هو اليوم عند كثير من أهل العصر إمام كبير وهو كذلك، لكن الذين لا يتقيدون بالمذاهب الفقهية، ويحطون من شأن متبعيها، ويغمزون هذا بحنبليته وذلك بمالكيته، ويدّعون اتباع السلف والأئمة فكثيرًا ما يميلون إلى ظاهرية ابن حزم، ويعظمونه -وهو أهل للإجلال- وآراءه أكثر من غيرهم.
فماذا لو بعث ابن حزم بينهم؟ أعرض فيما يأتي بعض مقرراته في السياسة الشرعية، دون بحث ومناقشة، فما قرره يقرره كثير من العلماء، وهو إما راجح أو مرجوح قال به علماء، فهو اجتهاد دائر بين الأجر والأجرين وهذا هو بيت القصيد.
وللإمام ابن حزم في السياسة الشرعية آراء مهمة تناولت قضايا الإمامة والسلطة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، فهو يعتمد على حشد الأدلة ومناقشة المخالفين بالمنقول والمعقول. وأكثر هذه الآراء مبثوث في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، ذكرها في معرض رده على أهل البدع، وقد امتاز فيها بالوضوح وقوة الاستدلال، مع اعتماده على ظاهر النصوص الشرعية وربطها بالمصالح العامة للأمة، وفيما يأتي أهمها:
أولًا: موقفه من تعدد حكام الأمة
يرى ابن حزم أنه لا يجوز أن يكون للمسلمين في الوقت الواحد أكثر من إمام، وأن الواجب هو اجتماع الأمة على إمام واحد. وذكر مخالفة محمد بن كرام وأبو الصباح السمرقندي في ذلك، إذ أجازا تعدد الأئمة، فردَّ عليهما ابن حزم بأدلة من النص والمعقول.
فاستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» [صحيح مسلم]، وبقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾، [آل عمران: 105] وبيَّن أن وجود إمامين يؤدي إلى التفرق والنزاع المحرَّم. كما احتج من جهة النظر بأن إجازة إمامين تستلزم جواز ثلاثة وأربعة، حتى ينتهي الأمر إلى تعدد السلطات في كل بلد وقرية، وفي ذلك فساد نظام الأمة، واليوم الواقع يصدق ما ذكر كما أن التاريخ كذلك يثبت أن التشرذم سبب تنازع بسبب اختلاف المصالح والأهواء قد يبلغ حد الحرب، وفي أقل أحواله لا تفتر فيه الحروب (الباردة).
ثانيًا: موقفه ممن تأخر عن البيعة
فرَّق ابن حزم بين الامتناع عن البيعة وبين الخروج على الإمام. فذكر أن تأخر علي بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر الصديق لم يكن موجبًا للقتال، إذ لم يخرج عليه ولم يمنع الناس من طاعته. وكذلك رأى أن امتناع معاوية بن أبي سفيان عن بيعة علي لا يوجب قتاله من حيث أصل الامتناع، وإنما قاتله علي لامتناعه عن تنفيذ أوامر الإمام في الشام.
ومن هنا قرر ابن حزم أن مجرد ترك البيعة لا يستوجب القتال ما لم يصحبه خروج أو منازعة للسلطة الشرعية، ولا يقال لمن رفض مبايعة إمام لاعتبارات واختيارات شرعية عنده توجب له الكف عن البيعة؛ كتعدد الأئمة، وحصول الفتن، أو لغير ذلك من التأويل، قد خرج على السلطان، أو فرق الجماعة، بل الجماعة على ما هي عليه مجتمعة.
ثالثًا: البيعة عند تعدد المتغلبين
إذا تعدد الحكام ووقع النزاع بينهم، رأى ابن حزم أن الواجب مبايعة من استقر له الأمر واجتمعت عليه الكلمة؛ حفظًا لوحدة الأمة ومنعًا للفتنة. ولذلك ذكر أن الصحابة الذين اعتزلوا القتال بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان بايعوا عبد الملك بعد استقرار الأمر له، لا لاعتقاد فضله على ابن الزبير، وإنما دفعًا للفرقة، أما إذا بقيت الفرقة ولم تجتمع الأمة بل هذا يدافع هذا فلا يلزم أن يبايع أحدهما أو يدخل في حزبه.
رابعًا: موقفه من ولاية المرأة
ذهب ابن حزم إلى منع تولية المرأة الإمامة العظمى، ونقل اتفاق جمهور أهل القبلة على ذلك، مستثنيًا بعض فرق الرافضة التي أجازت إمامة الصغير بل والحمل في بطن أمه. وعلل ابن حزم المنع بأن الإمام مخاطب بإقامة الدين وسياسة الأمة، ومن لا تتوافر فيه شروط التكليف لا تصح إمامته. لكنه يرى جواز توليتها الحكم، كما نص عليه في المحلى، وظاهر تقريراته جواز ولايتها البقاع والأسواق، ومثلها الوزارات التي لا تك،ن نيابتها عامة، وهي من المسائل التي خالف فيها جماهير العلماء.
