إننا حين نكتب بعد تمحيص وتفكير فلا نكتب ملأ فراغ و تزجية وقت أو تنمية هواية، بل إننا نحيي أصلًا أخلاقيًّا وقاعدة لصلاح دنيا الناس ودينهم وركيزة أساسية إذا تمت انحلت ملفات وعقد كثيرة.
إن الأمن فرع عن العدل وإن العدل أصل للأمن، و إذا تقدم الفرع على الأصل اختلت التوازنات واضطربت الأصول والمرجعية للحق، وصارت الأجهزة الرسمية ميزان الضمير للشعوب ومقياس الصواب والخطأ ، خلافًا للأصل وهو أن تكون الشعوب ودينها الإسلام ميزانًا للأجهزة ومقومة لها.
تتراكم في بلادنا اليوم تحولات كبرى: تقنينات مطاطة وتطبيقات لها أبشع وأشنع؛ لأنهم انطلقوا من نقطة أن الأمن أصل لا فرع، وأن العدل فرع لا أصل! وقدموا الأول على الأخير. ممارسات تجرم الرأي وتعادله بالإرهاب! ومحاكمات صورية شكلية مسبقة القرار، وبالرغم من ذلك فهي تغلق أبوابها في وجوه الجميع لتمارس خلف الأبواب كل أحكام عبادة السلطان والتماس رضاه وتقنين بطشه لحمايته من الرأي العالمي الحقوقي!
محاكمات تتوسع في تكييف الأفعال والممارسات وإنزالها على القوانين غير العادلة ولا المعتبرة، توسعوا كثيرًا في تجريم الكل وتجريم النوايا والمقاصد الحسنة فكل سجين ،، كاتب أو ناقد هادف ومذيع حر وإعلامي شريف يجري وصفهم بتأليب الرأي أو التعاطف أو قصد تشويه سمعة الدولة! ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، حتى صار المواطن يوسوس ويتحسس كلمته قبل أن يكتبها، وأصبح الناس في مجالسهم ومجموعاتهم في وسائل الاتصال متوجسين وبعضهم متجسسين. وفي الوقت ذاته يُطلب من الناس اعتقاد وردية الحياة وعدالة المؤسسات ونزاهة الأمن والقضاة الأمنيين ومن خالطه الشك فهو خائن عميل خلية نائمة!
إن الأمن فرع عن العدل وإن العدل أصل للأمن، و إذا تقدم الفرع على الأصل اختلت التوازنات واضطربت الأصول والمرجعية للحق، وصارت الأجهزة الرسمية ميزان الضمير للشعوب ومقياس الصواب والخطأ ، خلافًا للأصل وهو أن تكون الشعوب ودينها الإسلام ميزانًا للأجهزة ومقومة لها.
إن المفارقة بين الواقع السلطوي الباطش والتزيين الوردي عبر تسويق الترفيه وشعارات التمكين للمرأة واستجلاب المؤثرين بملايين الدولارات هذه المفارقة لا يمكن حلها بالرسم والتلوين والتلفيق بل بمعالجة الأصول:
أولًا: أصل البراءة وليس التجريم، فيقينية البراءة لا ينقضها عذابات محقق ولا استدراج نيابة ولا تبعية قاضي، وأي شك – في شريعة وقوانين الأرض- فإنما هو لصالح المتهم.
ثانيًا: أصل علنية القضاء وكل مجرياته وليس سريته وتبعيته العمياء والواضحة للأمن؛ فالقاضي في بعض المحاكم لا يملك إدارة الجلسة وإحضار الأطراف وإطلاق سراحهم! بل هو إكمال عدد ومن دواعي الإخراج والتصميم، وأي سرية للمحاكمات فلابد أن تكون مسببة بما يتوافق مع القانون المعتبر غير المزاجي، لأن التسبيب ركن لا فضل.
ثالثًا: أصل عدم اعتبار كل اعترافات الإكراه التي صدرت تحت الخوف والانفرادي الطويل أو الحرمان الطويل من حق التوكيل والاتصال، وكل ما صدر وفقًا لذلك فغير مقبول ولا معترف به لا في شريعة ولا في عقل ولا قانون.
