الملف المغيَّب: الشيخ مقبل الوادعي، وآراؤه السياسيّة (2/7)

وعي الشيخ بفساد الحكومات والأنظمة

 

في مطلع هذه المقالة: أنبه إلى أنَّ جميع الاستشهادات المنقولة فيها مأخوذة من كتب الشيخ المطبوعة، وكثيرٌ من هذه الكتب هي في الأصل محاضرات ودروسٌ فُرغت وتحولت إلى كتبٍ بإذن الشيخ، وهذا سبب ما قد يظهر في بعضها من ضعف الأسلوب.

وثمّة أمرٌ آخر ننبِّه عليه، فجميع ما سيُذكَر هنا إنما هو رصدٌ وتوثيقٌ تاريخيٌّ لآراء الشيخ، وليس المقصود مناقشة تلك الآراء وتصويبها أو تخطئتها؛ إذ الغرض هنا من هذه السلسلة بيانُ بُعد الشيخ ومخالفته الكبرى لطريق غلاة الطاعة.

مواقف الشيخ السياسية:

ذكرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة أنَّ الشيخ مقبلًا كان يعيب على الجماعات الإسلامية-وعلى رأسها الإخوان المسلمون-الاشتغال بالعمل الحزبي والمشاركة في الانتخابات والمجالس النيابية، وكان يُحرِّمُ ذلك ويشدد فيه، إلا أنَّه لم يكن ينطلق في موقفه هذا من عزوفٍ عن الشَّأن السياسي، أو من ولاءٍ لأنظمة الحكم، بل كان موقفًا مبنيًّا على رؤيةٍ خلاصتها أن التحزُّب عملٌ بدعي يفرق جماعة المسلمين، ويؤثر في ولاءاتهم، ويُفقِد المتحزِّب استقلال رأيه وفكره، وكان يرى أن العمل في المجالس النِّيابية لا مصلحة منه، باعتبار أنَّ (مجلس النوّاب مجلسٌ طاغوتيٌّ في أي بلدٍ كان) [فضائح ونصائح ص52]، ولهذا أثنى على الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق المصريِّ لما رآه يصف الدستور الكويتي بأنه (دستورٌ طاغوتي)، وقال: (مثل هذا يُشكر عليه). [غارة الأشرطة 1/287]، قال الشيخ مقبلٌ هذا رُغم أنه كان شديد الانتقاد للشيخ عبدالرحمن عبد الخالق.

وكان الشيخ مقبلٌ يعيب على الإسلاميين التشاغل بتصحيح القوانين والدساتير، لأنَّ هذا في رأيه عملٌ لا جدوى منه، وكان من رأيه أنَّ (الدستور إنْ رجحت كفة أهل الخير فسيبقى حبرًا على ورقٍ! وإن رجحت كفة الشيوعيين لا قدر الله، فلن يقنعوا بما في الدستور، بل يذبحون الإسلاميين ذبحًا!). [كتاب غارة الأشرطة 1/272].

وكان الشيخ يرى أن الانتخابات مجرَّد ألعوبةٍ وممارسةٍ شكليَّةٍ، ومن كلامه في هذا قوله: (لا يُحتاجُ إلى هذه الانتخابات، فالرئيس قد أُعِدَّ، ونائب الرئيس قد أُعِدَّ، ووزير المالية قد أُعِدَّ، ووزير الداخلية قد أُعِدَّ، ووزير الزراعة قد أُعِدَّ، فكل شخصٍ جاهزٌ لمركزه، وقد وعدوهم من قبل هذه الانتخابات، ولكنهم يضحكون على لِحَاكُم!). [غارة الأشرطة 1/287].

لكنْ لا ينبغي أن يُفهَم من هذا كلّه أن الشيخ كان بعيدًا عازفًا عن الشأن السياسي، فالشيخ كان حاضرًا وفاعلًا في هذا المجال من خلال فتاواه ومحاضراته، وله في ذلك مواقف مشهورةٌ، من أظهرها موقفه من الوحدة بين اليمنين الشمالي والجنوبي؛ ففي أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، كان اليمن-منذ استقلاله عن بريطانيا-منقسمًا إلى دولتين: اليمن الشَّمالي تحت حكم علي عبد الله صالح، واليمن الجنوبي الذي كان يحكمه الحزب الاشتراكي بقيادة علي سالم البيض، وكانت هناك محاولات من علي عبد الله صالح لتوحيد اليمنين تحت سلطته، وكان الشيخ مقبل الوادعي حينها يهاجم هذا المشروع الذي تتبنَّاه الدولة، وكان يعلن هذا ولا يخفيه، ولم يكن عنده شيءٌ اسمه (ولي الأمر أعلم بالمصلحة، أو تحريم الإنكار العلني)، بل كان يرفع صوته بمعارضة على عبد الله صالح في السعي إلى وحدةٍ مع الحزب الاشتراكي الجنوبي، وكان يصف ذلك الحزب وقادته بالشيوعيين، وله فتوى صوتية طبعت مستقلة بعنوان: (فتوى في الوحدة مع الشيوعيين)، ذكر فيها أن (الوحدة اليمنيَّة باطلةٌ)، وكان يقول: (أما الوحدة مع الشيوعيين فتعتبرُ كفرًا). [المصارعة ص473].