خامسًا: موقفه من ولاية العهد
أجاز ابن حزم أن يعهد الإمام بالخلافة إلى من يراه صالحًا بعده، إذا قصد بذلك مصلحة الأمة ولم يتبع الهوى. وبيَّن أن اعتراض بعض الصحابة على بيعة يزيد بن معاوية لم يكن بسبب أصل ولاية العهد، وإنما لعدم رضاهم عن الشخص المعيَّن.
وبذلك يقرر ابن حزم مشروعية ولاية العهد من حيث الأصل، مع اشتراط حسن الاختيار، فإن وقع الاختيار على غير أهل لم يلزم، فإن كان فاسقًا أو ظالمًا وجب الإنكار عليه ولو بحد السيف.
سادسًا: موقفه من الصبر على ظلم الحكام
من أبرز مسائل السياسة الشرعية عند ابن حزم موقفه من الأحاديث الواردة في الصبر على جور الحكام، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» [متفق عليه من حديث عبادة]، وحديث: «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» [صحيح مسلم].
وقد فرَّق ابن حزم بين حالتين:
- فإن كان أخذ المال أو العقوبة بحق شرعي، وجب الصبر والطاعة.
- أما إذا وقع الظلم بغير حق، فلا يجوز الاستسلام له؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة: 2]
واستدل كذلك بأحاديث تغيير المنكر، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة في معصية» [متفق عليه]، وبحديث الدفاع عن المال والنفس. ثم حاول الجمع بين النصوص، فذهب إلى أن الأحاديث الآمرة بالكف عن القتال كانت في أول الإسلام، ثم نسختها النصوص الآمرة بقتال الفئة الباغية، وعلى رأسها قوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: 9].
ومن هنا انتهى إلى أن مقاومة الظلم الجسيم واجبة إذا أمكن ذلك، وأن الاستسلام المطلق للطغيان مخالف لمقاصد الشريعة.
سابعًا: موقفه من الجماعات المسلحة
يرى ابن حزم أن المقاتل المتأول الذي يظن نفسه على حق يُعَدُّ باغيًا لا كافرًا ولا فاسقًا، ولا يقتص منه إذا رجع وترك القتال، لأنه مجتهد مخطئ. واستدل بقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: 9]، حيث سمَّى الله الطائفتين مؤمنتين مع وقوع القتال بينهما.
أما من قاتل ظلمًا وعدوانًا من غير تأويل سائغ، فإنه عنده محارب فاسق يستحق العقوبة والقصاص.
ثامنًا: المقاتلة مع الحاكم أو عليه
قرر ابن حزم أن القتال يكون مع الإمام العادل ضد الخارجين عليه، لأن ذلك من قتال الفئة الباغية. أما إذا كان الإمام جائرًا وخرج عليه من هو أعدل منه، فإنه يرى وجوب نصرة الأعدل؛ لأن في ذلك إزالة للمنكر وإقامة للعدل.كما شدد على أن اعتزال القتال إنما يكون عند التباس الحق وعدم ظهوره، أما إذا تبينت الفئة الباغية فإن قتالها واجب بنص القرآن.
تاسعًا: محاسبة الحاكم وعزله
من الآراء المهمة عند ابن حزم تأكيده أن الحاكم ليس فوق الشريعة، بل يجب منعه من الظلم ومطالبته بالخضوع للأحكام الشرعية والقصاص إن لزم الأمر. فإن رجع إلى الحق وأقام الحدود على نفسه بقيت إمامته صحيحة، أما إذا امتنع من تنفيذ أحكام الشرع وأصر على الجور، وجب عزله وإقامة غيره.
ويظهر من مجموع آراء الإمام أنه كان شديد الحرص على أمرين متلازمين: حفظ وحدة الأمة ومنع انفراط عقدها من جهة، ومنع الاستبداد والظلم من جهة أخرى، ولذلك جاءت آراؤه جامعة بين تعظيم السلطة الشرعية وإخضاعها في الوقت نفسه لأحكام الدين ومقاصده، وليس من مقصود المقال محاكمة آرائه، ولكن عرضها فهي آراء لها مكانها في الفقه والتراث الإسلامي، ليس ما يقرره من الأقوال المنكرة، أو التي يخالفها الجماهير إذا ما استثنينا بعض ما يخوله المرأة من الولايات، وهذا تذكير لمن يرمون من قالوا بأقل من تلك الآراء بكل بدعة ونقيصة ونذكرهم بأن الإمام ابن حزم قد قررها في ردود على أهل البدع قديمًا!