في ظلّ الأوضاع الأليمة التي يعانيها أهل غزّة، ووسط خليطٍ من عجز أهل الإسلام وتقصيرهم، زيادةً على الخيانة والتآمر من بعض الأقربين، ربما تساءل بعض الناس عن جدوى الاستمرار في مقاتلة الصهاينة في ظل الحصار والمجاعة والقتل والتشريد الذي يتعرض له الضعفة من الناس هناك، وربما عاد آخرون إلى مبدأ هذه الأحداث وتساءلوا عمّا إذا كانت حسابات المجاهدين صحيحةً حين باغتوا الصهاينة بالهجوم على مغتصباتهم قبل عامين.
وقبل البحث في مثل هذه التساؤلات لا بد هنا من التقديم بذكر بعض القواعد المحكمة التي ربما غيّبتها الخصومات والتحزّبات، مع أنها من المحكمات التي يفترض ألا تكون محلّ خلافٍ أو جدلٍ بين أهل الإسلام:
القاعدة الأولى:
قرار الحرب في أيّ بلدٍ لا يتخذه أفراد الناس، بل هو شأن قيادتهم؛ فالناس في أمر الجهاد تبعٌ لقادتهم، والقادة وإن كان من واجبهم أخذ المشورة، إلا أنّهم يبقَون أصحاب الحق في اتخاذ القرار، كما قال تعالى: (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمتَ فتوكل على الله) [آل عمران: ١٥٩].
وتعليق قرار الحرب بالقيادة أمرٌ يتفق عليه العقل والنقل، ولهذا لا تختلف النظم البشرية في مؤاخذة الجندي متى تخلف عن أمر قيادته، ولذلك أيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا استُنْفِرْتم فانفروا) [رواه البخاري ومسلم]، ومعنى هذا الحديث أن من واجب التابع أن ينفر ويهب للقتال متى أمرته قيادته بذلك، وليس للمجاهد إذا استُنْفِرَ لقتال العدوّ الكافر من قِبَلِ قيادته أن يتخلف بحجة عدم قناعته بقرار الحرب، ولو كان لكل فردٍ من الجيش الحقّ في أن ينازع قيادته في قرارها فلا يطيعها حتى تنزل عند رأيه، لما استقام للمسلمين شأنٌ، ولا اجتمعت كلمتهم على شيءٍ!
ومما تقرر بالأدلة وعُلِمَ من كلام أهل العلم أنّ الجهاد وإن كان في الأصل فرضَ كفاية على أهل الإسلام، إلا أنه يصبح فرض عينٍ على المسلم في ثلاث حالاتٍ:
1-إذا نزل العدو بلد المسلمين أو حصرهم، فيتعيَّن القتال على من يليه.
2-إذا استنفر الإمام أحدًا بعينه، وجب عليه النفير للقتال.
3-إذا حضر المسلم التحام الصفوف، تعيَّن القتال عليه.
وهذه المعاني الثلاثة متحقّقة في الجملة في أهل غزَّة.
القاعدة الثانية:
إذا قلنا: إن قرار الحرب شأن القيادة لا الأتباع، فلا يعني هذا أن القيادة معصومةٌ في قرارها؛ إذ لا أحد معصومٌ من الخطأ في حساباته حتى لو كان من أهل الخبرة والمعرفة بشؤون الحرب، سواءٌ كان من قادة المجاهدين المسلمين أو من غيرهم، وحروب المسلمين على امتداد تاريخهم وإن كانت مملوءةً بنماذج لقراراتٍ صحيحةٍ جلبت النصر لأهل الإسلام، ففيها كذلك نماذج أخرى لقراراتٍ غير موفقةٍ، لكن ما ينبغي استحضاره أنه ليس من شرط القيادة كي تُطاع أن تكون معصومةً، فلو قُدر أنها اتخذت قرارًا لا توافق عليه طائفةٌ ممن تحت قيادتها، فطاعة تلك الطائفة لقادتهم خيرٌ من التنازع المفضي للفشل، هكذا تدار المعارك، وبهذا أمر الله إذ قال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين) [الأنفال: ٤٦].
