في المقالة السابقة، كان الحديث عن قبيح ما يفعله بعض المنتسبين إلى العلم في الأحداث والنوازل؛ بأن يوصوا الناس بأن لا يروا إلا رأي الحاكم، وألا يعتقدوا إلا ما يرغبه الحاكم؛ فيجعلون مدار الحق هو (اختيار الحاكم)؛ على طريقة المثل العامي المشهور (الشيوخ أبخص!!).
وكلامهم يحتمل أمرين:
اﻷول: أن رأيهم نابعٌ من التجربة والرأي ومارأوه اﻷصلح في الإدارة والحكم.
الثاني: أن رأيهم شرعي، مبنيٌّ على النظر في النصوص والاجتهاد الفقهي.
أما إن كان مقصودُهم ناتجًا عن الاحتمال اﻷول فاﻷمر حينئذ يسير، ويمكن النقاش فيه واﻷخذُ والرد؛ فبعض الناس يميل إلى جانب الاستبداد ويركن إليه ويراه اﻷصلح لدنيا الناس.
ولكن؛ لا بدَّ أن يُقيد هذا الرأي بألا يكون ثمة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة والاجتهاد الشرعي؛ وإلا وجب حينها نُصح الحكام والإنكار عليهم؛ لحديث تميم الداري الذي أخرجه مسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). ولعموم حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه مسلم أيضًا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره).
وأما إن كان مقصودُهم ناتجًا عن الاحتمال الثاني؛ فلا تسعفهم فيه نصوص الكتاب والسنة ولا هدي السلف ولا أقوال العلماء المعتبرين، بل هو قول في غاية الشذوذ.
فقد امتدح الله المؤمنين بأنهم: (أمرهم شورى بينهم).
وهكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ ألم يخاطب الربُّ جلّ وعلا خيرَ الخلق صلى الله عليه وسلم بأن يستشير أصحابه: (وشاورهم في اﻷمر)؟! وكان ذلك بعد أن نزل عن رأيه في غزوة أحد إلى رأي شباب الصحابة، وظهر بعد ذلك أن رأيَه عليه الصلاة والسلام كان هو اﻷصوب!
يقول أبو هريرة رضي الله عنه -كما في صحيح ابن حبان-: (ما رأيتُ أحدًا أكثر مشاورة ﻷصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم).
هكذا فهم الصحابة، وهكذا كانوا؛ يشيرون ويبادرون.
في غزوة بدر، قبل نشوب القتال؛ بادر سعد بن معاذ واقترح على النبي صلى الله عليه وسلم بناء العريش ليكون مقرًّا لقيادة المعركة، فعمل النبي صلى الله عليه وسلم بمشورة سعد، وبُني العريش.
وفي غزوة خيبر، حاصر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، فأشار الحباب بن المنذر -رضي الله عنه – بقطع النخيل؛ ليؤثر ذلك في معنوياتهم، ﻷن اليهود تحب النخل، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام بهذه المشورة وأمر بقطع النخل.
والحباب هذا، هو الذي سأل رسول الله في بدر: أهذا المنزل بوحي أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام: (إنما هو الرأي والحرب والمكيدة)، فقال: يارسول الله إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم – أي: قريش- فننزله، ونغوّر ما وراءه من القُلب.
وإذا عزم الحاكمُ واتحذ قرارَه بمشورة أو من غير مشورة؛ فلم يقل أحد من المعتبرين أن الحق هو ما يراه الحاكم؛ بل الذي أجمع عليه علماء المسلمين: “أن الطاعة لا تكون إلا في المعروف”، ففي صحيح البخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف).
وأقوال أهل العلم وأفعالهم – في وقتٍ تُحكم فيه الشريعة في العموم الأغلب وتُرفع فيه راية الجهاد – تؤكد هذا اﻷمر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (“وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك” ويندرج في ذلك ولاة الأمور، فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم … لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك).
ولا شكّ أن اجتماع الكلمة وتوحيد الرأي هو الخير وهو المصلحة؛ ولكن السؤال: على أيّ رأي نجتمع؟
هل نجتمع على أيّ رأي وإن خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟!
ماذا إذا كان رأيُ الحاكم فيه موالاة لأعداء الله وإهدارٌ لحقوق المسلمين؟!
أو كان الرأي مصادمًا لثوابت الشريعة وما أجمع عليه المسلمون؟!
أو كان مصلحةً شخصية للحاكم أو لِمن حوله؟!
لماذا لا تكون الوصية للحكام أولًا؛ بأن يتقوا الله ويستشيروا أهل الرأي والعلم؟!
روى الإمام مسلم في صحيحه، عن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا). وقد بوب النووي له بقوله: (باب وجوب الإنكار على اﻷمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ماصلُّوا).
وفي رواية ابن عباس -عند أبي شيبة والطبراني-: (سيكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك)؛ جاء في فتاوى اللجنة الدائمة في تفسير الحديث: (المقصود بالمنابذة في الحديث: الإنكار باللسان، كما بينه شراح الحديث، يعني: أنكر بلسانه ما لا يوافق الشرع).
وإني أُذكر نفسي وأذكر هؤلاء أصحاب مقولة: (الشيوخ أبخص) بالحديث الذي سمعه معاوية رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ستكون أئمة من بعدي، يقولون فلا يُردُّ عليهم قولهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القِردة) أخرجه أبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير وصححه اﻷلباني في السلسلة الصحيحة، قال الصنعاني في التنوير شرح الجامع الصغير: ويحتمل أن الضمير في قوله: (يتقاحمون) للأئمة ولمن يُردُّ عليهم مداهنة وتهاونًا في الدِّين.
نعوذ بالله من الخذلان.