وظيفة العسكري خدمة الناس، ومن ذلك إنصاف مظلوم، وكفُّ ظالم … هذا هو الأصل وهكذا ينبغي أن ينظر إليه الناس، فهو مساعد لهم لا خصمًا عليهم.
والعسكر قطاعات إذا ما استثنيت قليلًا منها، فشأن من فيها كشأن مؤسسات الدولة الأخرى، فيها من أنواع الناس وألوان الشعب، وأخلاق أفرادها هي أخلاق شعب فيها العالي وفيها دون ذلك.
ومن البدهي أن ينفذ العسكري نظامًا، وأن يكون النظام قد وضع لمصالح الناس، لا لإذلالهم، ولا لضررهم، والنتيجة هي أن عمل العسكري في مصلحة الناس، أو هكذا يجب أن يكون، وما له من السلطة ففي حدود ذلك، ويجب أن يتقيد بحدوده.
لكن قد تقع أخطاء وتجاوزات، وطريقة تعامل الدولة معها تحد منها في المستقبل، أو تجعل منها سلوكًا ممنهجًا أو تهملها فتتكرر وتزداد.
وأزعم أن أخطاء القطاع العسكري عمومًا لا تعالج بشفافية وكما ينبغي، بل كثيرًا ما تهمل، وتحمل الجريرة الضحية، ولهذا تفاقمت..أما المؤسسات الأخرى فهي بحسب مرجعياتها وإداراتها.
ومن الأخطاء ما ينتشر بعضه وربما يخفى كثير منه! ولا تزال بين فينة وأخرى تروج مقاطع فيها تصرف أرعن عنيف من عسكري في حق مواطن أو وافد، يستخدم فيها من العنف والعدوان ما يظنه في حدود سلطته لإرغام مواطن أو وافد!
ولو كان ذلك في مداهمة أمنية لوكر عصابة أو مجرمين، أو في مطاردة بوليسية لمطلوبين بجريمة ظاهرة لهان الأمر، لكن الإشكال أن كثيرًا من ذلك في بيت الله الحرام، الذي قال الله عز وجل: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [سورة آل عمران، من الآية: ٩٧].
ومن العجائب أن ذريعة ذلك في الغالب مخالفة تنظيم وترتيب محلي في الحرم، غرضه ومقصوده تنظيم أمور المصلين وتسهيل أمورهم، فيأتي هذا ليهين من قصد التنظيم إكرامهم!
فبدلاً من أن يأخذ ذلك العسكري الأمور بيُسر، ويضع في اعتباره أن هذا الحاج أو المعتمر ممن نصب هو وإخوانه لخدمتهم، وأن حق زائر البيت الحرام الإكرام، يدخل في منافسة وتحدي وعناد، ولا يعنيه إذا تأذى الحاج، وروع المعتمر، وخوف أهله، واضطرب النظام أكثر في ذلك الموقف! ومن أمن العقوبة أساء الأدب.
ولا تقوم الأمور وتصلح الأخطاء بالإساءة. بل بالسوق اللطيف، والإغضاء، والكلمة الطيبة فإنها تنفع ذلك المعتمر أو الحاج الذي جاء معظمًا للحرم طالبًا المغنم لا المغرم، متكلفًا عناء الطريق، ومتكبدًا النفقة التي ربما أودت بمدخراته، ولاسيما الزوار من البلاد البعيدة. وإذا قدر أن الرفق لم ينتفع به المعتمر المخالف نفسه فسوف ينتفع بها آخرون حوله؛ فيلتزمون النظام ولا يقلدون المخالف.
وواجب العسكري أو فرد الأمن في كل بقعة، أن يستعمل الرفق ما أمكن، لكنه ألزم في حرم الله الذي نهينا فيه عن تهييج الحيوانات دع المسلم المُحرِم الحاج أو المعتمر!
وقد جاء في حرمة مكة في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّها لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كانَ قَبْلِي، وإنَّها أُحِلَّتْ لي ساعَةً مِن نَهارٍ، وإنَّها لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فلا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلَى شَوْكُها”، فهذا يقتضي أنك إذا وجدت طيرًا كحمام ألا تنفره وتؤذيه، فكيف تؤذي مسلمًا في حرم الله! فكيف بالمسلم المحرم! فكيف بالمحرم الراكع أو الساجد!
ولا تقوم الأمور وتصلح الأخطاء بالإساءة. بل بالسوق اللطيف، والإغضاء، والكلمة الطيبة فإنها تنفع ذلك المعتمر أو الحاج الذي جاء معظمًا للحرم طالبًا المغنم لا المغرم، متكلفًا عناء الطريق، ومتكبدًا النفقة التي ربما أودت بمدخراته، ولاسيما الزوار من البلاد البعيدة. وإذا قدر أن الرفق لم ينتفع به المعتمر المخالف نفسه فسوف ينتفع بها آخرون حوله؛ فيلتزمون النظام ولا يقلدون المخالف.
