الميزان الطائش للزيارة «التاريخية»!

مرت ٢٤٠ عامًا على وقوع الحادثة البحرية الفريدة التي تتعرض لها البحرية الأمريكية. كان ذلك في ٢٥ يوليو ١٧٨٥م، أي بعد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن إنجلترا بتسع سنوات، حين استولى البحارة الجزائريون على سفينة أمريكية في البحر المتوسط، ثم ما لبثوا أن استولوا على إحدى عشرة سفينة أمريكية أخرى، وساقوها إلى السواحل الجزائرية.

وأُجبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن توقيع اتفاقية بعد ذلك بعشر سنوات، مع الوالي الجزائري للدولة العثمانية تدفع بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية جزية سنوية للجزائر، بخلاف ما قدمته من آلات ومهمات حربية مصحوبة بهدايا قيمة.

وقد وقع الاتفاقية في عام ١٧٩٥، أشهر آباء الولايات المتحدة الأمريكية المؤسسين لها، أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية جورج واشنطن مع بكلر حسن والي الجزائر، بمقتضاها تدفع إلى الجزائر على الفور ٦٤٢ ألف دولار ذهبي، و١٢٠٠ ليرة عثمانية، وذلك مقابل أن تطلق الجزائر سراح الأسرى الأمريكيين الموجودين لديها، وألا تتعرض لأي سفينة أمريكية تبحر في البحر المتوسط أو في المحيط الأطلسي..

وبعد ثمانية أعوام طلب والي طرابلس زيادة تلك الجزية فماطل الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون، فاصطادت بحرية طرابلس فرقاطة فلاديلفيا البحرية الأمريكية التي جاءت لاستعراض القوة قبالة شواطئ طرابلس، وأسرت بحارتها البالغ عددهم ٣٠٨ بحارًا أمريكيًّا، فرضخت الولايات المتحدة الأمريكية ودفعت جزيتها عن يد وهي صاغرة.

يفخر الآن بعض الأتباع في وسائل التواصل بأن بلادهم ستدفع ما يفوق كل ما دفعه الكفار للمسلمين من جزى على مر العصور، في صورة «استثمارات» لا تدفعها الرياض إلا للولايات المتحدة الأمريكية، وكأن لا مجالات للاستثمارات في العالم إلا في هذه الدولة التي تمسك برسن هذا النظام الحلوب!

إن من الذلة أن يبيع هؤلاء للسذج والمغفلين تلك المهزلة على أنها اتفاقات لتقوية الجيش السعودي، واستثمارات لتنمية اقتصاده، لاهثين وراء وهم الحماية الأمريكية التي هي بحد ذاتها استسلام مهين لدولة كان يُفترض أن تدفع لها واشنطن الجزية لو أرادت وبنت نفسها مثلما فعل الأجداد الأعزاء!

يحشرون أنفسهم في زاوية مهينة، فإما أن تحمينا واشنطن أوتتخطفنا الطير! إما أن نوقع اتفاقًا كما فعلت الدوحة ونحظى بحماية كاملة موهومة أو سنتأخر عن الركب! أما أن نسبق القاهرة في تصنيف الجيش العربي الأقوى أو سنخسر تلك المكايدة العبثية الحمقاء بين الدولتين الجارتين!

إما أن نحصل على طائرات F35 أو سنتأخر في سباق التسلح! والجميع مدرك، الصغير قبل الكبير أن الدول تتحكم في كل الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي، بل والمدرعات والآليات، متى أرادت ذلك، بعد بيعها، وأنها يمكنها تعطيل ما شاءت من الإمكانات أو تشغيلها في الوقت الذي يناسبها، وأن بإمكانها تحويل تلك الأسلحة إلى خردة إن أخل المشتري بالاتفاق، بل لو فكر مجرد التفكير في أن يستخدمها فيما لا يُرضي البائع!

القاصي والداني يعرف هذه المعلومة، ولست أنا وحدي من يعلمها! فلماذا إذن تلك الهرولة؟!

يفخر الآن بعض الأتباع في وسائل التواصل بأن بلادهم ستدفع ما يفوق كل ما دفعه الكفار للمسلمين من جزى على مر العصور، في صورة «استثمارات» لا تدفعها الرياض إلا للولايات المتحدة الأمريكية، وكأن لا مجالات للاستثمارات في العالم إلا في هذه الدولة التي تمسك برسن هذا النظام الحلوب!

ووالله لو أن هناك من يُحاسب على هذه التريليونات المهدرة، وعلى الفرص الضائعة لساءل هؤلاء عن عشرات السنين الذاهبة هباءً دون أن تبرز السعودية بمنتجات مصانعها العسكرية! فكيف تمضي كل هذه السنين وهذه الأموال من دون أن تُفكر السعودية في صناعة كامل سلاحها بنفسها؟! هل ينقص مهندسوها العقل؟ لا والله. هل ينقصها المال؟ مطلقًا. هل تفتقر إلى العمالة؟ أبدًا. هل يعوزها الحلفاء؟ بالمرة.. لا ينقصها سوى الإرادة والرغبة في الاستقلال والعزة والكرامة.