حدثت أحداث في عهد الملك فيصل رحمه الله كان لها أكبر الأثر في واقع المملكة العربية السعودية ينبغي الوقوف معها، بدءًا من مصادقته في عهد والده الملك عبد العزيز عام 1945م على ميثاق الأمم المتحدة، ثم توقيعه ومصادقته عام 1948م على الميثاق الدولي لحقوق الإنسان كأول دولة عربية إذ ذاك تدخل هذا المستنقع.. ثم ما كان في عقد ولايته الملك، ولعله تتيسر مقالات للوقوف مع بعض تلك الأحداث.
وموضوع هذه المقالة هو أحد الأحداث الداخلية، الذي يتعلق بتنظيم كان له أبلغ الأثر على ضبط الفتوى والمفتين، وعلاقتهم بالدولة وما يتوقع أن تؤول إليه.
وكانت بوادر ذلك تأسيس هيئة كبار العلماء ولائحة سير العمل فيها واللجنة الدائمة المتفرعة عنها، وذلك في عام 1391هـ الموافق 1971م، حيث صدر مرسوم ملكي بتكوين هيئة كبار العلماء، برقم (أ/137) بتاريخ 8-7-1391هـ.
ونص المرسوم على:
“أولًا: تألف هيئة علمية تسمى (هيئة كبار العلماء).
ثانيًا: تتكون الهيئة من عدد من كبار المختصين في الشريعة الإسلامية من السعوديين يجري اختيارهم بأمر ملكي. ويجوز عند الاقتضاء وبأمر ملكي إلحاق أعضاء بالهيئة من غير السعوديين ممن تتوفر فيهم صفات العلماء من السلفيين.
ثالثًا: تتولى الهيئة:
أ- إبداء الرأي فيما يحال إليها من ولي الأمر من أجل بحثه وتكوين الرأي المستند إلى الأدلة الشرعية فيه.
ب- التوصية في القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة ليسترشد بها ولي الأمر وذلك بناءً على بحوث يجرى تهيئتها وإعدادها طبقًا لما نص عليه في هذا الأمر واللائحة المرافقة له.
رابعًا: تتفرع عن الهيئة (لجنة) دائمة متفرغه يختار أعضاؤها من بين أعضاء الهيئة بأمر ملكي وتكون مهمتها إعداد البحوث وتهيئتها للمناقشة من قبل الهيئة وإصدار الفتاوى في الشئون الفردية، وذلك بالإجابة على أسئلة المستفتين في شئون العقائد والعبادات والمعاملات الشخصية. وتسمى اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى ويلحق بها عدد من البحاث المعاونين”.
وتلحظ في هذا النظام تحوط المرسوم الملكي، وتحرزه مما يمكن أن يعكر عليه، فالملك هو الذي يعين ابتداء، وسلطة الهيئة مجرد إبداء الرأي فيما يحال إليها، مع إمكان التوصية ابتداء في حقل محدد؛ وهو القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة، وهذه التوصية توصية استرشادية قد يأخذ بها الملك الذي جُعل هو ولي الأمر من دونهم! وقد يهملها!
وقد جاء هذا النظام في عهد لا يملك فيه الملك ولا غيره أن يسكت أعلامًا كالشيخ عبدالله ابن حميد رحمه الله، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، ونظرائهم من الناصحين القوالين بالحق.. لكنه كافٍ ليقال: عندنا هيئة، والدولة ترجع للعلماء، والعلماء يوصون بما يرون!
ثم صدرت بعد ذلك اللائحة التنفيذية لهذا النظام وصدرت عليها تعديلات، كلها تصب في الغرض السابق نفسه، تقييد الفتوى، وضبطها، في مآرب أخرى بحيث لا تخرج عن مراد الديوان!
