«العيد الوطني».. الهزل وقت الجد!

كانت الرياح تهب في اتجاه، بينما السفينة تُبحر في اتجاه آخر، ومن عاكس الريح اضطرب.

تشجع الدولة السعودية على الاحتفال بـ«اليوم الوطني» للسعودية، فيظهر فيه الرقص والألوان والضجيج والتفاهة وعلامات على أن هذه الدولة لا تسير سوى بعكس الطريق الذي مضى فيه المؤسس الأول، فكل جدية الماضي أضاعها هزل الحاضر، وكل خشونة التأسيس ذابت في «نعومة» و«طراوة» النهاية.ولو اطلع المؤسس على تمايل المائلات، وتغنج الفاتنات، لقال خيبكم الله يا من أضعتم ملكي وأذهبتم دولتي! ولو علم أن ما يشاهده من خنا وخلاعة إنما يحصل بينما المملكة التي أسسها مطوقة من كل جانب، والصواريخ تمطر مدنها وقواعدها ومطاراتها وكنوزها النفطية لبكى بدلًا من الدموع دمًا على غباء الخلوف!

وما أسرع ما خرجت السعودية من جدل الاحتفال باليوم الوطني والحث عليه، مع تبديع الاحتفال بالمولد النبوي، إلى السؤال التالي: ألا تجدون إلا هذا الهزر والخلاعة لتحتفلون بها بيوم توحدت فيه المملكة رغم كل ما اعترى هذا التوحيد من ملابسات وأحداث ومثيرات للجدل والنقاش حولها؟!

ثم ما أسرع أن جاءت إحدى لحظات الحقيقة حين خجلت الدولة السعودية قليلًا من التوسع في الاحتفال، وإطلاق الألعاب النارية إذ النيران تلظى من فوق الرؤوس، والتهديدات تتوالى، والتعزيرات والتوعيد تتعاقب من ميليشيا استخف بها الحكم السعودي فقوضت اقتصادها، وهزأ بها.

وكيف بالألعاب النارية أن تُطلق في السماء، والدفاعات السعودية لم تتوقف عاجزة أمام الصواريخ الباليستية للحوثي، وكيف تنطلق الاحتفالات في ساعات الحصار، وكيف يرقصون وسط الجرحى والمكلومين؟!

وعدا عن أن معظم دول العالم لا تحتفل بأيامها الوطنية بمثل هذه السخافة والجنون، بل بتذكر ملاحمها وكفاحها وتشبث الجدود بالهويات والعادات والأرض والعرض، فلا تنطلق فيها السيارات بالهوجاء والدهماء ليعيثوا رقصًا شبابًا وشابات، ويجعلوها فرصة للفجور والمعاكسات والتحرشات ونحو ذلك، بما يجعل المملكة فريدة بين أمم الإسلام والكفر على حد سواء في هذا السخف من ذوي العاهات الفكرية والسلوكية والأخلاقية؛ فإن هذا العام تحديدًا كان يستحق من السعودية قدرًا أكبر من التعقل ومراجعة النفس بل والتضرع واللجوء إلى الله ليكشف عنهم غمة لا يُقدرون حجمها ولا تداعياتها من هول ما هم فيه من سكرة وذهول {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43].

وكيف بالألعاب النارية أن تُطلق في السماء، والدفاعات السعودية لم تتوقف عاجزة أمام الصواريخ الباليستية للحوثي، وكيف تنطلق الاحتفالات في ساعات الحصار، وكيف يرقصون وسط الجرحى والمكلومين؟!

«يوم وطني» يُطل، والسياسة السعودية عاجزة كل العجز عن الدفاع عن أمنها القومي، ومجاميعها التي ربتهم هي والإمارات العربية المتحدة، «لواء العمالقة»، و«درع الوطن»، و«المقاومة الوطنية»، تعجز مجتمعة أن تصد صائل عدوهم، وتنكفئ من موقع عسكري إلى آخر متأخر، وتخلي كل يوم موقعًا.

ويحتفل الدهماء، وإخوانهم في الحكم يمدونهم في الغي ثم لا يُقصرون، بينما تقترب الحدود السعودية من أن تكون مكشوفة بعد أن استبيحت سماء السعودية وبحرها من ميليشيا كان لمن سبق من الحكام «فضل» في توحشها هكذا!

ولا نقرأ في صفحات التاريخ غير ما نشاهده من صور الغافلين الهازلين في وقت الجد، الذين يضيعون ميراث الأجداد، وهم يتعاهدون أمام الشعب على الوفاء لتراثهم وقيمهم ونضالهم الطويل!

فلا سبيل لديهم من مراجعة سلوكهم المعوج وأفكارهم المريضة وأحوالهم البائسة إلا بذر للرماد في العيون، وليته من طريق المراجعة وإنما من زوايا الاضطرار، فحين ألغوا «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» هذا العام، فما هم فعلوه تضرعًا وتبتلًا وتوبة إلى رب العباد الذي يمنحهم النصر إن أطاعوه، وإنما فعلوا ذلك لما خافت الغواني من الحضور إلى جدة وقت الحرب وسقوط الصواريخ، فاعتذروا إليهن خانعين، متعهدين بتعويضهن عن «كافة الالتزامات المالية»، مؤكدين أنه مجرد تأجيل لا إلغاء تام، لأننا “سنعود إلى الكبائر متى تيسر ذلك يا رفاق المعاصي والذنوب”!