وعي الشيخ بفساد الحكومات:

من العلامات الفارقة بين الشيخ وبين من ينسبون أنفسهم له من غُلاة الطاعة، أنه كان نائيًا بنفسه عن موالاة الحكومات ومدحها والتورُّط في مشاريعها ومؤسساتها، وكان مدركًا كثير التنبيه على أثر أنظمة الحكم في تضييع أهل الإسلام والتآمر عليهم، وكان يعيب على الداعية الذي يجعل من نفسه مطيةً للحُكَّام، وكلامه في هذا كثير مستفيضٌ، فمن ذلك قوله: (حكومات المسلمين كلها متآمرات على الدعاة إلى الله). [فضائح ونصائح ص102].

ولما طُلِبَ منه أن يوجه نصيحةً للشباب، لخص نصيحته في نقاطٍ ذكر في السادسة عشرة منها: (الحذر من تكييف الحكومات والعلماء الرسميين للدعوة، فإن الحكومات حريصةٌ على إذابة الدعوات الإسلامية)، وذكر في التاسعة: (الدعاء على الظلمة أنْ يزلزل الله أقدامهم، وأن يولي على المسلمين خيارهم). [المصارعة ص100، ص104]

ولما سُئل: ما مهمة الدُّعاة والعلماء وطلاب العلم التي يريدها الله منهم، وما هو واجبهم تجاه الأمة؟ أجاب: (النصح للمسلمين…وبيان ما عليه الحكومات من الفساد ومخالفة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله سلم). [غارة الأشرطة 1/178]

وكانت هناك محاولات من علي عبد الله صالح لتوحيد اليمنين تحت سلطته، وكان الشيخ مقبل الوادعي حينها يهاجم هذا المشروع الذي تتبنَّاه الدولة، وكان يعلن هذا ولا يخفيه، ولم يكن عنده شيءٌ اسمه (ولي الأمر أعلم بالمصلحة، أو تحريم الإنكار العلني)، بل كان يرفع صوته بمعارضة على عبد الله صالح في السعي إلى وحدةٍ مع الحزب الاشتراكي الجنوبي، وكان يصف ذلك الحزب وقادته بالشيوعيين، وله فتوى صوتية طبعت مستقلة بعنوان: (فتوى في الوحدة مع الشيوعيين)، ذكر فيها أن (الوحدة اليمنيَّة باطلةٌ)، وكان يقول: (أما الوحدة مع الشيوعيين فتعتبرُ كفرًا). [المصارعة ص473].

وكان يذم العاملين في المباحث، ويوصي الدعاة والشباب بالانتباه والحذر منهم، وكان يقول: (لا يعمل في المباحث إلا واحدٌ من ثلاثة…: دينه لا يبالي به، والكذب لا يبالي به، ومروءته لا يبالي بها). [غارة الأشرطة 2/416]

ومع كثرة انتقاداته للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، إلا أنه كان يثني عليه ويعد من مآثره أنه بيَّن أن الشيخ محمدًا الغزاليَّ كان (عميلًا للحكومات، كلما أتَتْ حكومةٌ تملَّق لها حتى صار عميلًا لها). [غارة الأشرطة 1/287]

ومن أقواله: (أنا لا أدافع عن الحكومات، فربُّ العزة يقول في كتابه الكريم: [وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا]”. [تحفة المجيب ص192]

ومن أقواله: [أصبحت سياسات حكام المسلمين سياساتٍ متدهورةً في جميع البلاد الإسلامية، يريدون أن يرضوا الشيوعي والبعثي والناصري وشارب الخمر، يتلوَّنون ألوانًا…فهم يتلونون، وقد عرفهم الناس أنهم يتلوَّنون، فأصبح الشيوعي لا يثق بالحاكم، والبعثي لا يثق بالحاكم، والمسلم لا يثق بالحاكم، وصاحب الدنيا لا يثق بالحاكم، فسبيلهم أن يرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى). [إجابة السائل عن أهم المسائل 485]

وكان يقول: (مَقصَدٌ من مقاصد الحكومات أن تستضعف الشعوب، فربَّما يكون الرئيس عنده مليارات من الدولارات في سويسرا وفي البنوك، وبعد هذا يتابع الشعب حتى يفقر الشعب). [غارة الأشرطة 1/129].

