
وإثم هذا الناطق بخلاف العدل أشد، وقد وقع هذا الإثم الأشد في أهل الكتاب قبلنا، ثم وقع في علمائنا، وقد نبه عليه ربُّ العزة وحذر منه في مواضع مقرونًا بالنهي عن الكتمان؛ وذلك أن الله عز وجل قد ذم أمرين وحذر منهما مَنْ مَنَّ الله عليه بالعلم:
الأول المقدم وهو الأعظم خطرًا: التلبيس في الأحكام الشرعية.
والثاني: هو كتمانها، وترك بيانها وقت الحاجة إليها…
فالأول تحريف للأحكام، وإنزال الأشياء خلاف منازلها التي أنزلها الله لها، بدفع حكم الله عنها، أو إنزاله بغير مستحقه، أو خلط ذلك بغيره إلى غير ذلك مما يتأول به المفترون!
والثاني هو الكتمان المساعد على رواج ذلك التلبيس، والمُمَهِّد لقبوله.
قال عز وجل عن أهل الكتاب: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [سورة آل عمران، الآية: ٧١]. وقد نهيت الأمم عن ذلك، وحذرت ذينك الأمرين: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة، الآية: ٤٢].
وصور هذا اللبس للحق بالباطل في واقعنا اليوم كثيرة!
وإثم هذه الأمة الوسط، التي كُلِّفت بالشهادة على الأمم، وتبليغ رسالات الله، وبايع صحابة رسولها رسولَ الهدى صلى الله عليه وسلم على أن يقولوا بالحق حيث كانوا، إثمها في كتمان الحق أشد؛ فواجبها من البيان وتبليغ رسالات الله أعظم، وما يليها منه أكبر، والحاجة إلى ما جاءها به الله من الهدى ودين الحق أمس! فذنب كتمان عالمها الحقَّ أشدُّ خطرًا وأعظم جرمًا.
قد يصادر ظالم مخططًا وربما حيًّا كاملًا عن غير رضا، أو يصادر أملاكًا أو يهدر أموالاً ليست بشيء إذا قارنتها بما قال فيه من تقدم: في فمي ماء! مليارات تؤخذ وتذهب!
ثم ليت بعض علماء السوء يسكت، لنعذره ونقول: إن في فيه ماء! بل يأبى إلا أن ينكر على من قام بواجب إنكار هذا المنكر! متعبدًا الطاغوت بذلك ويحسب أنه على سبيل سُنَّة، وهو يسمع من يقرأ عليه قوله: “دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا”! كما في صحيح البخاري وغيره.
فهؤلاء تركوا الغاصب الظالم المسرف، وما تركوا الطالب للنَّصَف! أطاعوا أمر المسرفين ودخلوا في زمرة الظالمين بذلك.
وليس شر منهم إلا من زعم القربة والسُّنَّة في ذلك!
ومن صور تلبيس الحق بالباطل في واقعنا أن تذم جماعة تختلف معهم بحق أو اجتهاد في مسائل، فتذمهم لاشتغالهم بحق من طلب نصرة أمة مظلومة، أو تحكيم كتاب وسنة، أو إقامة سياسة عادلة إرضاء لمن عاداها في ذلك الحق من الكبراء ولم يكترث يوما بما هي عليه من خلاف الشرع.. فيتأتي هذا المدلس ويلبس بالحق أو الاجتهاد الذي يخالفها فيه لينصر ذلك المتجبر.. على من يبهرج عافاكم الله، ألم يعلم بأن الله يرى، والملائكة تشهد، والعقلاء يميزون!
تجد مثلًا من يحرص على إعلان ذم جماعة كذا وهو يعلم أنها لم تجتمع على عقيدة واحدة، كأية شركة أو جمعية أو مؤسسة أو بلدة لمن فيها هموم مشروعة وأغراض فيها مشتركة، فيأبى إلا أن يذمها في ما لم تجتمع عليه وليس من موضوعها، وباعث ذمه إرضاء من ناصبها العداء لأجل الحق الذي اجتمعت عليه أو لقربها منه!
ثم ليت بعض علماء السوء يسكت، لنعذره ونقول: إن في فيه ماء! بل يأبى إلا أن ينكر على من قام بواجب إنكار هذا المنكر! متعبدًا الطاغوت بذلك ويحسب أنه على سبيل سُنَّة، وهو يسمع من يقرأ عليه قوله: “دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا”! كما في صحيح البخاري وغيره.
يا صاحب الفضيلة ما كان أغناك عن هذا، ولو قلت: في فمي ماء لا أستطيع أن أنصف! لكانت منقبة في حقك، ولو سكت لسلمت! أما أن تلمز الناس وتكون أداة للغمز والطعن في خاصرة من ناوأهم من الكبراء، فأدنا ما يسعنا ويجب علينا تجاهك أن نقول: كف وانتبه أصلحك الله!
واعلم أن المحنة سوف تنجلي يومًا، وبعد المحنة في الدنيا حساب كحساب إمام السنة أحمد بن حنبل!
وأشد منه حساب تلقاه غدا في المدفن والمحشر والمنشر وعند الصراط حيث تتقاص الحقوق وينتصف للناس عافنا الله وإياك.