واجب القادة الاجتهاد واستفراغ الوسع في فعل الأصلح، مع الاستماع للنصح والمراجعة، لكن متى عزم الأمر، ونشب القتال فعلى التابع الانقياد والطاعة وتحاشي تفريق كلمة المسلمين.
قرار الحرب في أيّ بلدٍ لا يتخذه أفراد الناس، بل هو شأن قيادتهم؛ فالناس في أمر الجهاد تبعٌ لقادتهم، والقادة وإن كان من واجبهم أخذ المشورة، إلا أنّهم يبقَون أصحاب الحق في اتخاذ القرار، كما قال تعالى: (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمتَ فتوكل على الله) [آل عمران: ١٥٩].
هذا مقتضى النصوص الشرعية التي جاءت بالأمر بالسمع والطاعة لأهل الولاية وأمراء الجهاد، وهو أيضًا مقتضى النظر العقلي الصحيح، فلا يمكن أن يستقيم أمر جيشٍ يستوي فيه القادة والأتباع، ويكون فيه قرار القيادة معلقًا على موافقة جنودهم، ولا يجوز للجندي المجاهد في شريعة الإسلام الخروج عن أمر قيادته إلا إذا أمرته بمعصية الله، والمعصية بابها يختلف عن باب الاجتهاد في تقدير المصالح والمفاسد.
القاعدة الثالثة (الأهم من القاعدتين الأوليَيْن):
ما ذكر آنفًا يتعلق بمن كان حاضرًا في أرض الحرب، أما البعيد في سائر بلاد المسلمين فمثل هذا عليه أن يفهم أيضًا أنّ قرار الحرب في بقاع الأرض ليس قرارَه ولا قرار أمير بلده، فإذا نشبت الحرب في بلدٍ بعيدٍ عنه، بين المسلمين وأهل الكفر بأمرٍ من القيادة المسلمة، فلا خيار للبعيد عنهم إلا موالاة إخوانه من أهل الجهاد، وإن لم يجد ما يقدمه لهم فلا أقلّ من أن يكون معهم بشعوره وقلبه؛ يدعو ويتمنى لهم النصر والتمكين، بقطع النظر عن قناعته بصواب اجتهادهم.
وحين نقول: إنّ قلبه يجب أن يكون مع المسلمين، فلا نعني بذلك المستضعفين والثكالى والأطفال الجوعى المحاصرين فقط، بل لا بُدّ أن يكون شعور المسلم أيضًا مع المجاهدين الذين يناجزون العدوّ، فلا يمنعه الخلاف والتحزب مع أو ضد أي جماعةٍ من إهدار أصل الولاء لأهل الإسلام في مواجهة العدو الكافر، امتثالًا لقوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ) [التوبة: ٧١]، وتحقيقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن المسلمين (يدٌ على من سواهم) [رواه أصحاب السنن وغيرهم، وأصله في الصحيحين]، أي أنهم يتكاتفون وينصر بعضهم بعضًا حين يتعلق الأمر بقتال غيرهم من أهل الكفر.
ومن لا يجد في قلبه ميلًا للمجاهدين المسلمين وهم يواجهون أهل الكفر، ولا يتمنى لهم النصر على عدوهم لمجرد كونهم من الجماعة الفلانية فليراجع توحيده وإيمانه، أما من زاد على ذلك، فكان ممن يفرح بنكاية الصهاينة في المجاهدين، فمثل هذا مقيمٌ على شعبةٍ عظيمةٍ من شُعب النفاق.
ولا يُستثنى من ذلك من يتعلّل ويقولُ إنّ له انتقادات ومؤاخذات على المجاهدين، فليس من شرط الولاء لأهل الإسلام سلامتهم من الخطأ والتأويل، كيف وأهل السنة ينصّون في عقائدهم على أن (الجهاد ماضٍ مع كل برٍّ وفاجرٍ).
