ذا لاين وشهادة الواقع!  

لم يشهد العالم مشروعًا جريئًا مثل  “ذا لاين” في قلب الصحراء داخل نيوم. مشروع قُدّم للعالم على أنه معجزة هندسية يعيد تعريف مفهوم المدن!  وُصف بأنه قفزة للبشرية نحو المستقبل، لكنه اليوم يقف شاهدًا على غير ذلك : حيث تحول الحلم إلى وهم بفعل الغرور والاستبداد!

لم يكن ما كشفته صحيفة فايننشال تايمز مجرّد تقرير اقتصادي، بل وثيقة إدانة لعقل السياسي الذي يعيش خارج نطاق المنطق والواقع!  فقد أظهرت بعض التحقيقات أن فكرة “الثريا المعلقة” — مبنى من 30 طابقًا معلق فوق ميناء محفور في الرمال — كانت مستحيلة علميًّا، وأن مهندسين ومعماريين حذروا من أن قوانين الفيزياء لا تسمح بذلك! وقال أحدهم لمدير المشروع: هل تدرك أن الأرض تدور؟ وأن الأبراج تتمايل؟  لكن الرد لم يكن مراجعةً هندسية، أو تصحيحًا عمليًّا!   بل إصرار سلطوي على أن الإرادة ستتفوق على الطبيعة!

وفي واحدة أخرى من أكثر اللحظات كاشفةً في قصة المشروع، سأل أحد المهندسين المدير التنفيذي وهو يعرض التصاميم المعلقة في الهواء: “حين تُفرّغ مياه المراحيض، إلى أين ستذهب؟” سؤال بسيط بديهي، لكنه اصطدم بعقلٍ لا يرى إلا الهيمنة على الطبيعة! حيث جاء الجواب العجيب : “لقد حللنا ذلك… سنستخدم مئات العربات المتحركة ذهابًا وإيابًا لالتقاط مياه الصرف على جسور قابلة للسحب”!!!!

بالمثال أعلاه تتجلى صورة مكثفة من مأساة الاستبداد حين يخاصم الواقع: فبدل أن يُراجع نفسه أمام قانون الجاذبية، يحرق المال والإنسان لمعاكسة الكون ! إنّها ليست مجرد مسألة هندسية، بل مظهر من مظاهر العمى حين يتحول القرار إلى مرجعٍ فوق العقل والعلم، وحين يعامل الخطأ كقدر لا يناقش.

وهنا يتبدّى أول درس: أن الاستبداد لا يخطئ في التفاصيل والتطبيق فقط، بل في مفهوم الكون نفسه، فهو يظن أن الواقع يُقاد كما يقاد موظفو الدولة ومواطنوها!  وأن الأرض ستخضع لإرادته وخياله! هذه الذهنية ليست هندسية ولا علمية، بل ثمرة نظام لا يعرف النقد إلا بوصفه خيانة وخروجًا وفتنة ، ولا يرى في التحذير إلا تشاؤمًا وتحجرًا .

وفي واحدة أخرى من أكثر اللحظات كاشفةً في قصة المشروع، سأل أحد المهندسين المدير التنفيذي وهو يعرض التصاميم المعلقة في الهواء: “حين تُفرّغ مياه المراحيض، إلى أين ستذهب؟” سؤال بسيط بديهي، لكنه اصطدم بعقلٍ لا يرى إلا الهيمنة على الطبيعة! حيث جاء الجواب العجيب : “لقد حللنا ذلك… سنستخدم مئات العربات المتحركة ذهابًا وإيابًا لالتقاط مياه الصرف على جسور قابلة للسحب”!!!!

تروي الشهادات في نيوم، أن القرارات تُبنى على الرسوم لا على الدراسات، على الإعجاب لا على الجدوى! قال أحد المخططين: كنا نرسم الخيال ثم نكلف الآخرين بجعله ممكنًا!  وهذه الجملة وحدها كفيلة بتلخيص مأساة الحكم حين يختلط الحلم بالهوى، والطموح بالتسلّط!

