حدث في أخريات عهد الملك عبد الله تعديل مهمٌّ على نظام هيئة كبار العلماء، وذلك على يد الملك سلمان الذي كان وليًّا للعهد حينها، فقد كان هو الموجه لمجلس الوزراء.
هذا التعديل غُيّرت فيه “اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى”، لتغدو “اللجنة الدائمة للفتوى”، وأضيفت أهداف ومهمات وأقسام وأغفلت أخرى، وذلك بقرار من مجلس الوزراء برقم (238) وتاريخ 7/6/1435، الموافق 5/5/2014م. وليس تغيير الاسم بالتغيير الشكلي كما يتصور! بل له أثر يأتي ذكره.
وقد عُزز ما في قرار مجلس الوزراء بعد أن جاء عهد الملك سلمان، حيث صدر مرسوم جديد مهم رسخ ما تقدم، برقم (أ/115)، وتاريخ 2-5-1436هـ، وذلك في أول شهر من عهد ملكه، وتضمن المرسوم تعديلًا أهم مما سبقه، فقد عدل في النظام بلطف ما يبطل بعض ما جاء في البند رابعًا لنظام الهيئة منذ عهد فيصل، والذي كان ينص على: “تتفرع عن الهيئة (لجنة) دائمة متفرغة يُختار أعضاؤها من بين أعضاء الهيئة بأمر ملكي وتكون مهمتها إعداد البحوث وتهيئتها للمناقشة من قبل الهيئة وإصدار الفتاوى في الشئون الفردية، وذلك بالإجابة على أسئلة المستفتين في شئون العقائد والعبادات والمعاملات الشخصية. وتسمى اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى ويلحق بها عدد من البحاث المعاونين” فعدل بموجب المرسوم السابق ما يأتي:
“تتفرع عن الهيئة (لجنة) دائمة باسم (اللجنة الدائمة للفتوى)، وتكون متفرغة يُختار أعضاؤها من بين أعضاء الهيئة بأمر ملكي، وتتولى ما يأتي:
1- إصدار الفتوى في الشؤون الخاصة للجهات الحكومية، والشؤون الشخصية للأفراد.
2- المهمات والاختصاصات الأخرى المشار إليه في الدليل التنظيمي للرئاسة (الأهداف والمهمات)”.
وجاء الدليل التنظيمي (الأهداف والمهمات) الصادر عن مجلس الوزراء بالقرار الرقم (238) وتاريخ: 7-6-1435هـ مشتملًا على مهمات ما أضيف من نحو، وتعديلاته في القرار (462) بتاريخ 2-11-1436هـ.
وحاصل ذلك أن اللجنة الدائمة قُلِّصت مهامها وصلاحياتها، فقد كانت: (اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى)، وكانت البحوث متصلة بمبادرات الهيئة وتوصياتها للملك في الشأن الشرعي العام، بمعنى كان من أهم شأن البحوث في النظام الأول الصادر في عهد الملك فيصل، “ب- التوصية في القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة ليسترشد بها ولي الأمر وذلك بناءً على بحوث يجرى تهيئتها وإعدادها طبقًا لما نص عليه في هذا الأمر واللائحة المرافقة له”.
فأصبح عملها مقصورًا على الإفتاء في الشؤون الخاصة الواردة من الجهات الحكومية والأفراد، بعد أن كانت حسب مرسوم المرسوم الملكي رقم (أ/137) بتاريخ 8-7-1391هـ، مخولة بالتوصية ابتداء في القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة، لكن لا توجد آلية بحثية لتحقيق ذلك.
وبالإضافة إلى ذلك غدا في عهد الملك سلمان أمينها -ولم تجر العادة بأن يكون من كبار العلماء- مخولًا بإصدار بيانات، بعد أن كانت وظيفته التنسيق بين السكرتارية ورئاسة الهيئة!
