الذين يعادون شعوبهم، يظل هاجسهم الأكبر في ثورة شعوبهم عليهم، فتتضاءل لديهم الأخطار الخارجية، ويهملون الإستراتيجيات، ويفرطون في الأمن القومي؛ فلا يخشون عدوًّا سوى شعوبهم. وعليه؛ فالجيوش عندهم مجرد واجهة، أو خزان احتياطي للشرطة حين تفشل في قمع غضبات الشعوب!
أما الأجهزة الأمنية، من شرطة واستخبارات داخلية فهي عماد حكمهم، لأنهم لا يتخذون خصمًا لهم بالخارج إلا من يخشون أن يمد يديه لمعارضيهم لا من ينازلهم بقوة السلاح، وحتى استخباراتهم الخارجية، المنوط بها كشف والتحذير وإحباط الأخطار الخارجية، فمعظمها موكولة بمراقبة المعارضين في الخارج، حيث تمتلئ سفارات تلك الدول بالجواسيس من الأصناف والأشكال كافة، بدءًا من الطلاب ومبتعثي الدراسات العليا، وانتهاء بضباط الأمن المتنكرين في كل الأنشطة المحيطة بالمعارضين، مرورًا بالإعلاميين وعمداء الجاليات في الخارج!
كل المخاطر عند الجالسين على العروش في بلداننا العربية هي من «الثورة» أو «الانقلابات العسكرية»، أما أعداء البلاد الحقيقيين، فقد انقلبوا عندهم «حلفاء» و«أصدقاء»، ما دامت أمريكا قد ارتضتهم لهم كذلك!
فأما «الانقلابات العسكرية» فمأمونة الجانب ما دامت قلوب ساكني القصور معلقة بالبيت الأبيض، تهفو إليه أفئدتهم، متبارين في نيل رضاه وتحقيق رغباته، فالمسألة محسومة في نظرهم، إذ إن أقصى ما سيقدمه «الانقلابيون» من قرابين الولاء والعبودية، سيتكفلون هم بتسديده سلفًا بدلًا عنهم، فلا حاجة للفارس أن يغير مطيته حينئذ.
أما «الثورة» فمرعبة للأنظمة الظالمة، وهي لا تجد لها ترياقًا إلا بتفكيك كل الروابط الشعبية التي يمكن أن تكون بذرة للثورة، وبؤرة تتجمع حولها الجماهير الغاضبة، ولهذا” فإن هذه الأنظمة تعمل على إفشال كل رابطة جامعة للشعوب، أو احتوائها واستقطابها بدلًا من ذلك؛ فهي إما أن تحظر كل الجماعات الإسلامية، والأحزاب السياسية، والقوى المجتمعية، والهيئات المهنية، والأواصر القبلية والعشائرية، أو تبقيها ضمن حدود الأمان والاستئناس.
كل المخاطر عند الجالسين على العروش في بلداننا العربية هي من «الثورة» أو «الانقلابات العسكرية»، أما أعداء البلاد الحقيقيين، فقد انقلبوا عندهم «حلفاء» و«أصدقاء»، ما دامت أمريكا قد ارتضتهم لهم كذلك!
ولأجل أن لا ينضم الشباب إلى تلك التجمعات، دعوية أكانت أم سياسية؛ فإن الأنظمة تمارس سياسة الاحتواء من جهة، ومن جهة ثانية تجفف منابع الانضمام لهذه الروابط والتجمعات، وهذا التجفيف يُمارس بعدة آليات، من بينها إلهاء الشباب بإشغاله، وفي معظم الوقت يكون ذلك بإغراق الشباب والمجتمع برمته في الشهوات، وفي بعض الأحوال يتم الإلهاء بإدخال الشباب ضمن دوامة التحصيل الدراسي المكثف غير الهادف، ثم الدخول في دوامة الشقاء والبطالة والبحث عن لقمة العيش بشق الأنفس!
«سياسة الإلهاء» تلك مجدية، وحققت نجاحات كثيرة، لكن معظم الأنظمة الاستبدادية تجهل أنها لا توفر لها حصانة من النهايات غير المتوقعة. ولأن معظم الحكام المستبدين لا يتدبرون القرآن، ولا يتأملون في صفحات التاريخ الكاشفة؛ فإنهم يظلون في عمىً يحجبهم عن رؤية الحقائق الواضحات، والحجج الدامغات.