إن الحلم العمراني لا يُدان لذات الحلم، فالدول تُبنى على الطموح، لكن الكارثة أن الطموح حين يُحتكر يتحول إلى مقامرة بأموال الدولة ومصيرها. وحين يغيب صوت المحاسبة والمشورة، لا يبقى في الساحة إلا تصفيق المأمورين وخوف الكفاءات.

تقديرات المشروع الأولى كانت 1.6 تريليون دولار، ثم ارتفعت إلى 4.5 تريليون!!  — أي ما يعادل الناتج المحلي لألمانيا تقريبًا. ومع ذلك، كانت القرارات تصدر من الأعلى دون رقابة مالية أو تدقيق فني مستقل! كما ذكر التقرير أن الاجتماعات كانت تدور في أجواء يرى فيها الكل العيب والعري، لكن لا أحد يجرؤ على الكلام!

وهنا يتبدّى أول درس: أن الاستبداد لا يخطئ في التفاصيل والتطبيق فقط، بل في مفهوم الكون نفسه، فهو يظن أن الواقع يُقاد كما يقاد موظفو الدولة ومواطنوها!  وأن الأرض ستخضع لإرادته وخياله! هذه الذهنية ليست هندسية ولا علمية، بل ثمرة نظام لا يعرف النقد إلا بوصفه خيانة وخروجًا وفتنة ، ولا يرى في التحذير إلا تشاؤمًا وتحجرًا .

هنا يتجلى الوجه الأخطر لغياب الحكم الرشيد،  ليس في الخطأ الاقتصادي فحسب، بل في قتل وحصار الحقيقة داخل المؤسسات. حين يُخاف من الصراحة أكثر من الفشل، تولد المشاريع ميتة قبل أن ترى النور!

أُزيلت قرى بكاملها، وسُجن أبناء قبيلة الحويطات لأنهم رفضوا التهجير القسري، وقُتل عبد الرحيم الحويطي رحمه الله وهو يدافع عن بيته وملكه! والنتيجة؟! بعد كل هذا القمع، تُختصر المدينة التي قيل سيسكنها  تسعة ملايين إلى ثلاث وحدات فقط!!، بعد أن تبخرت عشرات المليارات في الرمال و صفر نتيجة!

إنها مأساة وكارثة وطنية مزدوجة: ظلم الإنسان، وهدر المال العام؛ وجهان لاستبداد واحد يرى أن الأرض وما عليها مُلك لفرد واحد، يفكر ويقرر ويأمر وحده ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون!

وفي منظور الشريعة هذا النوع من الانفراد بالقرار دون شورى هو عين مخالفة ما أمر الله به  في قوله: {وشاورهم في الأمر}؛ فالمشاورة ليست ترفًا إداريًّا، بل ضمانة إلهية لئلا يتحول الحكم إلى عبث، والمال العام إلى مغامرات وتجارب لإرضاء غرور الحاكم!

وحين تغيب الشورى والمحاسبة تنشأ ظاهرة الأمان من العقوبة، وهي التي وصفها ابن خلدون بأنها أصل الفساد في الدول، إذ يقول: الظلم مؤذن بخراب العمران. فالمبذر حين لا يُسأل، والمخطئ حين لا يحاسب، يستمر بالإنفاق من خزائن الشعب من لا يخاف الحساب!

ومشروع “ذا لاين” ليس حادثة فريدة بل مرآة لأجواء وبيئة أصبح هذا ديدنها. بيئة سمحت بصرف المليارات على حفلات المصارعين والمغنيين بينما يعاني شباب الوطن من البطالة وغلاء السكن! المناخ ذاته الذي يرى في الاستعراض الخارجي وسيلة لتلميع السلطة بدل بناء الداخل.

إن المال العام اليوم يدار كأنه رصيد شخصي لا كأمانة شعب، وهذه هي الكارثة التي لم تستوعبها بعد كثير من العقول المأسورة بالدعاية، وإن ما نراه من بذخ على الترفيه وفعاليات الترف والمباريات العالمية ليس ازدهارًا، بل ستار دخان يخفي فشل الإدارة وتآكل المؤسسات.

وفي التاريخ السياسي حين تنفصل السلطة عن الرقابة، تتحول الدول إلى مشاريع فردية تتناوبها الأحلام الشخصية. يُشرع في مشروع حالم ضخم، ثم يترك بعد حين، ثم يبدأ آخر. وهكذا يُستهلك الوطن كحقل تجارب لأمزجة الحاكم الذي لا يُسأل ولا يحاسب.

