هل تزود السعودية «إسرائيل» بالسلاح؟!

من دواخلنا لا نريد أن نصدق أو أن يمر بخواطرنا مجرد وساوس عن تزويد السعودية للكيان بأسلحة الإبادة، ونتمنى لو أن نفي شركة البحري مالكة سفينة «بحري ينبع» لنقل السفينة حمولة عبارة عن دبابات ومدرعات كان صحيحًا، غير أن ثِقلة ما سنورده من مصادر عالمية ذات موثوقية في الغرب، وما أوردته وسائل إعلام عالمية، في غياب ردود حقيقية تأتي من الرياض تنتصب مفندة تلك المعلومات، يجعل تكذيب هذه الرواية التالية محل شك كبير.

صحيفة ذا كريديل الأمريكية في عددها الصادر في ١٠ أغسطس الحالي، وموقع شركة مارين إنسايت الرائدة في تزويد الأخبار البحرية لوسائل الإعلام، وتُعتبر مرجعًا مهمًّا لقطاع النقل البحري والشحن في يوم ١١ أغسطس الحالي، هما أبرز من نشر الخبر نقلًا عن مصادرها في ميناء جنوة الإيطالي، الذي انكشفت فيه قصة التوريد هذه.

تبدأ القصة عندما صعد نحو ٤٠ عاملًا إيطاليًّا إلى متن السفينة السعودية للميناء لتفقدها بعدما أُمروا بتحميل مدفع أوتو ميلارا البحري وبعض المعدات العسكرية، لتنضم البضاعة إلى الحمولة القادمة من ميناء بالتيمور بولاية ماري لاند الأمريكية، والمتجهة إلى الاسكندرية بمصر، ثم إلى جدة، ثم أبوظبي، وفقًا للمعلن من خط سير السفينة، إلا أن زعماء نقابات العمال الإيطالية يقولون: إن وجهة تلك الأسلحة (أو معظمها) سيكون ميناء أشدود «الإسرائيلي»، محذرين من أن التعامل مع مثل هذه الشحنات يُعد توتطؤًا في جرائم الحرب التي ترتكبها «إسرائيل» في قطاع غزة، وتعهدوا بحظر تفريغ الأسلحة أو إيصالها لمناطق الحرب بأي وسيلة.

وعلى إثر رفض العمال تحميل الأسلحة على السفينة، اكتفت السفينة بما تحمله من أسلحة إبادة، ومضت في طريقها، بينما قررت نقابات العمال إنشاء مرصد لمكافحة تهريب الأسلحة عبر الموانئ الإيطالية لمناطق الحرب، خصوصًا «إسرائيل».

«فلك الدمام» كانت إحدى السفن التي ترفع علم السعودية (BDS) التي تعرضت لاعتراض النشطاء الرافضين للمجازر «الإسرائيلية»، في ميناء يوناني في شهر يوليو الماضي، بسبب حملها لأطنان من العتاد العسكري، قالوا وقتها إنها متجهة به نحو ميناء حيفا في «إسرائيل»، قادمة من الهند، بحسب ما أفادت به حركة المقاطعة العالمية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على «إسرائيل».

ويستجيب هؤلاء العمال، وفقًا لموقع مارين إنسايت، لدعوة كان وجهها الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في منتصف أكتوبر ٢٠٢٣، لكل عمال العالم، حثتهم فيها على رفض أن يكونوا جزءًا من سلسلة توريد الأسلحة لـ«إسرائيل».

ومن قبلها، اعترض محتجون في عدد من دول أوروبا، على تحميل وتوريد أسلحة لـ«إسرائيل»، في الموانئ، والمصانع، والمطارات أيضًا. وقد ازدادت حالات الرفض هذه في الشهور الأخيرة، ففي ٤ يونيو الماضي – وفقًا لمارين انسايت – رفض عمال ميناء فوس – مارسيليا الفرنسي تحميل مكونات أسلحة إلى «إسرائيل»، واضطرت السفينة إلى المغادرة فارغة.

