المفتي آل الشيخ ينكر على ولي الأمر علنًا!

“قد تابعنا في الأيام الماضية ما جرى في منتدى جدة الاقتصادي من أمور توجب علينا الإنكار والبيان، وتوجب على الناس السمع والطاعة لشرع الله و الخضوع له”.

“مما تابعناه في هذا المنتدى: اختلاط النساء بالرجال وخروجهن غير ملتزمات بالحجاب مع ما نشرته الصحف من صورهن على هذه الحال السيئة المخالفة للشريعة”!

” فالواجب على الجميع إنكار هذا المنكر كل على قدر استطاعته وسلطته”!

“أوصي القائمين على هذا المنتدى بتقوى الله والخوف من سخطه”!

“وإني إذ أنكر هذا الأمر أشد الإنكار وأبين حرمته وأحذر من عواقبه الوخيمة ليزداد ألمي من صدور هذا التصرف المشين في بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية”!

هذه الاقتباسات ليست في بيان صدر عمن يُسمى في الإعلام الحكومي: متطرف، أو من أهل الغلو وأعداء الوطن، ولا من يصمه المنحرفون من غلاة الطاعة بالتجييش والتحريض، كلا .. وعلى القارئ الكريم أن يتأمل لبرهة -وليس شرطًا أن يفغر فاه- حينما يعلم أنها من بيان صادر عن مفتي عام المملكة الحالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، بصفته الرسمية على إثر منتدى جدة الاقتصادي الشهير الذي أقيم في عهد الملك عبدالله وحصل فيه اختلاط النساء بالرجال!

قد لا يصدق البعض ذلك، وقد يتعجب آخرون ويثور التساؤل: كيف؟ ولماذا؟ وما الذي حصل؟ فالمفتي سابقًا ينكر نشاطات التغريب علانية، وينصح الحاكم والمحكوم بكل لطف وحكمة في العلن، ويحذرهم من منكرات صارت طفيفة قياسًا على ما يحصل الآن، بينما هو الآن يلزم الصمت القاتل، وإذا تكلم في شأن عام تكلم مادحًا ومبجلًا للحكومة ولولي الأمر، مع حصول منكرات أعظم وطوام أشد وأخطر!

إن هذا الأمر يدفعنا لتقديم تعليقات قد تساعد القارئ على فهم ما يحدث:

التعليق الأول: هذا الموقف الشرعي الصريح الذي بينه المفتي لمسألة “الاختلاط” و”السفور” لم يتغير، فيصح القول إن الموقف الشرعي الآن من المنكرات العظيمة التي تجاوزت السفور والاختلاط، أصرح وأشد، وإن المنكرين ومنهم كاتب هذه المقالة وغيره من شيوخه وزملائه: هم من يمثل الموقف الشرعي الذي وقفه مفتي البلاد ذات مرة، وإن كان الآن يتخلف عنه عجزًا، بغض النظر هل هو معذور في تخلفه أم لا؟

التعليق الثاني: لم يقتصر بيان المفتي على توضيح الموقف الشرعي لمنكر الاختلاط والسفور فحسب، بل حمل في طياته توضيح الموقف الشرعي من المنكرات التي ترعاها الحكومة والمسؤولين، فقال: (فالواجب على الجميع إنكار هذا المنكر كل على قدر استطاعته وسلطته)، واستدل بحديث: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده…” الحديث، فإنكار المنكرات من أوجب الواجبات والسكوت عنها من أشد المحرمات وهو الذي يهلك المجتمعات ويدمرها.

التعليق الثالث: انظر كيف استعار المفتي مفردتي “السمع والطاعة” ولكن ليس لولي الأمر، وإنما لشرع الله ووجوب الخضوع له، نعم… فإن كان هناك سمع وطاعة لولي الأمر في المباحات فإن هناك سمعًا وطاعة أعظم منه وأسبق: لله ولرسوله وحدودهما، والأول إنما أخذ منهما، وحق الله ورسوله وحرمتهما أعظم من حق ولي الأمر وحرمته، فإذا وقع ولي الأمر في المنكر فهو المخالف للدين وهو الذي لم يسمع ولم يطع لله ورسوله، وليس المخالف للدين: من ينكر على ولي الأمر ويأمره بالسمع والطاعة لله، ولذا فحينما روى عبادة ابن الصامت حديث السمع والطاعة ذكر معه الإنكار فقال: (أمرنا رسول الله بالسمع والطاعة… وأن نقول الحق لا نخاف لومة لائم) كما في الصحيحين.

التعليق الرابع: في هذا البيان مأزق لغلاة الطاعة وأبواق السلطة ولحاها المستأجرة، الذين يصيبهم السعار إذا سمعوا تلميحًا حول منكر عام أو نصيحة لولي الأمر ولو كانت مطعمة بتبجيله، فيثور غضبهم، ويتهمون الناصح بأنه خارجي أو إخواني أو إرهابي! ويطالبون بلا دين ولا مروءة بسجنه أو قتله، وحالهم كحال أوباش الفساد في كل عصر ومصر الذين يكرهون الناصحين ويحاربونهم، فها هو رمزكم الذي تقدمونه للناس ينكر على الحكام ويناصحهم علانية، في منكرات أقل بكثير مما يحصل في زماننا، وهو وإن لزم الصمت اليوم عجزًا أو خوفًا فلن تنجحوا في تصوير هذا العجز أو الخوف والتقصير بأنه هو الموقف الديني الصحيح، فالدين أكبر من أن تستطيعوا أنتم ومن يستخدمكم تطويعه أو تحجيمه.

