الشيوخ أبخص! (3)

من الظواهر الغريبة؛ ظاهرة (البهلوانيين)، هؤلاء الذين يبدلون مواقفهم كما يبدلون ملابسهم، ينتقلون من الموقف إلى نقيضه، ومن اليمين إلى أقصى اليسار، كلُُ ذلك اتباعًا للحاكم الذي يسبحون بحمده.

معيار الحق لديهم هو الحاكم، والحكمة هي مايراه الحاكم!

هذه قضية لا علاقة لها أبدًا بمسألة (طاعة ولي اﻷمر)؛ ﻷن إجماع أهل السنة انعقد على أن الطاعة لا تكون إلا بالمعروف، والطاعة مرتبطة بالحق. وإنما القضية في كون هؤلاء يرون أن مخالفة الحاكم (فتنة) وشقاق.

والحقيقة أن مَدّ هذا القول – وإن كان غير مقصود لهؤلاء – طعنٌ في الشريعة وأحكامها؛ كيف ذلك؟

الشريعة جعلت الطاعة للحاكم الشرعي، وليس كل حاكم.

ثم إن طاعة الحاكم يجب أن تكون موافقة للحق، قال الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وقد جعل الله الطاعة لولي اﻷمر مرتبطة بموافقتها للكتاب والسنة؛ (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي اﻷمر منكم).

وفي الحديث الذي أخرجه مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فاستعمل رجلًا من اﻷنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟! قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، قال: أوقدوا نارًا. فأوقدوها، فقال: ادخلوها. فهمُّوا وجعل بعضهم يمسك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة؛ الطاعة في المعروف).

ثم إن طاعة الحاكم يجب أن تكون موافقة للحق، قال الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وقد جعل الله الطاعة لولي اﻷمر مرتبطة بموافقتها للكتاب والسنة؛ (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي اﻷمر منكم).

فهؤلاء أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لو أطاعوا أميرهم وأخذوا برأيه، وأنهم لو دخلوا النار التي أوقدوها طاعة ﻷميرهم؛ ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، ﻷنهم ارتكبوا مانُهوا عنه من قتل أنفسهم ظانين أن طاعة اﻷمراء تبيح فعل المعصية!

فالفتنة إذًا: هي مخالفة الحق؛ (لو أطاعوه ما خرجوا منها).

الشريعة التي أمرت بطاعة الحاكم الشرعي، هي التي أمرت بألا يخرج هذا الحاكم عن الاجتهاد الشرعي، وأن يعرض الرأي على المجتهدين، وأن يتأكد من موافقة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وإلا فثمّ الفتنة.

قال الله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من اﻷمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي اﻷمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، يرى العلماء في هذه اﻵية، ومنهم ابن تيمية وابن القيم: أن الردّ يكون إلى أهل العلم والدين، الذين يعلمون اﻷحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة، سواء من العلماء الراسخين أو اﻷمراء إن كانوا من أهل العلم والاجتهاد.