فقد كانت لائحة سير العمل في هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة المتفرعة عنها كانت تنص في مادتها الثانية على:
“2- تكون رئاسة الدورات بالتعاقب بين خمسة من أكبر أعضاء الهيئة سنًّا ويرأس أكبرهم سنًّا أول دورة تنعقد، ويتولى الرئيس افتتاح الجلسات وإدارتها وتنظيم المناقشة فيها ورفعها”، ثم عدلت هذه المادة في عهد الملك فهد رحمه الله بالمرسوم (أ/4)، بتاريخ: 20-1-1414هـ، ونص فيه على تعيين سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مفتيًا ورئيسًا للهيئة بمرتبة وزير، وعلى رئاسته دورات انعقاد الهيئة، أو من ينيبه.
وتلحظ في هذا النظام تحوط المرسوم الملكي، وتحرزه مما يمكن أن يعكر عليه، فالملك هو الذي يعين ابتداء، وسلطة الهيئة مجرد إبداء الرأي فيما يحال إليها، مع إمكان التوصية ابتداء في حقل محدد؛ وهو القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة، وهذه التوصية توصية استرشادية قد يأخذ بها الملك الذي جُعل هو ولي الأمر من دونهم! وقد يهملها!
وقد سعد الناس حينها بذلك، فالشيخ رحمه الله كان موضع إجماع، قد جاوز القنطرة، ولم تكن لتحوم حول مثله شبهة، ولم يكن في البلاد من يتقدمه.
ولهذا كانت الاستفادة من اسمه في تغيير النظام خطوة ذكية من قبل الملك فهد! فلم يكن الشيخ ليتجاوز على كل حال، سواء جعل في رئاسة الدورة أو لم يجعل، ولم يكن ليعترض عليه أحد. لكن مرر من خلال ذلك ارتهان الدورات فيما يستقبل لرئاسة من يختاره الملك لذلك المنصب.
وهذه درجة من درجات التحكم أخرى. مع تزويق صورة مثلى: فعندنا مرجعية دينية، وعليها أعلام ثقات. والحقيقة أن تلك المرجعية استشارية يعرض عليها شيء، وتتجاوز في عشرة!
ثم جاء في عام 1422، تقييد آخر، بالأمر الملكي أ/88؛ وهو إمكانية تغيير من لا يروق نظر الديوان من كبار العلماء، أو لا يؤدي أداء جيدًا من وجهة نظر الملك، فحددت مدة عضو الهيئة بأربع سنوات، ما عدا الرئيس -فمكان الشيخ ابن باز لم يكن ليطال- فإن مدد للعضو فبها، أو يخرج ليعود من غير كبار العلماء!
وكانت القرارات تصدر بتكوين هيئة كبار العلماء حينًا بعد حين، ولكن دون تعديل يذكر، إلَّا أشياء يسيرة إما لتُبرز التنوع فيُضاف فلان المعروف بأنه من المذهب المالكي مثلًا، ويُحذف فلان، ويدخل غيره من الفضلاء، ليرسخ في الجيل التالي قانون الإحلال والاستبدال.
ولهذا كانت الاستفادة من اسمه في تغيير النظام خطوة ذكية من قبل الملك فهد! فلم يكن الشيخ ليتجاوز على كل حال، سواء جعل في رئاسة الدورة أو لم يجعل، ولم يكن ليعترض عليه أحد. لكن مرر من خلال ذلك ارتهان الدورات فيما يستقبل لرئاسة من يختاره الملك لذلك المنصب.
لكن كان جمهور من فيها أعلام لهم وزنهم، وقد حرص الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على أن يستقطب إليها أمثالهم، فكان يوصي بهم، ويعمل على إقناعهم، ويراسل بطلب تعينهم، وذلك من حسن سياسته للأمور، ومعالجته لواقع النظام، فمع كون النظام يرسخ للإحلال والاستبدال إلاّ أن الهيئة كان فيها أعلام ثقال، ساعد وجودهم على ثبات تشكيلة الهيئة مدة من الدهر.