ولما قيل له: نريد أن تذكر لنا الفرق بين الحكام المتقدمين وحكام عصرنا، وهل كان في عصر الحكام المتقدمين قوانين وضعية؟ قال: (الفرق بين الحكام المتقدمين وحكام عصرنا كما بين السماء والأرض، لم يكن هناك قوانين وضعية، وإن كان وُجِدَ عند بعض الحكام ظلمٌ مثل الحجاج بن يوسف، ووجد عند العباسيين بعض الميوعة، لكن الفرق بينهم وبين المتأخرين كما بين السماء والأرض). [المصارعة ص74]

وفي جوابه عن سؤالٍ عن منهج السلف في معاملة الحكام قال: (الحكام لا يملكون أمورهم، ولكن الذي يملك أمر الحكام هي أمريكا؛ فهي تدعوهم إلى مؤتمر محاربة المتطرفين، والبطل فيها من قام وقال: أبيدوا المتطرفين، فالحكام مساكين، لا يملكون أمرهم)، وقال: (حكامنا ليسوا كحكام بني أمية والعباسيين، وإن كان قد وجد في بني أمية من يشرب الخمر، ومن يستمع القينات، ومن لا يبالي بالرعايا، لكن إذا دهم أعداءُ الإسلام بلاد المسلمين قام كالأسد، مثل الرسالة التي بعث به الرشيد إلى ملك الروم يقول فيها: من هارون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع. ونحن في هذا الوقت: الجواب ما تسمع من الإذاعة: إسرائيل، إسرائيل، وهم معها في الباطن). [تحفة المجيب ص91]

أما رأيه في عساكر وجيوش الدول الإسلامية، فكان يقول: (الحقُّ أنّ الجيوش في البلاد الإسلامية عبارة عن مجموعة من الوحوش، فماذا عملوا للإسلام؟ فهم الذين نصروا أتاتورك على ضرب الإسلام، وهم الذين نصروا الطاغية جمال عبد الناصر على ضرب الإسلام بمصر، وهم الذين نصروا الشاذلي بن جديد على ضرب الإسلاميين بالجزائر، وهم الذين نصروا القذافي على إيداع المسلمين في السجون، وهم الذين نصروا زين العابدين التونسي على إيداع المسلمين في السجن…وهل لهم مواقف طيبة؟ لا. فمن الذي هزم روسيا من أفغانستان ودمرها؟ إنهم المجاهدون جزاهم الله خيرًا…ومن الذي كاد أن ينتصر في فلسطين؟ إنهم المسلمون كادوا ينتصرون حتى تآمرت عليهم الحكومات وخذلوهم، وإلا فقد كاد الإخوان المسلمون من المصريين أنْ ينتصروا على إسرائيل. من الذين نشر الاشتراكية بمصر؟ إنهم جنود الشر. ومن الذي نصر الاشتراكية في العراق وفي ليبيا وفي كثير من البلاد الإسلامية؟ أنهم جنود الشر…دع عنك أنَّ أكثرهم قاطعوا صلاةٍ، ودع عنك أنَّ كثيرًا منهم يتخرج من أمريكا أو من روسيا، ويرجع يعتبر المواطنين كراتين!). [غارة الأشرطة 1/460].

وفي إحدى محاضرته ورد على لسانه وصف المجتمع بأنه مجتمعٌ طاغوتي، ثم شرح ذلك وقال: (وفي قولنا: إن المجتمع طاغوتي، نعم هو طاغوتي، والمؤتمر الشعبي طاغوتي، وحزب الحق طاغوتي، فأي حزب يعترف بقرارات الأمم المتحدة وبالديمقراطية فهو طاغوتي). وحزب المؤتمر الشعبي الذي يصفه الشيخ بأنه حزبٌ طاغوتي هو نفسه الحزب الحاكم الذي كان يترأسه علي عبد الله صالح. [غارة الأشرطة 1/133]

هذه الآراء الشائعة في كتب الشيخ كافيةٌ لمباينته طريق غلاة الطاعة، والقليل منها كان من المفترض أن يكون كافيًا لأن يحشروه في زمرة الخوارج، لكنَّهم لا يفعلون هذا أبدًا، لأنّ مكانة الشيخ تجعل الصدام معه معركةً خاسرةً في الساحة السلفيّة!

وثمة تفاصيل أخرى لآراء الشيخ نعرضها في الحلقة الثالثة قريبًا إن شاء الله.