ومما تقدم يظهر لك أمران:
- أن الذين ينتقدون علماء الهيئة وعدم فعاليتهم، ويلقون باللائمة عليهم لا على نظامها، لا يتصورون حقيقة نظامها ولا يمعنون النظر فيما خولته ولا ما يراد بها، ولعل ذلك مما أوجب لبعض الأعلام البعد والنأي بنفسه عن أن يكون عضوًا فيها، إذ هو قائم بما يخوله نظامها وزيادة! لكن حسبة بغير مخصصات ولا مؤثرات!
- وأما الأمر الآخر فهو أن الهيئة في كف الديوان من جهة النظام من يوم نشأتها على تدرج يزيد من القبضة، لكن الذي عصمها من الانحراف أو التسخير السياسي المحض فيما مضى وزن من فيها من الأعلام، فليس من اليسير تسييرهم كيف تشاء كف الديون! ولهذا فُزع إلى بيانات الأمانة العامة في العهود المتأخرة.
أما اليوم بعد وفاة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فلم يتبق من ذلك الجيل الذي له ثقله مَن حَالُه تأذن في تولي الزمام، ولم يبق من أهل الفضل -وهم كثير- إلَّا من ألف الاستبدال والإحلال، بكلمة أخرى خلال هذا العهد أو الذي يليه من المتوقع أن ترى في مقاعد الكبار صغارًا وأغمارًا وظيفيين يتكاثرون تكاثرًا طفيليًّا، كما هو واقع اليوم في محاكم، ووزارات أخرى تسنمها فيما مضى فضلاء، ثم استبدلوا الدون بالذين هم خير!
وحاصل ذلك أن اللجنة الدائمة قُلِّصت مهامها وصلاحياتها، فقد كانت: (اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى)، وكانت البحوث متصلة بمبادرات الهيئة وتوصياتها للملك في الشأن الشرعي العام، بمعنى كان من أهم شأن البحوث في النظام الأول الصادر في عهد الملك فيصل، “ب- التوصية في القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة ليسترشد بها ولي الأمر
وباختصار واقع نظام الهيئة مذ كان خير منه واقع نظام الأزهر في مصر، ورئاسة شؤون الديانة في تركيا، ولك أن تقارن ما تقدم بنظام الأزهر؛ فشيخ الأزهر هو من يختار كبار العلماء، وهم الذين ينتخبون شيخ الأزهر عند خلو منصبه، وهم الذين يرشحون مفتيًا للجمهورية، وكذلك الشأن في تركيا والتي يعين المفتي فيها من قبل وقف الديانة بالانتخاب. فعندهم رئاسة شؤون الديانة تابعة لرئيس الجمهورية، وفيها هيئة للفتوى في مجلس أعلى للشؤون الإسلامية، اثنا عشر من أعضائها الستة عشر يأتون بانتخاب ممثلين للأئمة والخطباء والمفتين في عموم البلاد، وممثلين من كليات الإلهيات، فيجتمع هؤلاء ويختارون اثني عشر شخصًا من ستة عشر موكول إليهم اختيار رئيس الشؤون الدينية، وفوق ذلك تتجاوز أنشطة هؤلاء الفتوى والتوجيه في تركيا إلى خارجها إذ لهم اتصال بسبعة مناطق إقليمية.
والمطلوب لإصلاح الهيئة أن تقلص تبعيتها، بجريان شيء من ذلك وتعديل نظامها بحيث تكون حاكمة لا مستشارة، عندها آلية في المبادرة بالتوصية، بل الأمر، دون أن تركن على جنب، وتستعمل عند الحاجة، وفيما لا كبير خطر فيه، أو ما فيه خطر لكن قد علم قربها من رأي الدولة فيه، وليكون ذلك لابد من نوع استقلال في أمورها المالية من موارد وقفية، مع عودة البحوث بآلية أجود مما كانت عليه تكفل إحكامها، وقد اشتدت الحاجة إلى هذا اليوم بعد أن ذهب جيل الثقال الكبار!