توظيف «الإسلاميين» من حيث المبدأ!

دعونا نناقش التوظيف من حيث المبدأ، أي من حيث يجيب عن سؤال بدهي، وهو أنه: لماذا تلجأ بعض النظم إلى توظيف المتدين الحركي، أو الداعية المرموق، أو الجماعة العاملة، بدلًا من محاربتهم بشكل مباشر؟!

بإيجاز في كلمتين، لأنها تريد أن تهدم لا أن تبني! فالنظم المحاربة للإسلام سواء أكانت أجنبية أم محلية يستقر في عقلها الجاحد أمران:

الأول: أن التاريخ زاخرٌ بكثير من النماذج الإسلامية التي زادها البطش بها بهاءً وتألقًا، ولمعت نجومًا في سماء الدعوة والحركة والحضارة الإسلامية؛ وانبهرت بها جموع الشباب المسلم، متخذين إياها أسوة حسنة، فانعاد البناء واشمخر.

وبكل صراط وُجد من أمثال هؤلاء من لا ينمحي ذكرهم بقتلهم اغتيالًا أو إعدامًا، في صراط العلم الشرعي، أو الوعظ والدعوة، أو الحركة والمقاومة، أو الفكر والتنظير، أو الإعلام ووسائل البلاغ، مثّل رجال من هؤلاء قدوات ونماذج يقتفى أثرها ومنائر تضيء في دلجة السالكين.

وكثير من هؤلاء، برهن قتلهم على عجز قاتليهم على استقطابهم وإغرائهم بلعاعات من الدنيا، خال الطغاة أنها مثلما أسرتهم هم وركّعتهم هم، قادرة على أن تُلين قناة هؤلاء الشُمَّخ الأماجد.

أقرب مثال منذ أيام، كان الإعلامي «الشهيد» أنس الشريف الذي اغتالته يد الغدر «الإسرائيلية»، وهو ينقل أهوال جرائم الكيان الغاصب بحق أبناء غزة الصامدين، والذي لم يحدث إلا عندما وصلت رسالة الشاب البطل للكيان بأنه لن يغادر غزة، رغم قبول «إسرائيل» بمغادرته، بحسب ما تكشف فيما بعد عن قدرة الدوحة على تأمين خروج آمن له ولأسرته. فحينئذ نفذ المجرمون تهديدهم بقتله على لسان أفيخاى أدرعي الناطق باسم جيش الإبادة.

التاريخ زاخرٌ بكثير من النماذج الإسلامية التي زادها البطش بها بهاءً وتألقًا، ولمعت نجومًا في سماء الدعوة والحركة والحضارة الإسلامية؛ وانبهرت بها جموع الشباب المسلم، متخذين إياها أسوة حسنة، فانعاد البناء واشمخر.

عضت «إسرائيل» على جرحها الذي سينكؤه تحويل أنس إلى أيقونة نضالية بـ«استشهاده»، لاجئة إلى حلها الأخير، بقتله غدرًا بعدما أيقنت أنه ماضٍ في طريقه لا توقفه التهديدات.

من قبل عرض الروس على الإمام شامل قائد الشيشان المال؛ فأبى، وعرض الطليان على عمر المختار العفو والمال؛ فرفض، وعرض ناصر على قطب العفو؛ فامتنع عن بيع فكره، واقتيدت كوكبة من العلماء في السعودية إلى السجون بعد فشل تطويعهم، فخلدت هذه الأسماء وغيرها مما لا يُحصى عددًا من رجالات الإسلام، وكان بلاؤهم دليل تمسكهم بما يعتنقونه، وطفق الآثمون يقعدون بكل صراط لمحو آثارهم فأخفقوا، وجعلوا يلصقون بهم كل نقيصة واتهام فعجزوا عن تشويه صورهم؛ فكانت أعمارهم أطول بكثير من أعمار قاتليهم وسجانيهم وشانئيهم.

ومن هنا، وعى الطغاة الدرس؛ مفضلين القتل المعنوي على القتل الحسي، وسفح السمعة على سفك الدماء. وصرنا نرى شيخًا يصير قرة جوزًا، وداعية يرقص في الحفلات، وأصبح الناس بأهل العلم هازئين لما يرون من نماذج صنعها الطغاة لتمثل الوجه الدميم للشيوخ والدعاة، رغبة في تهوين ما يمثلونه، لا، بل ما كانوا يمثلونه بالأمس قبل أن يكتشف الناس حقارتهم وانتهازيتهم وارتزاقهم بدين الله.

وعلى شاكلة الدعاة والمفكرين والمثقفين من أهل النفاق والارتزاق، تلاعبت النظم المجرمة بقيادات جماعات، ووظفتهم، لتقديم صورة شائهة ساذجة عن الإصلاح والمصلحين «الإسلاميين». لم تقتلهم لكنها أفشلتهم أو ساقتهم إلى تشويه تجاربهم بأنفسهم ولو كانوا من أصحاب النوايا الطيبة!

من قبل عرض الروس على الإمام شامل قائد الشيشان المال؛ فأبى، وعرض الطليان على عمر المختار العفو والمال؛ فرفض، وعرض ناصر على قطب العفو؛ فامتنع عن بيع فكره، واقتيدت كوكبة من العلماء في السعودية إلى السجون بعد فشل تطويعهم، فخلدت هذه الأسماء وغيرها مما لا يُحصى عددًا من رجالات الإسلام

الثاني: أن النظم المستبدة، ومن خلفها أجهزة المخابرات الغربية التي توجهها في كل صغيرة وكبيرة، تُفضل أن يعمل «الإسلامي» ضمن سياق تحدده هي، استيقانًا منها بأن أنواع التغيير التي يتطلع إليها المصلحون لا تعدو أن تكون واحدة من:

  • تغيير وعظي وعلمي هادئ، كما يمثله التيار السلفي.
  • تغيير دعوي اجتماعي سياسي مسالم، مثلما تمثله جماعات التغيير السلمي السياسي.
  • تغيير عسكري، مثلما تمثله الحركات «الجهادية».

فجاءت إلى كل طريقة من هذه الطرق، فصنعت لها نموذجها «المنضبط» أو «المخترق» كي ينجذب إليه كل مريد من الشباب؛ فهي لا تقبل أن ينخرط هؤلاء في تنظيمات لا تراها ولا تضبط حركتها، فصنعت للأولى شبكة المدخلية في العالم انطلاقًا من الخليج العربي، وتدخلت في الثاني لتقدم البسطاء وتنحي الحكماء، وصنعت في الثالثة داعش ونظائرها مما تنفر في «الجهاد» بأكثر بكثير مما تحبب الناس – بمسلميهم وغيرهم – فيه!

قدوتهم في ذلك الكيان الدنيء نفسه، فقد جرب مع المقاومة الاختراق فلم يفلح، وحاول وسطاؤه استقطاب وإغراق القادة بالمال والرفاهية، ففشل، وسعى لإيجاد البديل الغزاوي فوجد الباب موصدًا، فعاد هو وجميع أذياله العربية للحل الأخير، آخر الحلول: الكي.

يقاتل العدو لتجريد المقاومة من إرادتها وسلاحها، وتعاونه صنائعه بمؤتمرات الخزي الاستسلامية ومناشدات إلقاء سلاح المقاومة. من الرياض والقاهرة وتل أبيب!