من سياسة الفاروق رضي الله عنه في الواجبات

سيرة عمر بن الخطاب من أعظم النماذج العملية في السياسة الشرعية؛ فقد ظهرت فيها معاني العدل، والمحاسبة، والشورى، وصيانة المال العام، ورعاية مصالح الأمة، مع تطبيق عملي لمقاصد الشريعة في الحكم والإدارة والقضاء.

ولم تكن سياسة عمر رضي الله عنه قائمة على التنظير المجرد، بل على الممارسة الواقعية التي راعت أحوال الناس وحقوقهم، وربطت السلطة بالمسئولية والرقابة والمحاسبة، وسياسته موضع قبول عام لم تزل في المسلمين، وكان من نبل من خلفاء بني أمية تقصدها كعمر بن عبد العزيز رحمه الله…

وفي هذه المقالة أذكر شيئًا من معالمها في واجبات الدولة، ولك أن تقارنها بالواقع لتعرف ما بينه وبين سياسة الفاروق الذي إذا ذكر ذكر العدل وسياسة غيره ممن تنكب سنة المهدي الراشد رضي الله عنه.

وفيما يأتي أهم ما يتعلق بسياسته المتصلة بواجبات الحاكم ونوابه:

أولًا: واجب خدمة الأمة ورعاية مصالحها دون إساءة إلى فرد منها:

قرر عمر رضي الله عنه أن وظيفة الحاكم وولاته ليست التسلط على الناس أو استباحة حقوقهم، وإنما خدمتهم والقيام بمصالحهم وتعليمهم أمور دينهم. ففي خطبته المشهورة قال: «والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي» [أبو داود، وابن سعد].

ثم أكد حق الأمة في الانتصاف من الولاة مهما علت مناصبهم، فقال: «إذا لأقصنه منه»، وقد أقر صلى الله عليه وسلم القصاص من نفسه فيما لم يقع منه ظلمًا تطييبًا لنفس أحد أفراد الرعية.

وفي ذلك تقرير لمبدأ خضوع الجميع للعدل، وأن السلطة ليست سببًا لإهدار الحقوق أو تعطيل القصاص.

كما نهى عن صور الظلم الإداري والعسكري، فقال: «ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تُجَمِّروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم» [أبو داود].

فجمع هذا الكلام أصولًا عظيمة في معاملة الجنود والرعية؛ من منع الإهانة، ومنع تعريض الناس للفتنة أو التضييع، وصيانة الحقوق المادية والمعنوية.

ثانيًا: واجب التولية وفق المصلحة، ومنع التولية على أساس الولاء أو القرابة:

لم يجعل عمر رضي الله عنه القرابة سببًا للاستحقاق السياسي، بل كان المعيار عنده هو المصلحة والكفاءة. ولما جعل أمر الخلافة شورى في الستة من كبار الصحابة قال: «يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء» [الطبري]. فمع صلاح ابنه وفضله، لم يجعله أهلًا للخلافة لمجرد بنوته له.هذا مع كون ابن عمر رضي الله عنهما كان من أرضى الناس عند الناس في زمانه، حتى إنهم أرادوا توليته لما استحكم الخلاف بين الشام والكوفة في أخريات عهد علي رضي الله عنهم جميعًا فامتنع.

ثالثًا: وجوب الشورى والعمل بها:

امتازت سياسة عمر رضي الله عنه بكثرة الشورى، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا» [البخاري].

فلم يكن يحصر الرأي في طبقة معينة أو سن مخصوص. وقصته في مشاورة الناس لما وقع الطاعون مشهورة.

قرر عمر رضي الله عنه أن وظيفة الحاكم وولاته ليست التسلط على الناس أو استباحة حقوقهم، وإنما خدمتهم والقيام بمصالحهم وتعليمهم أمور دينهم. ففي خطبته المشهورة قال: «والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي» [أبو داود، وابن سعد].

رابعًا: وجوب الوقوف عند حدود الله وقبول التذكير بها:

ومن أبرز الأمثلة قصة عُيَينةَ بنِ حِصنِ، حين قدِمَ فنَزَلَ على ابنِ أخيه الحُرِّ بنِ قَيسِ بنِ حِصنٍ، وكان مِنَ النَّفَرِ الذينَ يُدنيهم عُمَرُ … فقال عُيَينةُ لابنِ أخيه: يا ابنَ أخي، هل لكَ وجهٌ عِندَ هذا الأميرِ فتَستَأذِنَ لي عليه؟ قال: سَأستَأذِنُ لكَ عليه، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فاستَأذَنَ لعُيَينةَ، فلَمَّا دَخَلَ قال: «يا ابنَ الخَطَّابِ، واللهِ ما تُعطينا الجَزلَ، وما تَحكُمُ بينَنا بالعَدلِ». فغَضِبَ عُمَرُ، حتَّى هَمَّ بأن يَقَعَ به، فقال الحُرُّ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ اللهَ تَعالى قال لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {خُذِ العَفوَ وأمُرْ بالعُرفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلينَ} [الأعراف: 199]، وإنَّ هذا مِنَ الجاهِلينَ. فواللهِ ما جاوزَها عُمَرُ حينَ تَلاها عليه، وكان وقَّافًا عِندَ كِتابِ اللهِ [البخاري].