بل المشروع أن تغضي عمن أساء إليك، ولا سيما إن كان بحسن قصد، وهذا مطلقًا في الحرم وغيره، وهو في الحرم أشد، وفي حق المحرم أعظم.
وقد عرف ذلك الجاهلي قبل الإسلام، فقد كان الجاهليون يعوذون بالحرم فيعاذون، وكان الرجل في الجاهلية يلقى قاتل قرابته في الحرم فلا يسأله، وجاء عن ابن عمر وابن عباس كليهما أنه قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما هجته! وقال ابن جريج: وبلغني أن الرجل كان يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الكعبة، أو في الحرم، أو في الشهر الحرام فلا يعرض له!
فكيف ينحط بعض الجهلة عن رتبة الجاهليين! باسم هيبة النظام يخلون بمقصود النظام نفسه؛ فيسيؤون لمن وُضع النظام لإكرامهم!
وعلى كل حال لا يجوز أن يُقدَّم النظام على شرع الله، فيؤذى الحُرُم، والركَّع السجود بذريعة تنظيم وترتيب اجتهادي، وفي ساحات خارجية الأصل أن من سبق إليها أحق بها، فليس الكلام عمن اغتصب مكانًا في المسعى أو المطاف وأضر بالناس الذين هم أحق بذلك الموضع!
وكل عاقل يعلم أن هناك حدودًا من التنظيم يجب أن تفرض، وهذه في العادة لا يكابر المخالف إذا وجه فيها أو ألزم ولا يعترض. وهناك حدود يحسن أن تكون، وهي في أصلها قد وضعت لمصلحة الناس،ويجدر أن يلتزم الناس بها للمصلحة لا تخل بها المخالفة اليسيرة، بل لو حصلت مخالفة كثيرة لم تضر. فهذه قصارها أن تكون تحسينية، لا تفرض إجبارًا، وإن كان ينبغي أن يسعى لتحقيقها بألطف السبل.
والمهم هو أن النظام الذي وضع لمصلحة الناس، ليس من مصلحة الناس أن يؤذيهم العسكر بسببه!
حتى وإن قدر أن المصلحة في فرضه، فيفرض بحيث لا يتضرر أحد أو يذلُّ، فالكلام عن كيف يفرض؟ وكيف يتعامل مع المخالف؟ وبالأخص إذا كان المخالف مخالفًا بتأويل وهو راغب في الخير، لم يرد الإساءة.
والعسكري فرد ضمن جهة تنفيذية مأمورة، يجب أن يمثل جهته، وجهته العليا نفسها ليس من شأنها إصدار أحكام بعقوبات المخالفين، لكن وظيفتها الضبط، وتنفيذ ما تمليه الجهات الآمرة، والأصل أن تكون قضائية.
وإذا كان كذلك فدخول العسكري في مشادة وابتداؤه الاعتداء على فرد أو مواطن جريمة يجب أن يكون لها ردع صارم، حتى لا يسيء إلى مؤسسته، ويفتئت رجل النظام على النظام، ويشوه جهود إخوانه المحسنين في القطاع نفسه.
وكل عاقل يعلم أن هناك حدودًا من التنظيم يجب أن تفرض، وهذه في العادة لا يكابر المخالف إذا وجه فيها أو ألزم ولا يعترض. وهناك حدود يحسن أن تكون، وهي في أصلها قد وضعت لمصلحة الناس،ويجدر أن يلتزم الناس بها للمصلحة لا تخل بها المخالفة اليسيرة، بل لو حصلت مخالفة كثيرة لم تضر. فهذه قصارها أن تكون تحسينية، لا تفرض إجبارًا، وإن كان ينبغي أن يسعى لتحقيقها بألطف السبل.
وجهود كبيرة في خدمة الحرمين يمكن أن يشوهها تصرف أرعن من عسكري أساء ولم يحاسب.
وبعد فالمقصود التنبيه على أن للحرم حرمته، وللمحرم حرمته، وللأشهر الحرم حرمتها، وللإنسان حرمته، وللمسلم حرمته، فإذا اجتمعت تلك الحرم فليحذر من بيده سلطة من أن ينتهكها، وخير للعسكري المسيء أن يحاسب، وأن يكون مسؤوله شديدًا في محاسبته، يقتص منه في دنياه، فإن ذلك خير من أن يؤجل له الحساب غدًا بين يدي ملك لن تغني أمامه الرتب، ولا ما يسمى بهيبة الزي، أو الدولة أو النظام، وكل تلك الرسوم التي أحدثها الناس بالباطل، ورتبوا عليها أمورًا ليست في شرع الله عز وجل، ميزوا بها بين الناس، ولا تعرفها الدول التي تطمح إلى تحقيق العدالة بين مواطنيها…
ووالله لن يحفظ التجاوز عن تصرف أرعن لعسكري تجاه مدني هيبة دولة! بل ذلك سبب مقتها، وسقوطها من قلوب الناس، قبل سقوطها عند رب الناس، والظلم ظلمات، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [سورة البقرة، آية: ٢٨١].