التعليق الخامس: في هذا البيان إشارة للتغيرات المنهجية التي يقع فيها كبار الرموز في المؤسسة الرسمية، فالمفتي آل الشيخ مثلًا بدء عهده في منصبه بمنهج أقرب إلى الوفاء بالتزامه الإسلامي، ثم انتهى به الأمر إلى الخروج عن ذلك والوفاء لالتزامه السياسي الحكومي!

فهو في بداية عهده ينكر المنكرات ويناصح علانية، محافظًا على دوره في بيان دين الله، والأمانة التي سيسأله الله عنها، كما كان يواجه السعار المحموم لشيطنة الرموز الإسلامية من قبل غلاة الطاعة، فواجه انشغالهم بسيد قطب مثلًا بالدفاع عنه، وأن أسلوبه أكبر من مستواهم، ثم انتهى به الأمر إلى السكوت المطبق في العهد الجديد أمام سيل المنكرات العارم، وأمام الحرب الضروس على رموز العلم والدعوة، مع الحرص على كلمات يسيرة هنا وهناك يفي بها لولائه السياسي.

وهذا التغير المنهجي ليس خاصًّا بالمفتي فقط، بل يشمل غيره من الرموز، فصالح الفوزان مثلًا كان مشهورًا في أيام الشيخين ابن باز وابن عثيمين بالدفاع عن السنة والإسلام في وجه العلمانيين والملاحدة والصوفية والشيعة ونحوهم، ويرد على المخالفين في الصحف وفي المؤلفات، وبعض من رد عليهم وزراء في الحكومة، وكان في نفس الوقت منعزلًا عن الحكام لا يدخل عليهم ولا يمدحهم زهدًا واشتغالًا بمهمته العلمية.

ثم لما حصلت فتنة الحرب على الإرهاب بعد وفاة الشيخين، وما واكبها من أعمال عنف في الداخل والخارج، انساق مع التيار الجارف وانتقل لمربع آخر، فاشتغل بالتعليقات المتحمسة دفاعا عن الحكام و تجريحا لخصومهم، وزلت منه فتاوى في الشأن العام والسياسي ليست في صالح الدين بل في صالح أهل السياسة، كما أنها تفتقر إلى فقه رصين، وتخالف لتقريراته النظرية أيام الشيخين .

وفي تغير منهجي معاكس: كان صالح اللحيدان وفيًّا لالتزامه السياسي مع الحكومة، حتى إنه يخرج لإنكار تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ويسوغ ذلك بصفته الرسمية التي تقتضي هذا الموقف، ولكنه في آخر عهد الملك عبدالله تغير كثيرًا وصدرت منه تعليقات كثيرة ضد ولي الأمر وصلت إلى تكذيب الملك عبدالله في بيانه أنه استشار العلماء قبل تعيين النساء في مجلس الشورى، فخرج اللحيدان في قناة المجد وقال: لم يستشرنا، وانتهى هذا التغير بإقصائه من منصبه، وكذلك كان له مواقف صريحة في تأييد ثورات ليبيا وسوريا.

وهذه التغيرات المنهجية: إذا تأملها العاقل وتأمل سياقاتها، وكيف أن بعضها يفرض على هؤلاء الرموز بأحداث سياسية فوق طاقتهم يتبدل خطابهم معها، كما أن بعضها الآخر يصاحبه علاقة معينة من الوفاق أو الاختلاف مع الحكام، تبين له أمران:

أحدهما: أن وحدة منهج الرموز كذبة كبيرة، يرددها غلاة الطاعة، وهم يقصدون المنهج السياسي الذي يتبعونه لا منهج هؤلاء الرموز، فالرمز الواحد منهم يختلف منهجه مع الوقت، فضلًا عن أن يكون لهم كلهم منهج واحد.

والثاني: أن هذه المناهج السياسية سواء في نصح الحاكم سرًّا أو علنًا، أو الدفاع عنه أو ترك ذلك، كلها اجتهادات وليست من العقيدة ولا من “المنهج السلفي” كما يتوهمه ضعاف العقول، بل هي اجتهادات تتغير وتتبدل وتتأثر بالعوامل الشخصية للعالم قوة وضعفًا.

والثابت: وجوب إنكار المنكرات، وأن حق الله أعظم من حق الحكام والأمراء، وأن ما يتمترس خلفه بعض الجهال من الصمت وسرية النصح إنما هي سرديات يسوغون بها للأمر الواقع المفروض عليهم، ولا علاقة لها بدين الله.

التعليق السادس: أن من أعظم سمات منهج غلاة الطاعة ومن لف لفهم من الوطنجية وأوباش المترفين، اجتزاء دين الله وتبعيضه، فيعرفون (السمع والطاعة لولي الأمر) ويحرفونها عن إطارها الشرعي الذي جاء بحدود عدم معصية الله، وأنه إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة كما في الحديث، ويتجاهلون وينسون: السمع والطاعة لله ورسوله، كما صرح به المفتي في بيانه السالف!