أقول هذا تنبيهًا على خطأ فاضل سبقه لسانه فقال: (ينبغي أن نفرق بين عامّة الفلسطينيين المستضعفين وبين قيادتهم التي نختلف معها)؛ فهؤلاء الذين تختلف معهم ما داموا أهل إسلامٍ، وما داموا يقاتلون عدوًّا كافرًا صريحًا معتديًا، فلا خيار لمسلمٍ في ترك موالاتهم وتأييدهم، بل واجب المسلم الشدّ من أزرهم، وحثّ من تحت ولايتهم على الانقياد لهم، وتجنّب ما يفرق صفوفهم أو يفتّ في عضدهم، حتى لو كان كلامًا من بعيدٍ، فعبارات الطعن والعيب في عصر التواصل تصل لأهل الجهاد، وتؤثر في عزائمهم.
والذي يتكلّم وقت التحام الصفوف بما مؤدّاه تحريض الناس على التقاعس أو التمرّد على قيادتهم ولو لم يقصد ذلك، فهو إنما يدعو لتمزيق صف المسلمين، وتمكين الكفار من رقابهم، وتسليم أرض الإسلام للعدوّ؛ إذ لا يشكّ من لديه أدنى فهمٍ ونظرٍ أن كسر شوكة المجاهدين في غزّة لن ينهي معاناة أهل فلسطين، بل مآل ذلك المزيد من تسلط الصهاينة عليهم كما هو حاصلٌ مشاهدٌ الآن فيما عدا غزَّة سائر أرجاء فلسطين.
ومن لا يجد في قلبه ميلًا للمجاهدين المسلمين وهم يواجهون أهل الكفر، ولا يتمنى لهم النصر على عدوهم لمجرد كونهم من الجماعة الفلانية فليراجع توحيده وإيمانه، أما من زاد على ذلك، فكان ممن يفرح بنكاية الصهاينة في المجاهدين، فمثل هذا مقيمٌ على شعبةٍ عظيمةٍ من شُعب النفاق.
غزّة إنما بقيت خاليةً نظيفةً من الصهاينة على مدى عقدين من الزمان بسبب صبر أهلها وثبات مجاهديها الذين أجبروا عدوهم- في زمن الاستضعاف- على تفكيك مستوطناته وانسحابه من قطاع غزة بأكمله قبل أكثر من عشرين عامًا، وبالمقابل فإن سائر أنحاء فلسطين لما ألقى المسلمون فيها سلاحهم، وركضوا وراء مؤتمرات الاستسلام، زاد العدو من تسلّطه عليهم، وبسط هيمنته فوقهم، وصار ينتهك حرماتهم كلّ يومٍ بالسجن والهدم والقتل والإذلال، وقد سمع العالم أجمع رئيس السلطة الفلسطينية قبل ثلاث سنين، وهو يتوجع من هجمات الصهاينة بمدينة القدس، ويستجدي بذلّةٍ مِنْ فوق مقعده بالأمم المتحدة ويقول: (يا ناس احمونا، اعتبرونا حيوانات!).
فهذه الذلة ليست من سمات أهل الإيمان، لكنْ هذا مآلُ من يضع سلاحه ويطأطئ رأسه أمام كفرةٍ مجرمين معتدين لا يرقبون في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمّةً.
على أنّ الأمر لو استقرّ للصهاينة في فلسطين واستكان لهم أهلها، فإنّ أطماعهم لن تقف عند حدودها، بل سوف تمتدّ قطعًا إلى المزيد من أرض الإسلام كما يصرح اليوم قادتهم بذلك، بل كما فعلوا ذلك الآن لما شرعوا في مدّ سلطانهم في سوريا ولبنان.
هل يعني هذا التصويب المطلق لقرار المجاهدين ومباغتتهم عدوّهم قبل عامين؟
هذا ما سنعرض له بمشيئة الله في القسم الثاني من هذه المقالة.