أما «الثورة» فمرعبة للأنظمة الظالمة، وهي لا تجد لها ترياقًا إلا بتفكيك كل الروابط الشعبية التي يمكن أن تكون بذرة للثورة، وبؤرة تتجمع حولها الجماهير الغاضبة، ولهذا” فإن هذه الأنظمة تعمل على إفشال كل رابطة جامعة للشعوب، أو احتوائها واستقطابها بدلًا من ذلك؛ فهي إما أن تحظر كل الجماعات الإسلامية، والأحزاب السياسية، والقوى المجتمعية، والهيئات المهنية، والأواصر القبلية والعشائرية، أو تبقيها ضمن حدود الأمان والاستئناس.
أرشد القرآن إلى أن أممًا كثيرة ممن بغت وظلمت وغرقت في الشهوات واللهو والإلهاء لم تُسقطها «الثورات» الداخلية، بل لقد كانت الشعوب مع الأنظمة «لُحمة واحدة»، وكانت «الجبهة الداخلية» متماسكة، والأنظمة «مستقرة»، لكنها حين عتت عن أمر ربها جاءها الهلاك من فوق سبع سماوات، فلم يُغن عنها تماسكها ولا لُحمتها.
وقاد التاريخ إلى الاعتقاد بأن كثيرًا من الأمم الغارقة في الشهوات وإلهاء الشعوب بالملذات ومناكفة العلماء ومصادرة الدعوات الإصلاحية، أسقطها الأعداء بسهولة، ولو اعتصمت بصداقات دول طامعة، وما الأندلس وفرنسا بالحرب العالمية الثانية عنها ببعيد!
ولأنه، كما قلنا، لا يدرك الحكام الظلمة هذا ولا ذاك؛ فإنهم يظلون سادرين في غيهم، ظانين بأن تمييع شبابهم، ومحاربة الدعاة وأهل الخير، والاتقاء بأمريكا وغير أمريكا كفيل ببقاء عروشهم، جاهلين بسنن الله في الأمم والشعوب، التي لا تُدع طريقًا آخر لتلك النظم الغافلة الظالمة اللاهية إلا السقوط الحر في أقرب اختبار!
وعند أي تحدٍ خارجي سوف لن تجد أي مقاومة تُذكر من شعوبها، ولا من جيوشها الغارقة كسائر الشعب في اللهو والترهل.. فالحكام الجهلة يتخيلون أنهم بتنحية أهل الرأي وأولي الألباب، وإلهاء الشعوب سيبقون آمنين على كراسيهم وعروشهم، ولا يدرون أنهم يدقون بأنفسهم مسمارهم الأخير في نعش ملكهم الزائل.
وقاد التاريخ إلى الاعتقاد بأن كثيرًا من الأمم الغارقة في الشهوات وإلهاء الشعوب بالملذات ومناكفة العلماء ومصادرة الدعوات الإصلاحية، أسقطها الأعداء بسهولة، ولو اعتصمت بصداقات دول طامعة، وما الأندلس وفرنسا بالحرب العالمية الثانية عنها ببعيد!
يتوهم هؤلاء، ومنهم حكام الخليج أن تسول الحماية من الولايات المتحدة في شكل اتفاقات دفاعية مميزة يعصمهم من زوال ملكهم، لأنهم جهلوا سنن الله في هذا الكون العريض، أفلم يأتهم أنباء من قد سبق، بل ألم يأتهم أنباء من قد عاصروا؟!
نبأ الشيخ خزعل بن جابر الكعبي، حاكم إمارة الأحواز، أول دولة عربية انفجرت فيها آبار النفط قبل مائة عام تمامًا، الذي اطمأن لعلاقته ببريطانيا فلم تبعه لشعبه بل لعدوه الفارسي!
أو نبأ جمشيد بن عبدالله آخر سلاطين زنجبار من أسرة البوسعيد، الذي وافته المنية العام الماضي في بريطانيا التي غدرت به عام ١٩٦٣؟!
إنها نماذج لا تتوقف لأخطار دمرت بلداننا فككت قوة شعوبها بنفسها خشية من ثوراتها فوافاها أجل حكمها من «الحلفاء» أو جاءها أمر من الله لا يُِرد.