وفي أكتوبر الماضي أوقف عمال ميناء بيرايوس اليوناني تحميل ٢١ طنًّا من الذخيرة على متن سفينة مستأجرة لحساب شركة زيم «الإسرائيلية»، كانت متجهة إلى ميناء أشدود «الإسرائيلي».

«فلك الدمام» كانت إحدى السفن التي ترفع علم السعودية (BDS) التي تعرضت لاعتراض النشطاء الرافضين للمجازر «الإسرائيلية»، في ميناء يوناني في شهر يوليو الماضي، بسبب حملها لأطنان من العتاد العسكري، قالوا وقتها إنها متجهة به نحو ميناء حيفا في «إسرائيل»، قادمة من الهند، بحسب ما أفادت به حركة المقاطعة العالمية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على «إسرائيل».

ذا كريديل الأمريكية، التي نبَّهت إلى أن السفينة بحري ينبع السعودية، سبق وأن اعترض عمال جنوة على تحميلها أسلحة عام ٢٠١٩ (بسبب حرب اليمن بحسب مصادر سعودية شبه رسمية)، عادت وعلَّقت على تلك الأنباء بقولها: “تطالب السعودية علنًا بإقامة دولة فلسطينية مقابل تطبيعها مع إسرائيل، رغم وجود صفقات سرية بين الرياض وتل أبيب.

في عام ٢٠٢٣ اعترف العقيد السابق في المخابرات السعودية، رابح العنزي، بأن السعودية تساعد إسرائيل في تسليحها في حربها ضد حماس بسبب نقص الذخيرة الغربية الناجم عن حرب أوكرانيا. وفي يونيو من هذا العام، قال العنزي إن الرياض فتحت مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية أثناء الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران، كما ساعدت في اعتراض الطائرات المسيرة الإيرانية.

ومنذ الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، سهلت الإمارات طريقًا بريًّا عبر الدول العربية (السعودية والأردن) لمساعدة إسرائيل على تجاوز الحصار اليمني”.

في عام ٢٠٢٣ اعترف العقيد السابق في المخابرات السعودية، رابح العنزي، بأن السعودية تساعد إسرائيل في تسليحها في حربها ضد حماس بسبب نقص الذخيرة الغربية الناجم عن حرب أوكرانيا. وفي يونيو من هذا العام، قال العنزي إن الرياض فتحت مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية أثناء الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران، كما ساعدت في اعتراض الطائرات المسيرة الإيرانية.

الكاتب والباحث الباكستاني قمر بشير، الملحق الإعلامي السابق لسفارة باكستان في فرنسا، السكرتير الصحفي للرئيس سابقًا، كتب في مقال له بصحيفة ذا ديلي اندبندنت الباكستانية ١١ أغسطس: “ظننتها أخبارًا مولدة بالذكاء الاصطناعي، لكن التحقيق المعمق لم يترك مجالًا للشك لحادثة ٧ أغسطس. لقد استند عمال نقابة العمال المستقلة (USB) في إيطاليا في تصرفهم إلى القانون الإيطالي (٩٠/ ١٨٥) الذي يحظر تصدير الأسلحة إلى مناطق النزاع. وإلى قناعة أخلاقية. ردًّا على ذلك تعهدت هيئة ميناء جنوة بإنشاء «مرصد دائم لمنع تهريب الأسلحة»، ومن المقرر عقد مناقشات رسمية بهذا الشأن في سبتمبر القادم”.