الذين عملوا في نيوم قالوا إنَّ كل تحذير كان يقابل بالتجاهل! وإن كل اعتراض كان يعتبر سلبية!! حتى حين صرّح أحد المهندسين بأن حجم الخرسانة المطلوب يتجاوز إنتاج فرنسا السنوي لم يُغيّر ذلك شيئًا! لأن الحقيقة في الأنظمة المغلقة لا تملك وزنها إلا إذا نطقت بها السلطة نفسها!

إن ما حدث في نيوم ليس مجرد سوء إدارة أو خسارة صفقة تجارية، بل اختطاف لمفهوم الدولة، الدولة التي تُدار بالهوى والأحلام لا بالقانون، والتي تبني المجهول والخيال وتهدم المعروف والواقع. دولة تصادر أرض مواطن وتقتله وتسجن غيره لتبني مدينة خيالية للأجانب!! وتحتفل بمشاريع الابتكار وتملأ سجونها بالمفكرين والعلماء والاقتصاديين الصادقين وأصحاب الكلمة الصادقة.

ومشروع “ذا لاين” ليس حادثة فريدة بل مرآة لأجواء وبيئة أصبح هذا ديدنها. بيئة سمحت بصرف المليارات على حفلات المصارعين والمغنيين بينما يعاني شباب الوطن من البطالة وغلاء السكن! المناخ ذاته الذي يرى في الاستعراض الخارجي وسيلة لتلميع السلطة بدل بناء الداخل.

وحين ينهار مشروع ذا لاين فهو لا ينهار هندسيًّا فقط، بل أخلاقيًّا أيضًا! لأنه يكشف أن غياب العدالة يبدد الموارد كما بدد الضمائر والفطرة والحقيقة العلمية، وأن المال الذي يُنفق بلا رقابة سينقلب على صاحبه لعنة سياسية واقتصادية واجتماعية!

هذه ليست تهمة أو تشاؤمًا وسوداوية، بل قاعدة من سنن الله في التاريخ: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد)، (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) .

إن أخطر ما في هذه التجربة ليس خسارة المال، بل الرسالة التي تبعثها إلى الشعوب: أن المخطئ لا يحاسب، وأن الاستبداد باقٍ ما دام الخوف في النفوس! وهذا الذي يطيل عمر الانحراف: أن يتحول المواطن من شريك  ومسؤول في الوطن إلى متفرج على قراراته يتحمل سيئات غيره!

لقد آن للوطن أن يستعيد توازنه لا عبر مشاريع الخيال بل عبر مشروع الحقيقة، دولة تُبنى بالمحاسبة، وتُدار بالشورى ويصان فيها المال العام كما تصان الدماء والأعراض.

وما فضحته الصحافة الغربية اليوم عن ذا لاين ليس إلا جزءًا يسيرًا من مشهد أكبر لم يكشف بعد. فما أكثر المشاريع التي لم تكتبها فايننشال تايمز ولم تصل إليها الكاميرات، لكنها تلتهم أرزاق الناس و مستقبلهم بلا حسيب ولا رقيب!

فإن كان هذا حجم الهدر في مشروع واحد تحت الأضواء، فبالله عليكم كيف بما يجري في الظل وأروقة الجهات وجيوب المتآمرين؟!

وكيف بوطن تنفق ثرواته دون تمثيل شعبي حقيقي؟ أو قضاء مستقل يملك الجميع فيه حق التقاضي بجرأة واستقلال ؟  أو إعلام حر كعين ثالثة؟

لقد آن الأوان لأن يقال بصوت هادئ  حازم: إن الكرامة الوطنية واستقلال القرار وتميز الإنتاج لا يبنى بالزجاج والحديد، بل بالعدل والواقعية والمحاسبة، وإنّ أول إصلاحٍ في هذا الوطن أن نعيد إلى القرار عقله، وإلى المال أمانته، وإلى المواطن كرامته.

فلا يزال في هذه الأرض خير كثير، ولكنها بحاجة إلى من ينقذها من نزق المستبد لا من قوانين الفيزياء!