لا ينكر عاقل أن الواقع الاجتماعي والسياسي والشرعي تحدث فيه مسائل ووقائع تحتاج إلى اجتهاد جماعي… وأن لأهل الخبرة في المجالات كافة أثرهم في صناعة فتوى النوازل. وإن كان من خلل عند العوام فيقع في استفتائهم مَن ظاهرُه الاستقامة من أهل الخبرة، فمثلا مادام هو طبيبًا وعنده لحية، فيصلح للفتوى في الأمور الطبية وربما غيرها!
وهكذا يُستسمن ذا الورم!
والواجب في الفتوى هو الرجوع إلى أهلها، ولابد لأهلها هؤلاء من استفصال ومراجعة مع الخبراء فيما يحتاج إلى ذلك، ومن خرجت فتاواه بغير مراجعة هؤلاء خرجت غير واقعية، والثقافة العامة بعد مدة طالت أو قصرت مدتها كفيلة بتخطئتها.
وهذا المقال لا يتعلق ببيان ذلك، بل بالتنبيه على انحراف منكر أعظم من ذلك، كثر في هذا العهد، وأصحابه متخصصون في علوم الشرع! لكنهم اتبعوا شيئًا من الهوى.
وهذا المنكر هو ترك بعض أهل العلم لواجب البيان في النوازل المجتمعية والسياسية والقضايا الحقوقية وما يتعلق بشؤون البلاد وإدارتها وما يجري فيها ويدبر لها! وإهمالهم الرجوع إلى الخبراء لأجل ذلك، واستبدال شيء عجيب بذلك! فترى أحدهم إذا سُئل في نازلة سياسية قال: يرجع في ذلك إلى ما يقرره ولاة الأمور!
يجعل بذلك الاختصاص بالفتوى للحاكم، فما يجريه هو الحكم الشرعي، وما يفعله هو الصواب! وينسل هو من أولي الأمر الذين سماهم الله تعالى انسلال الشعرة من العجين! والله عز وجل يقول: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ) [من سورة النساء: ٨٣].
فيخالف هذا أمر الله بالرد إلى أهل الاستنباط، ويحيل على غير متأهل ولا مليء، وذلك غش للسائل، وترك للنصح، وحيدة عن واجب البيان الذي أخذ الله به الميثاق على العلماء.
والواجب في الفتوى هو الرجوع إلى أهلها، ولابد لأهلها هؤلاء من استفصال ومراجعة مع الخبراء فيما يحتاج إلى ذلك، ومن خرجت فتاواه بغير مراجعة هؤلاء خرجت غير واقعية، والثقافة العامة بعد مدة طالت أو قصرت مدتها كفيلة بتخطئتها.
يحيل على ما يراه ولي الأمر وهو يعلم أن ولي الأمر الذي يحيل عليه جاهل بالشرع والاقتصاد والسياسة والاجتماع وهلم جرا، والأهم جهله بالدين، لا علم له بمراتب الأدلة، وربما تكلم في حجية السنة، ولا تمييز له فيها، فضلًا عن كونه لم يطلع على كتب العلوم الشرعية، ولا يمتلك أدنى مقومات الاجتهاد أو الفتوى!
ومع ذلك يتخلص هذا المشتغل بالعلم من الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم بالإحالة على الجهلاء تشبيهًا لهم بمن أمر الله بالردِّ إليهم من الفقهاء! فيعتبر ذلك الجاهل المتخبط، أو الذي يدار يمينًا ويسارًا بأيد خارجية أو ضغوط أجنبية يعتبره خبيرًا وفوق ذلك يُقرر ويفتي!
أما أساتذة السياسة شرعية وغيرها من الوطنيين الذين حملوا أعلى الشهادات فلا يحق لهم الكلام في الشأن العام! فأولو الأمر ليسوا هم العلماء ولا الخبراء، وأساتذة العلوم! وهو مستعد للرد على أي منهم في أي مجال!
وهذا المنكر هو ترك بعض أهل العلم لواجب البيان في النوازل المجتمعية والسياسية والقضايا الحقوقية وما يتعلق بشؤون البلاد وإدارتها وما يجري فيها ويدبر لها! وإهمالهم الرجوع إلى الخبراء لأجل ذلك، واستبدال شيء عجيب بذلك! فترى أحدهم إذا سُئل في نازلة سياسية قال: يرجع في ذلك إلى ما يقرره ولاة الأمور!