أحد ذكور الذباب الإلكتروني السعودي البارزين، وهو حسين الغاوي، ظهر على الفور في مقطع على موقع يوتيوب، للملمة آثار القصة المتداولة على نطاق واسع، والتي أثارت غضبًا شديدًا لدى السعوديين الذين صدمهم الخبر، وقد سخر بقوة من هذا القصة، زاعمًا أن العمال إنما فعلوا ذلك طمعًا بالمال الذي قُدِّم إليهم من جهة ما بغرض تشويه صورة المملكة! لكنه عجز عن تقديم دلائل على مزاعمه، التي ادعى فيها أن هذه السفينة إنما كانت تحمل مدفعًا لتركيبه في سفينة إماراتية!

المستشار الإعلامي الباكستاني قمر بشير، فنَّد في مقاله هذا مثل هذه الادعاءات بنقيضها: “إن كون العمال الذين اتخذوا هذا الموقف ليسوا مسلمين، بل أغلبيتهم الساحقة من المسيحيين، يزيد من وطأة الألم. حبًّا بالإنسانية، خاطروا بسبل عيشهم، وتحدوا دولة أجنبية قوية، وتمسكوا بمبدأ أن التواطؤ في جرائم الحرب جريمة بحد ذاتها. لقد فعلوا ذلك بينما كانت حكومات إسلامية كثيرة عاجزة، تُصدر تصريحات جوفاء تتردد أصداؤها كوعود فارغة في أنحاء غزة المنكوبة!”.

يضيف بشير: “الإهانة مريرة. هذه المملكة العربية السعودية نفسها التي زارها ترامب مرتين. الأولى في ولايته الأولى عام ٢٠١٧ ومرة أخرى في ولايته الثانية محققة تريليونات الدولارات من الاستثمارات وشراء الأسلحة والصفقات التجارية للولايات المتحدة. إنها المملكة نفسها التي لا تدخر جهدًا في إبراز صورة القوة والازدهار والقيادة الدينية للعالم الإسلامي. لكن عندما حانت لحظة الوقوف إلى جانب الفلسطينيين بشكل قاطع، وليس بالكلام، بل بالعمل الحاسم، كان عمال الموانئ في إيطاليا هم من تحملوا العبء الأخلاقي!”.

ووضع المسؤول الباكستاني السابق السعودية أمام احتمالين، دعاهما بـ”الخيار الصعب الذي سيحدد سمعتها ومكانتها القيادية في العالم الإسلامي”، إما أنها تعلم بالشحنة فعليها الوقوف في قفص الاتهام أمام العالم الإسلامي، أو لا تعلم، باعتبارها تمت عن طريق مقاول خاص” فعليها معاقبته بشدة، لأن المسألة في نظره ليست مجرد “علاقات عامة؛ إنها مسألة بقاء أخلاقي.. تُسقط أحداث جنوة كل الأعذار”.

وختم بشير مقاله اللاذع بقوله: “على القادة المسلمين أن يسألوا أنفسهم سؤالًا مؤلمًا: هل سيذكرهم التاريخ كأوصياء على المقدسات، مكتوفي الأيدي بينما كان أهل غزة يتضورون جوعًا؟!… إذا تحركوا؛ فقد يستعيدون الكرامة والوحدة والهدف الذي جسدته الأمة يومًا ما. وإن فشلوا فسيكون حكم التاريخ قاسيًّا. ولن يكتبه الحلفاء في واشنطن ولندن وتل أبيب، بل من تجاهلوا صرخاتهم. في هذا السجل، ستُخلَّد أسماء عمال موانئ جنوة كرجال ونساء ذوي ضمير حي، بينما لن يجد من تخلى عنهم ألقابهم وثرواتهم درعًا يحميهم من العار.

العبرة من هذه اللحظة لا مفر منها: إذا كان بإمكان عمال الموانئ المسيحيين في إيطاليا المخاطرة بكل شيء لوقف تواطؤ أمة مسلمة في الإبادة الجماعية، فلن يبقى للقادة المسلمين أي عذر. إما أن يتحركوا الآن من أجل فلسطين، أو أن يفقدوا للأبد السلطة الأخلاقية التي يتحدثون باسمها!”.