في النوازل واﻷحداث الكبرى؛ يحتاج الناس إلى من يبصرهم ويُذكرهم، وإلى من يُبين لهم الحق ويرشدهم.
وأوْلى الناس بهذا الدور هم العلماء؛ (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه).
وإنّ من أسوء ما يفعله بعض المنتسبين إلى العلم في الأحداث الكبرى أن يوصوا الناس بأن لا يروا إلا رأي الحاكم، وألا يعتقدوا إلا ما يرغبه الحاكم؛ فيجعلون مدار الحق هو (اختيار الحاكم)؛ على طريقة المثل العامي المشهور: (الشيوخ أبخص!!).
هل الحق يُعرف باختيار الحاكم؟!
هل الشريعة أناطت الحق بما يختاره الحاكم؟!
هل الحاكم معصوم؛ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!
وليس الحديث هنا أبدًا عن منازعة الحاكم أو حكم طاعته؛ فهذا شأن وفتنة (الشيوخ أبخص) شأنٌ آخر.
دعى الخليفة المأمون الفقهاءَ والمحدّثين أن يقولوا مقالته في خلق القرآن، ولكن الإمام أحمد بن حنبل لم يوافق المأمون في رأيه، ولم ينطق بمثل مقالته، بل كان يقول: إن القرآن كلام الله؛ فُعذِّب في سبيل ذلك.
فهل نقول إن المأمون (أبخص)؟!
وهل نقول إن الإمام أحمد متعجل وأخطأ؟!
لماذا لم يقل الإمام أحمد إن الحق مع المأمون؛ الخليفة وأمير المؤمنين؟!
الحاكم بشرٌ، يصيب ويخطئ، ولا يعيبه أن يُخطئ، ولكن الخطأ كل الخطأ أن يُربط الحق بالحاكم، وأن يكون الحاكم هو الحق!
إذا كان العالم الرباني يُصيب ويخطئ، فكيف بالحاكم؟!
فكيف بالحاكم الذي يُصرح هو أو وزراؤه ومستشاروه بأن قراراتهم ومواقفهم لاتُبنى على اجتهاد شرعي؟
ففي السعودية على سبيل المثال:
كتب المستشار بالديوان الملكي السعودي، تركي آل الشيخ، في تغريدة له على منصة “إكس”، “تويتر” سابقاً، في مارس 2016 تعليقًا على تصويت المملكة للملف الأمريكي في استضافة كأس العالم على حساب الملف المغربي؛ وإن كانت القضية ليست ذات بعد سياسي كبير إلا أن التصريح يشي بعقلية ورؤية من يديرون السياسة في المملكة، يقول: (لم يطلب أحد أن ندعمه في ملف 2026، وفي حال طُلب منا سنبحث عن مصلحة المملكة العربية السعودية، واللون الرمادي لم يعد مقبولًا لدينا)!
ويقول أيضًا في حوار له مع شبكة بلومبيرغ: إن (قرار دعم أمريكا، يرجع بالأساس إلى ترجيح مصالح السعودية، على أي اعتبارات أخرى)1.
وفي قضية الإيغور على سبيل المثال:
أحبط ولي العهد محمد بن سلمان آمال مسلمي الإيغور في إثارة قضيتهم خلال زيارته إلى بكين عام2019م. وخلال لقائه بنائب رئيس مجلس الدولة الصيني هان تشنغ في بكين قال ابن سلمان: (للصين الحق في اتخاذ تدابير لمكافحة الإرهاب والتطرف لضمان الأمن القومي). مضيفًا أن (السعودية تحترمها وتدعمها ومستعدة لتعزيز التعاون معها)2!
وذكر موقع فرانس24 أن ولي العهد السعودي (أعرب عن دعمه للسياسة الصينية بإقامة معسكرات اعتقال لمسلمي الإيغور في الصين)!، وأنّ (الرئيس الصيني أشاد بالعلاقات بين الدولتين، قائلا: إنهما سوف يتعاونان بشكل أكبر في مجال مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط … وكانت جهات من مسلمي الإيغور ناشدت ولي العهد السعودي كي يضغط على السلطات الصينية لتغيير إجراءاتها تجاههم في إقليم شينغيانغ غرب البلاد).
لو كان أصحاب (الشيوخ أبخص) في زمن سبط النبي صلى الله عليه وسلم؛ الحسين بن علي، رضي الله عنهما، لكانوا في “صفوف قتلته”. ولو شهدوا وقعة الحرّة التي استبيحت فيها مدينة رسول الله لأفتوا بأن هذا هو الحق؛ أليس الحق هو الحاكم في نظرهم؟!
قال الذهبي: روى أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: كان شِمر بن ذي الجوشن – أحد قتلة الحسين – يصلي معنا، ثم يقول: اللهم إنك تعلم أني شريف فاغفر لي، قلت: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: ويحك، فكيف نصنع؟ إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم لكنا شرًّا من هذه الحُمُر!
قال الذهبي: إن هذا لعذر قبيح، فإنما الطاعة في المعروف.
كانت اﻷمة موحدة، ولها خليفة، وراية الجهاد قائمة، ويُحكم الناس – في اﻷغلب اﻷعم بالشريعة-؛ ومع ذلك لم يقل أحدٌ: “إن الموقف الشرعي تجاه اﻷحداث والنوازل هو مايراه الإمام”!
واليوم في ظل تعدد البلاد الإسلامية؛ لوْ كان الحاكم هو الحق، والحق هو الحاكم، فأيُّ الحكام في زماننا هذا أحق أن يُتَّبَع؟!
(١) خبر منشور على موقع العربية نت بتاريخ : الأربعاء 22 رمضان 1439 هـ – 06 يونيو 2018 بعنوان: آل الشيخ: الأخضر سيحضر لبن “المراعي” معه في مونديال قطر، ويحتوي مقطع فيديو يصرح فيه تركي آل الشيخ بدعم الملف الأمريكي في كأس العالم
(٢) خبر على موقع: Euronews بتاريخ • آخر تحديث: 22/02/2019 بعنوان: بعد زيارة بن سلمان لبكين.. السعوديون سيتحدثون الصينية.. وصفقات بـ 28 مليار دولار على الرابط التالي: