كشف حساب – ماذا يحدث للمملكة؟!

ليست المشكلة أن يتغير بلد ما؛ فالجمود ليس فضيلة والماضي ليس مقدسا، وما كان في المملكة  قبل عشرين عاما لم يكن كله صوابا حتى يصبح كل تغيير فيه جريمة أو خطرا وجوديّا.وليست المشكلة أيضا أن يخطئ حاكمٌ فالدول لا يقودها معصومون! إنما المشكلة حين تتراكم التحولات، وتتسع آثارها في الدين والمال والمجتمع والسياسة، ثم لا يبقى أمام الناس إلا روايتان: رواية منافقة تحتفل بكل شيء! وأخرى ناقمة تذم كل شيء! وبينهما يضيع السؤال الواقعي المنصف: ماذا حدث فعلا لوطننا؟

 إننا نحن بحاجة لجرد وكشف حساب، لا عضلات خصومة ولا عقود دعاية وتسويق وتزوير.

 فمن يخاف على وطنه يعلم أن الأوطان أطول عمرا من الأشخاص، وأن الخطأ في مشروع شخصي يمكن تداركه وتصحيحه، أما الخطأ حين يصبح سياسة دولة فثمنه يدفعه أجيال! بعيدا عن شخصنة النقد أو التقديس لنضع اسم المسؤول جانبا ولنتأمل الوقائع وواقع المملكة اليوم .

فمنذ 2017 تغيرت بنية السلطة في المملكة  بصورة شديدة السرعة؛ حيث تراجعت مراكز نفوذ تقليدية نشأنا عليها وألفناها وكانت سببا للتوازن – فيما أعتقد -، واختفى وأُخفي عدد كبير من الشخصيات السياسية والدينية والاقتصادية والإعلامية من المجال العام، وأصبح القرار متمركزًا حول ولي العهد محمد بن سلمان.

وفي الوقت نفسه بدأت موجات اعتقال شملت قطاعًا عريضًا من علماء ودعاة وكُتَّاب وناشطين وأمراء وتجار واقتصاديين وإعلاميين، ثم اتسع نطاق الملاحقة إلى وسائل التواصل! بل أُصدرت قائمة افتراضية تحت وسم القائمة السوداء في تويتر، وبناء عليها تم محاسبة الناس من بدء دخولهم منصات التواصل وقبل العهد الحالي بسنوات! وقاد هذه الحملة الشخصية الأكثر نفوذا ذلك الوقت سعود القحطاني! فكانت مجزرة أمنية وغيرأخلاقية عبر الفضاء بلا حسيب ولا قانون أنتجت اعتقالات متلاحقة غريبة جدًّا!

  وفي إحدى أشهر القضايا، صدر حكم بالسجن خمسة وأربعين عامًا على مواطنة سعودية على خلفية كلمات في وسائل التواصل!

 كما وثقت تقارير أخرى أحكامًا طويلة في قضايا الكلمة فقط! وهنا لا أحتاج وصف هذه السياسة ماذا تُسمى عند العقلاء والمنصفين! بل يكفي أن أسأل:

لماذا صار الإنسان يحسب حساب الكلمة بشكل وسواسي؟!لماذا تحولت آراء كان الناس يناقشونها في المجالس إلى همس؟!ولماذا صار كثير من السعوديين يختصرون موقفهم بعبارة واحدة: فُكِّونا لسنا ناقصين؟!!. ليس كل صمت استقرارًا؛ أحيانًا يكون الصمت مجرد خوف من ثمن الكلام، والدولة الواثقة القوية لا تحتاج أن يتفق معها الناس في كل شيء ويصفقوا، بل تحتاج أن تكون من القوة والثقة بحيث تحتمل سماع كلمة: القرار خاطئ والمسؤول يجب محاسبته.

فمنذ 2017 تغيرت بنية السلطة في المملكة  بصورة شديدة السرعة؛ حيث تراجعت مراكز نفوذ تقليدية نشأنا عليها وألفناها وكانت سببا للتوازن – فيما أعتقد -، واختفى وأُخفي عدد كبير من الشخصيات السياسية والدينية والاقتصادية والإعلامية من المجال العام، وأصبح القرار متمركزًا حول ولي العهد محمد بن سلمان.

جاء بعد ذلك التحول الاجتماعي والديني، وهنا لا نختزل المسألة في سينما أو قيادة المرأة أو حفلة موسيقية بل القضية أعمق؛ لقد غُيرت المؤسسة الدينية بشكل فج وغُيّبت وغُيّب معها المرجعية الدينية المشار إليها في قوانين الدولة دون تغيير القوانين!

