دولة وظيفية لا دولة عظمى!

يطرب الحكام العرب عادة بأي إشادة تصدر من واشنطن بهم وبأنظمة حكمهم، خصوصًا إذا صدرت من الرئيس الأمريكي نفسه، وبالخصوص أكثر وأكثر عندما تصدر من رئيس جمهوري، فالجمهوريون أرباب النفط في الولايات المتحدة هم أكثر من يقدرون قيمته!

وعلاقات الرياض وأخواتها في الخليج تتسم بالدفء أكثر مع وجود الجمهوريين في الحكم رغم أنهم الأكثر نهبًا لعوائد النفط الخليجية، والتي يعتبرونها في مقام الملكية الخاصة لكبريات الشركات النفطية الأمريكية، القريبة جدًّا من دائرة الحكم الأمريكية الجمهورية. وما من غرابة في ذلك، فكلما كان الاعتماد أكثر على عوائد النفط الخليجية في توفير فرص عمل للأمريكيين شعرت السلطة في الرياض برسوخ حكمها، فمن واشنطن تستمد النظم العربية «شرعيتها»، غير آبهةٍ بمستويات النقد العالية واللاذعة والنكات والكوميكسات واللعنات الشعبية الداخلية، والعربية والإسلامية الخارجية التي تستهزئ بهذا «الاستحلاب» الأمريكي، أو تتحسر على مال المسلمين السائب «الذي يعلم السرقة» كما يقول المثل العربي الشائع، فلسان حال الباذلين تلك الثروات تحت أقدام «السيد الأمريكي»:

وَلَيْتَ الّذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ وبيني وبينَ العالمينَ خراب!

مثلما قال أبو فراس الحمداني في عتابه لابن عمه سيف الدولة! فليس مهمًّا من يشيد ومن ينقد، من يمدح ومن يسب، ما دام «السيد» راضيًا، فماذا توزن كل سخريات الساخرين بقول ترامب في زيارته الأخيرة للرياض: إن “مستقبل منطقة الشرق الأوسط يبدأ من السعودية”، وماذا يكون استخفاف الهازئين بتلك المذلَّة وتسوُّل الرضا أمام إشادة ترامب بحكام دول الخليج: “أنتم محل إعجاب العالم”؟!

وإذ يُضيع مهد الوحي مكانته الدينية في العالم عن سبق إصرار، ويضع بنفسه الأكاسيد على معدنه الأصيل، ليصدأ، فما الذي سيبقى له من حظ فخر سوى أن ينفجر النفط من أرضه فيبذله لسيده ويستبقي منه ما يسد جزءًا من عجز ميزانيته، وينسى أصله وقوام تماسك دولته، فلا يذكر إلا بقايا من حطام الدنيا لا يقيم دولة أو يحفظ دينًا. بل أي دور سيقوم به سوى تنفيذ رغبات «السيد»، والسير في خطاه؟!

والأتباع لا يحقُّ لهم رسم السياسات، وإنما تنفيذ ما يُملى عليهم منها. وما يُملى لا يصفهم إلى جوار «الدول العظمى»، بل في عداد «الدول الوظيفية»، ولكل سمات..

ولمن يُرد التمييز؛ فلديه بعض النماذج التي يستطيع وضع الدول في هذا الصف أو ذاك؛

فالدولة التي يُسند إليها بسط يدها إلى كل ما تريد واشنطن تمويله، وقبض يدها عما تريد واشنطن أن تحاصره، فهذه دولة وظيفية وليست عظمى.

والدولة التي تمول أعداءها كمثل تمويل الحوثيين ضد عبدالله صالح، وتقبض يديها عن مناوئي الحوثيين، هي دولة تعمل ضد مصالحها الاستراتيجية الكبرى.

والدولة التي تُضعف سنة لبنان، وتضع فوق رأسهم أخيلة مآتة هي دولة تضع البيض في سلة أعدائها، والتي تتحالف مع شيعة العراق ضد سنتها، هي دولة تطوق نفسها بنفسها بحبال إيران.

والدولة التي تتدخل في كل مرة تكاد تُفلس فيها شركة صهيونية، لإنقاذها، وتستثمر عادة في مشاريع صهيونية، أو تشتري حصصًا كبيرة في هذه المشاريع لا يمكن أن تكون غير دولة وظيفية.

والدولة التي تمول كل الإعلام الفاسد والمتصهين في العالم العربي، وتستقطب له كل بوق ماروني أو نصيري أو جعفري أو درزي ليصبغ الإعلام العربي بتلك الصبغات الأقلوية الباطنية لا يمكنه إلا أن يكون أداة بيد الأعداء تبطش بها أينما أرادت، مخلخلة قيم ودين وعادات المجتمعات الحميدة.

والدولة التي تنأى بنفسها عن أي مشروع مفيد لها وللأمة الإسلامية، سواء كان صناعيًا أو زراعيًّا أو تجاريًّا، وترهن نفسها، غذاءً ودواءً وسلاحًا، وهي البازخة الثراء، مستحيل أن تصبح دولة عظمى يومًا ما، بل من المتعذر تمامًا أن تصبح صاحبة قرار ولو في ترتيب بيتها من الداخل!

مهمة الاصطاف في عداد الدول العظمى لم تكن مهمة مستحيلة بالنسبة للسعودية التي هي مهد الرسالة، والبلد الإسلامي العريق الذي انتشر من على أرضه النور للعالم كله.

وكان أجدر من الولايات المتحدة الأمريكية الناشئة منذ قرون فقط، البلد الذي لا جذور له بالمرة، لكن من بيدهم الأمر ارتضوا لأنفسهم الوظيفية عن العظمة، فكان لهم ما أرادوا!