التطبيع السعودي على أنقاض غزة!

يتصور البعض أن السعودية كانت على وشك التطبيع مع الكيان الغاصب، ففاجأها «طوفان الأقصى» مثلما فاجأ العالم في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، فأربك جميع الحسابات الإقليمية والدولية، ويظنون أن القرار قد تأجل يومها لحين توفر الظروف المناسبة، ويتخيلون أن السعودية ستدخل في اللحظة الأخيرة لتستلم الملف النهائي للتفاوض، ليُنسب لها الفضل الأكبر في إنهاء الحرب التي أنهكت «إسرائيل» وجيشها المتهالك مثلما هي قد أنهكت حماس، ودمرت غزة وأذاقت أهلها الأمرين، وأن السعودية «ستضحي» من أجل أهل غزة، فتطبع مع الكيان المجرم، وتفرض استسلامًا ينزع السلاح من أيدي المقاومين، وتؤسس لدولة فلسطينية منزوعة السلاح على شاكلة ما تريده باريس ولندن هذه الأيام، دولة بلا قوة ولا سلاح كمثل الدولة السورية الآن بل أقل بأسًا منها!

ويعتقدون أن الولايات المتحدة ربما تضحي بنتنياهو وينتهي دوره تمامًا ليحمل أوزار المجازر والتجويع وحده، ويطبع العرب مع «زعيم جديد حسن السمعة والسلوك» يلائم المرحلة السلمية الجديدة!

هل هذه التصورات والظنون والتخيلات والاعتقادات صحيحة؟!

دعونا نقرأ ما يدور في أروقة الأمم المتحدة، وفي تصريحات السياسيين، وفي تحليلات الخبراء والمطلعين.

أول من أظهر اختراقًا مُعتبرًا في مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، هي دولة استعمارية بامتياز، فرنسا، صاحبة الإرث الأسوأ في فترة الاستعمار ثم فترة الاستقلال الشكلي في قارة إفريقيا، وهي صاحبة الخطوة الأولى في برنامج «إسرائيل» النووي.

وأول من تبعها إلى ذلك هي بريطانيا التي يعود إليها الجرم الأكبر في إنشاء الكيان الصهيوني، صاحبة وعد بلفور الشهير، وراعية الهجرة اليهودية، وأكبر دولة سلحت الكيان الصهيوني في بدايته.

فهاتان الدولتان هم آخر من يمكن أن يُظن بهم خيرًا للفلسطينيين، والمثير للحزن أن أول من تبع هاتين الدولتين كانت المملكة العربية السعودية، التي انبرت عربيًّا للترويج لأسوأ عملية استسلام أريدت لغزة، ثم انبرى إعلامها لشيطنة حركات المقاومة الفلسطينية، بالقيام بأكبر حملة تشويه ساقت لها جيشًا من المتحدثين، يبدأ ببعض أطفال فلسطينيين مغرر بهم للقيام بالسخرية من قادة المقاومة وتحميلهم المسؤولية الأكبر – وليس «إسرائيل» عن حصول هذه المجازر وهذا التجويع في غزة الصامدة، وانتهاءً بتركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية السابق الذي ارتدى عباءة الواعظين داعيًا حركة المقاومة الأكبر أن تخاف الله وتسلم رقبتها للعدو!

أول من أظهر اختراقًا مُعتبرًا في مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، هي دولة استعمارية بامتياز، فرنسا، صاحبة الإرث الأسوأ في فترة الاستعمار ثم فترة الاستقلال الشكلي في قارة إفريقيا، وهي صاحبة الخطوة الأولى في برنامج «إسرائيل» النووي.

والسعودية حين تتصدى في الأنفاس الأخيرة من العدوان الصهيوني الإجرامي على غزة من دون أن يكون لها أي إسهامٍ في إنقاذ غزة، لا إغاثة ولا تحريكًا للمجتمع الدولي بنفوذها المالي الكبير للضغط من أجل إغاثة المجوعين، ولا إيقاظًا للعالم الإسلامي وتجييشه بما لها من ثقل معنوي ومادي من أجل وقف نزيف الإجرام الصهيوني، ثم لا يكون لها من نصيب من ذلك كله غير أن تعرض الرشى على المقاومين وقادتهم ليتخلوا عن سلاحهم!

بل وتقود غيرها إلى ذلك، وتشارك دولتي الاستعمار، عكازي «إسرائيل» التي عليهما استندت منذ نشأتها المشؤومة في الدعوة لدولة فلسطينية موهومة منزوعة السلاح، لا يمكنها أن تحول بين «إسرائيل» وتهجير أهل غزة، الذين لا يمنعهم من التهجير القسري – بعد الله عز وجل – سوى صمود المقاومة وجلد الأهالي العظماء.

تحشد السعودية الدول العربية خلفها، وتتواطؤ لتنفيذ مخطط خبيث لاقتلاع أهل غزة من أرضهم أو فرض عليهم الاستسلام المذل، من دون أن يكون لها كلمة واحدة عن السلاح «الإسرائيلي» المنفلت من كل عقال، وحصارها الإجرامي، وعدوانها الوحشي.

بقيادتها هذه الدعوة لا تسدي للغزاويين خدمة، بل تسهم بتدمير ما تبقى منهم، وتعين عدوهم عليهم، باسم وهم زائف يدرك المخضرم تركي الفيصل قبل غيره ما تتسم به «إسرائيل» وسلفها وجدودها من «غريزة» الخيانة والغدر، وأن أولى خطواتها بعد تجريد المقاومين من السلاح لن تكون سوى التهجير أو العبودية التامة!

بتصدرها لكل هذا تسيء السعودية لنفسها بل تلطخ سمعتها بين المسلمين جميعًا، وسوف يحفظ التاريخ هذا الموقف المشين لسياسييها ونخبتها وإعلامها، ثم هي بعد ذلك ستقوم لتعلن أنها ضحت بالتطبيع من أجل أن يحيا أهل غزة، وينتهي العدوان عليهم! لكِ الويل إن فعلتِ!

تحشد السعودية الدول العربية خلفها، وتتواطؤ لتنفيذ مخطط خبيث لاقتلاع أهل غزة من أرضهم أو فرض عليهم الاستسلام المذل، من دون أن يكون لها كلمة واحدة عن السلاح «الإسرائيلي» المنفلت من كل عقال، وحصارها الإجرامي، وعدوانها الوحشي.

ذكر المقريزي في الخطط أن ذخيرة الملك جعفر متولي الشرطة بنى مسجدًا سنة ٥١٦هـ في القاهرة، سماه الناس “مسجد لا باللّه”، بحكم أنه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم، فيحلفون له ويقولون له: “لا باللِّه”، فيقيدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة، ولم يعمل فيه منذ أنشأه إلَّا صانع مكره، أو فاعل مقيد، وكُتبت عليه هذه الأبيات المشهورة:

سَمِعتُكَ تَبني مَسجِداً مِن خيانَةٍ

وَأَنتَ بِحَمدِ اللَهِ غَير مَوفَّقِ

كَمطعمَةِ الأيتامِ مِن كَدِّ فَرجِها

لَكِ الوَيلُ لا تَزني وَلا تَتَصَدَّقي

… لكن جعفرَ كان يبني مسجدًا ولم يكن يصفي مقاومة!