وفي هذا دلالة على أن الحاكم وإن كان قويًّا مهابًا، فإنه يقف عند حدود الشرع، ويقبل التذكير والنصيحة، وسواء في ذلك ذكر في حضرة أحد أو كان منفردًا.

خامسًا: وجوب القيام بالتفقد ومباشرة الرعية:

وقد كانت له في ذلك رضي الله عنه جولات تفتيشية، وقصص في مباشرة أحوال الرعية، لم تزل تذكر ولم يزل يتغنى بها الشعراء حتى عهودنا ودونكم عمرية حافظ.

فقد كان عمر يرى أن الحاكم لا ينبغي أن ينقطع عن الناس أو يعتمد اعتمادًا كليًّا على تقارير الولاة، ولذلك قال: «لئن عشت إن شاء الله لأسيرنَّ في الرعية حولًا» ثم ذكر تنقله بين الشام والجزيرة ومصر والبحرين والكوفة والبصرة، يقيم في كل إقليم مدة؛ ليقف بنفسه على أحوال الناس [ابن سعد].

وبيّن سبب ذلك فقال: «فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني، إما هم فلا يصلون إلي، وإما عمالهم فلا يرفعونها إلي». ففي هذا إدراك لخطر البيروقراطية الإدارية، وأن بعض الحقوق قد تضيع بين الحاكم والرعية بسبب الولاة أو الحجاب.

سادسًا: مسئولية الحاكم عن موظفي الدولة والانتصاف منهم أو لهم:

كان عمر يحمل نفسه مسئولية التقصير الواقع في الدولة كلها، حتى قال: «لو هلك حمل من ولد الضأن ضياعًا بشاطئ الفرات خشيت أن يسألني الله عنه» [حلية الأولياء].

وقد كانت سياسته العملية متابعة ومساءلة لعمال الدولة في الصغير والكبير، ويسمع الشكوى وإن كان المشكو مثل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه! كما في خبره المشهور مع أهل الكوفة.

ومع شدة عمر في محاسبة الولاة، لم يكن يبادر إلى العزل لكل خطأ يقع من المسئول، بل قد يكتفي بالتعويض أو الضمان أو الإصلاح إذا لم يكن الخطأ ناتجًا عن فساد أو ظلم متعمد.

وهذا من أعظم ما يدل على عمق شعور الحاكم بالمسئولية، وأن الرئاسة في الإسلام تكليف لا تشريف، وأن الحاكم مسؤول أمام الله عن مصالح الناس وأمنهم وعدلهم.

سابعًا: واجب محاسبة والولاة وأن ذلك لا يلزم أن يكون سرًّا:

فقد أجاز عمر للناس أن يشتكوا الولاة علنًا، ولم يعتبر ذلك خروجًا على الدولة أو انتقاصًا لهيبتها. وقد جاء أن رجلًا قام يشكو عاملًا ضربه مائة سوط، فأمر عمر بالاقتصاص منه [ابن سعد].

وحين اعترض عمرو بن العاص رضي الله عنه خشية أن تصبح سنَّة يتجرأ بها الناس على الولاة، لم يمنع ذلك عمر من تقرير الحق، بل قال: «وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد من نفسه».

وفي هذا تقرير لمبدأ المحاسبة العلنية، وأن خوف كثرة الشكاوى ليس مسوغًا لتعطيل العدالة.

ثامنًا: منع استبداد كبار الموظفين بتقدير المصالح:

لما حاول عمرو بن العاص رضي الله عنه إقناع عمر بترك الاقتصاص من الوالي بحجة المصلحة، رفض عمر ذلك، لأن المصلحة لا يقررها أصحاب السلطة وحدهم ولا بحثها بحكر عليهم، ولا ادعاؤها يقبل منهم على كل حال.

ومما أثر عنه قوله: «ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم» وفيه أن ظلم الناس وحرمانهم حقوقهم قد يكون سببًا في انحرافهم وسوء ظنهم بالدين والدولة. ولذلك كان عمر يربي الناس على معرفة حقوقهم والمطالبة بها وعدم السكوت عن الظلم.

وقد كانت سياسته العملية متابعة ومساءلة لعمال الدولة في الصغير والكبير، ويسمع الشكوى وإن كان المشكو مثل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه! كما في خبره المشهور مع أهل الكوفة.

تاسعًا: واجب نشر العلم وتعليم الناس:

قال عمر عن مهمة الولاة: «ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم».

فكان يرى أن وظيفة الدولة ليست أمنية أو مالية فقط، بل تعليمية وتربوية أيضًا، وأن نشر العلم من أهم واجبات السلطة.

عاشرًا: البعد عن التزكية والدعاية:

لما طلب عمر من أربد أن يحكم في جزاء صيد أصابه وهو محرم، قال له أربد: «أنت خير مني وأعلم»، فقال عمر: «إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني» [عبد الرزاق].وفي هذا تواضع وبعد عن صناعة الصورة الإعلامية المجافية للحقيقة أو طلب الثناء.

وبعد فهذه معالم ولمحات ليقارنها من كان يعتقد ويعلم أن عمر رضي الله عنه خليفة راشد ليعلم بعدها هل ما في واقعنا يجري على سبيل رشاد، أظن إسقاطها على الواقع يعطي الجواب!

وبعد فإن الموفق من اتبع هدي الراشدين ودعا إليه، والمخذول من تنكبه ولم يعبأ به، ومن يهد الله فهو المهتدي.