الخبير الذي يفتي ويقرر ويستبد ولا يراجع ذلك الجاهل فقط! فلا يسأل عما يفعل! ومؤهله أنه تسنم ذروة السلطة بأي طريق كان!
وهذا الذي شاب رأسه في الاقتصاد أو السياسة أو السياسة الشرعية أو الاجتماع حتى حاز الألف دال، لا يتجاوز صوته قاعة المحاضرات، وكلامه في القاعة محسوب! وإن تكلم اقتصادي أو شرعي أو سياسي برأيه في أمور فعاقبته عاقبة أفاضل وطنيين يقبعون اليوم في السجون!
ونتيجة ذلك ما نشهده من انحسار لثقافة المجتمع، وذوبان لهويته، وبُعد عن الدين، واستجلاب لهوية “استعمارية” مكانها! بالإضافة إلى ما نراه من تخبط في نهضة الأمة، وقطع لها عن جيرانها، وخذلان للمستضعفين المكلومين، وتفريط في خطوط دفاع قريبة، ومساعدة على تدميرها، وإسهام في زيادة جراحات وآلام ودمار بلدان مسلمين، حيث نسير وفق مخططات بني صهيون أو خطى ابن زايد الذي له من اسمه نصيب فهو زايد للأضغان في عدد من البلدان!
يحيل على ما يراه ولي الأمر وهو يعلم أن ولي الأمر الذي يحيل عليه جاهل بالشرع والاقتصاد والسياسة والاجتماع وهلم جرا، والأهم جهله بالدين، لا علم له بمراتب الأدلة، وربما تكلم في حجية السنة، ولا تمييز له فيها، فضلًا عن كونه لم يطلع على كتب العلوم الشرعية، ولا يمتلك أدنى مقومات الاجتهاد أو الفتوى!
وعلى صعيد الاقتصاد مجازفات تُخشى مغبتها باستثمارات مليارية بأيد حكومة أمريكية متقلبة المزاج والأحوال والأشكال! ومشاريع تزعم وطنية، غير مجدية في مواطن عشائر وأسر اغتصبت منهم، وشراء جزر تخدم تدويل مناطق حساسة لتكون لإسرائيل فيها شركة، فبعد أن كانت إسرائيل في إيلات مطلة على مياه مصرية تحكمها دولة عربية في الجملة شأنها كسيناء، غدت بفضل شراء تيران وصنافير مياهًا دولية تشترك فيها مصر والسعودية مع إسرائيل!
بل مشروع نيوم نفسه له جذور أشار إليها شيمون بيريز في كتابه الصادر عام ١٩٩٢م: الشرق الأوسط الجديد. (وبإمكانك شراء نسخة منه من مكتبة جرير بأربعين ريالًا)!
ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي اقترحه شمعون بيريز في كتابه الصادر أعقاب أوسلو عماده ما أسماه تخطي الانغلاق القومي وبناء اقتصاد إقليمي قائم على المشاركة في الطرق والسكك الحديدية والموانئ التي تحول إلى مناطق حرة وعلى شبكات المياه والمراكز البحثية الزراعية والتنموية الأخرى، ومقاومة التصحر، وتوليد الكهرباء، والسياحة!
ومعلوم من سيوفر رأس المال والعمالة والمياه والأرض والطاقة والمواد الخام والسوق في هذه الشراكة المدعاة، التي تقوم على شرط مهم وهو حفظ الأمن عن طريق نزع السلاح، والتعاون على رصد ومنع التطرف، وقمع الثورات وإن كانت شعبية، والجماعات وإن كانت وطنية، وتغيير الثقافة!
هذا المشروع الماكر وغيره يمرره اليوم مَن أُخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وبتلك الدعوى السخيفة، واختصارها: الجاهل أبخص! والرد إليه في نوازل المجتمع سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية! والحقُّ عزَّ وجلَّ يقول:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) [سورة البقرة: ١٧٤-١٧٥].
وفي الحديث: “إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”!
والواجب علينا أن ننكر ما نرى من المناكر والمظالم والقعود بل الإعاقة لفعل الخير وكسر يد العون لمن الواجب إعانتهم عليه!
داخليًّا وخارجيًّا، يقدر ذلك العلماء مع المتخصصين، وينكرون جميعهم قرارات الجاهلين وتأويلاتهم وتحريفاتهم للدين.
كما كان أهل السنة ينفون عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
والحمد لله رب العالمين.