وتقلص حضور العلماء المستقلين، وباشرت السلطة في تشكيل الواقع الديني والاجتماعي على مزاجها وبالفرض القسري! مع تبني شديد لبرامج التحول الأخلاقي وتعزيز واضح لمركز القرار السياسي في ذلك وأصبح الحديث فيها موردًا السجون! كما حصل لشخصيات كثيرة.

 قد يكون كثير مما كان في الماضي محتاجًا إلى مراجعة وتطوير. لكن السؤال ليس: هل نريد المحافظة أم الانفتاح؟  السؤال: من الذي يقرر شكل المجتمع وتركيبته؟

 فإذا كانت السلطة بالأمس تفرض نموذجًا محافظًا، ثم أصبحت اليوم تفرض نموذجًا مختلفا بالكلية ، فأين اختيار المجتمع ورأيه في الحالتين؟! وأين النقاش؟! وأين أهل الدراسات وعلم الاجتماع والنفس والتربية؟! وأين المسافة التي تسمح للناس أن يميزوا بين إزالة الغلو  -إن وجد – وبين إزالة المرجعية الأخلاقية نفسها ونسفها؟! ليس كل جديد فسادًا، ولكن الجديد لا يصبح فضيلة لمجرد أنه جديد! ناهيك عن كونه مصادمًا لأعراف المجتمع، فضلًا عن مخالفته لما استقر عليه كلمة أهل العلم واجتمعت عليه قرارات الهيئات الرسمية!

ثم نفتح كشف حساب المال وهنا ينبغي الواقعية،  فإن الاستدانة ليست كارثة وسلبية اقتصادية بذاتها، والمشروعات الضخمة الكبرى ليست خطأ لمجرد ضخامتها. لكن المال العام له سؤال مختلف: من سيراجع صاحب الرؤية حين تكون تكلفة الرؤية أو هدرها بمئات المليارات وواضح من بداية بعض مشاريعها أنها إلى واد سحيق؟!

 شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية إنفاقًا هائلًا على مشروعات عملاقة، ثم بدأت تظهر مراجعات وتأخيرات وتغيير في الأولويات. وفي 2025 تكبدت أصول مرتبطة ببعض المشروعات العملاقة تخفيضات محاسبية بمليارات الدولارات!  ثم أعلن صندوق الاستثمارات العامة تحولًا في استراتيجيته باتجاه قطاعات ومشروعات ذات عائد أقرب، وفي أبريل 2026 أعلن أن مشروع «ذا لاين» لم يعد ضمن الأولويات السابقة – والذي سجن بسببه الكثير وهجر الكثير وقتل فيه عبدالرحيم الحويطي رحمه الله-  .

 فإذا كانت السلطة بالأمس تفرض نموذجًا محافظًا، ثم أصبحت اليوم تفرض نموذجًا مختلفا بالكلية ، فأين اختيار المجتمع ورأيه في الحالتين؟! وأين النقاش؟! وأين أهل الدراسات وعلم الاجتماع والنفس والتربية؟! وأين المسافة التي تسمح للناس أن يميزوا بين إزالة الغلو  -إن وجد – وبين إزالة المرجعية الأخلاقية نفسها ونسفها؟! ليس كل جديد فسادًا، ولكن الجديد لا يصبح فضيلة لمجرد أنه جديد! ناهيك عن كونه مصادمًا لأعراف المجتمع، فضلًا عن مخالفته لما استقر عليه كلمة أهل العلم واجتمعت عليه قرارات الهيئات الرسمية!

وفي الوقت نفسه سجلت ميزانية 2025 عجزًا بلغ نحو 276 مليار ريال، أعلى من التقديرات السابقة. وهذه الأرقام لا تثبت وحدها فشلًا، لكنها تستوجب مساءلة قانونية شرعية: من الذي قال منذ البداية إن هذه الأحجام واقعية؟ وماذا قال المتخصصون وأهل الدراسات والمستشارون؟ وهل تستطيع مؤسسة داخل الدولة أن تقول لصاحب القرار: المشروع أكبر من قدرة الاقتصاد الآن؟ وإذا قالت هل سيستجيب؟!

بالإمكان الرجوع لمقابلات الوزراء ستثبت شيئًا واحد فقط؛ المسؤؤل لا يتراجع!!  الخطر ليس في أن يخطئ القائد بل الخطر أن تصبح المؤسسات منقادة  في تنفيذ القرار فقط وعاجزة عن مراجعته! فالاستشارة والدراسة التي لا تستطيع تغيير رأي صاحب القرار ليست استشارة إنها مجرد إجراء وتبقى مسؤوليته!

 ثم نعود إلى 2017 وإلى فندق الريتز كارلتون  حيث احتُجز أمراء ووزراء سابقون ورجال أعمال تحت عنوان مكافحة الفساد، وانتهت ملفات كثيرة بتسويات مالية. ولا يوجد عاقل يخاف الله يدافع عن الفساد، لكن دولة القانون لا تختبر حين تعاقب العاجز والضعيف، وإنما حين تحاسب القوي أيضًا ومن بيده السلطة!