وليس في النظام الأساسي للحكم ما ينازع هذه الأصول، بل فيه ما يقررها ويعتبرها أصلًا وكل ما خالفها فغير معتبر، حيث جاء في المادة 26 حماية حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية، وجاء في المادة 47 كفالة حق التقاضي للجميع، بينما يشهد الواقع القضائي حاليًّا أسوأ مراحله الانتقائية والتمييز بين طبقات المواطنين؛ فديوان المظالم مثلًا المعني بالقضاء الإداري وأخذ حق المواطن من الدولة تم حصره في قضايا باهتة ومنع المواطن من شكاية ما يسمى بالوزارات السيادية وتم تحصين قراراتها في سابقة لم تعهد مذ تأسيس الديوان!
لذلك نؤكد أن النصوص التشريعية القانونية المنظمة للعدالة ليست لوحات زينة تعلق على جدران المكاتب ليقرأها المراجع ويكفر بها المسؤول، إنما هي عهود وتنظيم تضمن صيانة حياة الناس وتذكر الحاكم والمسؤول أنه مؤتمن لا إله، وأنه منفِّذ وليس القانون، وأن القاضي حارس العدالة وليس موظف أختام أو تيسًا مستعارًا ليحلل الحرام أو VPN تتجاوز به السلطة رقابة العالم!
أؤمن أن في النفوس قلقًا طبيعيًّا في السنيات الأخيرة: أصبحت السجون تشرب الأعمار كشرب الهيم، وقوائم الاتهام تتوسع ودائرة العمل المجرّم شملت كل شيء بلا مبالغة وبأثر رجعي!!
ومع كل ما مضى فهل ننتظر أن تجرّم أركان الإسلام حتى تتحرك الضمائر؟ إن كل ذلك لا يسقط واجب البيان بقدر الوسع؛ فلا يطلب من أحد أن يحمل ما لا يطيق، ولكن المطلوب تحمل ما يطيق. ووسائل التأثير وتحقيق العدالة اليوم أيسر من أي وقت مضى: فمقال يجلّي الحقيقة ويكشف التبديل، ومذكرة قانونية تكشف العيب الإجرائي والعدلي لنقض حكم جائر وفضح قاضٍ متواطئ، مناقشة شرعية تصحّح المفاهيم التي تطبعها المجتمع نسيانًا وهوًى، خطاب هادئ إلى قاضٍ لتعزيز شجاعته ضد المداهنة. إن سكوتَ الناس بحجة عدم تأليب الرأي العام أو التسبب بفتنة يجعل الخلل أصلًا والعدالة مشوهة والحقَّ البين فتنة واضطرابًا!
أؤمن أن في النفوس قلقًا طبيعيًّا في السنيات الأخيرة: أصبحت السجون تشرب الأعمار كشرب الهيم، وقوائم الاتهام تتوسع ودائرة العمل المجرّم شملت كل شيء بلا مبالغة وبأثر رجعي!!
ونشاهد من أسباب الخلل: تزييف المفاهيم؛ وذلك بجعل الشريعة حارسًا للسلطة لا حارسًا لحرمة الإنسان، وأن يُستدعى الدين والأعرابي لتسويغ المظالم والفقر لا لتقويم الأحوال! فهل أعظم من هذا التبديل وقلب المقاصد؛ إن الشريعة جاءت عاصمة وحافظة للدين والنفس والعقل والمال والعرض، لا لتمكين قوانين الظن ولجان البهتان الإلكترونية التي تفري في أعراض الناس بلا حسيب ولا رقيب. ومتى صارت الفتوى ومجالس العلماء خادمة وخاتمة للسياسي وتوجهاته فهنا تشويه الدين وفساد الدنيا واضطراب الناس لأنهم يجدون النص في جهة، والتطبيق الرسمي في جهة!