 والسؤال : هل كان بين هؤلاء فاسدون؟ نعتقد ذلك ولكن: هل معالجة فساد الكبار تتم من خلال مؤسسات قضائية معلومة وعلنية وحسابات مكشوفة ومصارف واضحة للتحصيل، أم عبر قدرة السلطة على الاحتجاز ثم التفاوض ثم مجهولية مصير المال؟!

وأعتقد أن الفرق واضح إنه الفرق بين أن تحكم المؤسسة وبين أن يحكم الرجل.

ثم وقعت قضية جمال خاشقجي؛ مواطن صحفي دخل قنصلية بلاده في إسطنبول ولم يخرج منها حيًّا ومهما تعددت الروايات حول مستويات المسؤولية- وهي واضحة لأهل العقل والقانون وأكدتها الاستخبارات العالمية-، فإن الجريمة نفسها أصبحت واحدة من أثقل وقائع هذه المرحلة، ولا يمكن كتابة جرد سياسي جاد ثم تجاوزها كأنها حادث هامشي! 

ثم انظر من بعيد إلى الصورة مجتمعة؛ تضييق خانق على الكلمة، تغير واسع في المجال الديني والأخلاقي، تركيز لمعقد القرار، مشروعات عملاقة أُعيد تقدير بعضها، عجز مالي مرتفع، علماء وكتاب وناشطون غابوا عن المجال العام،. شخصيات سياسية واقتصادية أُبعدت عن مراكز النفوذ، وقرارات ضخمة تأتي أحيانًا بسرعة تجعل المجتمع ينتقل من حال إلى حال قبل أن يستوعب الأولى.

قد يكون لكل واقعة جواب وتفصيل، وقد يكون بعض النقد الخارجي انتقائيّا، وقد يكذب ويتحامل معارض، وقد ينافق  صحفي، لكن الإنصاف لا يعني أن نصدق المعارض لأنه معارض، ولا أن نصدق الحكومة وأبواقها  لأنها حكومة! الإنصاف أن ننظر في الواقعة نفسها.

ومن هنا ستبدأ هذه السلسلة؛ لن أسأل: هل محمد بن سلمان صالح أم فاسد؟ فذلك سؤال سطحي. ولن أقول: كل ما وقع في عهده شر؛ فهذه أيضًا خصومة لا تحليل!

 بل سنجرد دفتر الحساب واحدا واحدا: دفتر المال، ودفتر الكلمة، ودفتر القضاء، ودفتر العلماء، ودفتر التحول الاجتماعي والأخلاقي، ودفتر السياسة الخارجية، ودفتر القرار وكيف يُصنع ومن يستطيع مراجعته. ثم، بعد ذلك كله، نفتح الدفتر الذي طالما يغلقه الشرعيون الحكوميون وبسطاء المجتمع سريعا بعبارة واحدة: اسمع وأطع وولي الأمر أعرف .

لقد سمعنا طويلًا نصوص السمع والطاعة، وحرمة الخروج، ولزوم الجماعة – ولا اعتراض عليها أمام ولي الأمر الشرعي – ، وهي نصوص شرعية لا يجوز تحويلها إلى مادة للسخرية أو العبث. لكن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قال: «إنما الطاعة في المعروف». وهنا موضع السؤال كله؛ فالشرع لم يجعل الحاكم مصدرًا للمعروف! ولم يقل إن القرار يصبح صوابًا لأنه صدر من الحاكم! ولم يجعل إنكار الخطأ مساويًا للخروج المسلح! ثمة مسافة واسعة بين الفوضى وبين الصمت، اسمها: النصيحة، والنقد، والمحاسبة، وقول الحق.

ولذلك سنؤجل السؤال: هل مثل هذا يطاع؟ سنؤجله حتى ننتهي من الجرد؛ فربما كان السؤال قبل الوقائع خصومة. أما بعد أن توضع الوقائع في ميزان الشرع والعدل والمصلحة والمال العام، فإنه يصبح سؤالا مشروعا لا يجوز أن يُجاب عنه بالخوف.

ما يخيفني ليس أن ينتقد الناس حاكما! إنما يخيفني أن يصبح الحاكم هو الوطن! وأن يصبح نقد القرار خيانة! والصمت حكمة! والخوف استقرارا! وتصبح الطاعة التي جعلها الشرع في المعروف بابا لإغلاق كل سؤال! المملكة العربية السعودية أكبر من أي رجل! والدولة الراشدة لا تخاف من كشف الحساب.

وللحديث بقية…وفي المقال القادم نفتح أول الكشوفات الحسابية.