ولأننا نخاطب عقلاء الوظائف العامة وأصحاب الضمير كما نخاطب عقلاء المجتمع، فأوجه رسالتي إلى هؤلاء:
أولًا: القضاة:
إنكم لستم موظفين ومأمورين؛ إنكم رمانة الاتزان! أنتم من يرسم لكل أحد حدوده فلا حاكم يطغى ولا مواطن يمارس الإجرام، إنكم لستم مكملات حكومية يتزين بكم الحاكم ولستم مضادات وواقي رصاص يصد بكم مساءلات العالم وجمعيات حقوق الإنسان، أنتم صمام أمان!
أحكامكم ليست للترقية أو خوف عدمها، أحكامكم لإرضاء الله ثم الضميرَ والتاريخ، أحكامًا مسببة بأجمل وأبدع أسلوب يعيد للنفوس ثقتها ودخولها مجالسكم القضائية بكل اطمئنان دون يقين مسبق أنكم لإكمال المسرحية، أحكامًا تبطل الإكراه وتشمخ بأصل البراءة وتنزه الشريعة أن تجرّم أركان الإسلام والدين ونصوص الوحيين. إن استقلال القضاء والأحكام أعظم عملية إصلاح ووطنية كما يقال.
ثانيًا: أعضاء النيابة:
وظيفتكم المساءلة وتوجيه الاتهام لا المقاتلة من أجل التجريم، كم مرت عليكم من قرارات اتهام تعلمون يقينًا أنها متغولة وخاطئة وأن المتهم بريء وتستحق حفظ الدعوى! ولكنكم تصرون على إقامة الدعوى مجاراة لبيئتهم وإرضاء لرؤسائكم!
تذكروا أن العدالة حين تبنى على خصومة متأصلة تهدم ثقة الناس في كل الدولة وتنشئ نقمة متجددة وأزمات متوارثة، وكم في سراديب السجون وخلف أسوار البيوت من ثارات لا تنتهي!
ثالثًا: الأجهزة الأمنية:
إن الأمن نعمة وهدف أصيل، تستقيم دنيا الناس بوجوده، ولكنه يزول عند أول مظلمة ورعب وإرهاب بالسلطة موثق، يزول معنويًّا ثم يزول حسيًّا.
إن تقنين التجريم بحدود واضحة وضيقة جدًّا وإتاحة الحريات سبب بسط الأمن لا إلغائه، وإن معاملة الناس بالشبهة والشك والريبة تجعل المجتمع وسواسيًّا، لا يعمل بثقة ولا ينتمي بإخلاص ووطنية، بل مشاعر عبودية وحنق مخنوق، وإذا أمن الناس على كلماتهم وأفكارهم وأطروحاتهم تحقق الأمن الحقيقي وليس الرعب البوليسي وتكامل البناء للدولة.
ختامًا:
وقبل كل ما سبق لا يُغفل دور أهل العلم والرأي وعموم الناس من ذوي الهمم الطموحة، عودوا إلى مرابعكم وسطوركم، صححوا المفاهيم، قاوموا التلبيس واستخدام المصطلحات بطريقة خاطئة، قرروا للناس أن الدين يحرس العدل لا يحرس الأمن، وأن العدل أصل ينتج عنه الأمن، وأن الدين بريء من استخدامه في سفك دماء الناس والتغول في أموالهم باستدعاء نصوص في غير مقصودها، أو قواعد فقهية في غير محلها، وحجج السذاجة والتفاهة التي دائمًا تستعمل في حق الحاكم!
إنكم أمناء الكلمة وسياج الأخلاق والفطرة، كلمة نور وهدى ترفع ظلمًا وتردع ظالمًا وتكشف زورًا وتجلي مغالطات تطفئ نارًا تحت الرماد قبل أن تحرق كل المكتسبات التي تغازلون من أجل المحافظة عليها!
ومن آثر الغوص في الفروع وأغفل الكليات فليتذكر أن العلم في خدمة المقاصد، ومتى خولف ذلك وغابت مقاصد حفظ الدين والعدل، وتشاغلنا بخلافات الهوامش وشهوات المطالعة والتحقيق والتحرير خسرنا العلم والواقع معًا! وفرض علينا السوء ومقامة السوء.