اختيار الإمام بين العهد والتغلب والانتخاب!

مشهور في كتب الفروع والأحكام أن حكم الإمامة قد تثبت بالعهد وقد تثبت بالغلبة والقهر، وقد تثبت بالاختيار من قبل أهل الحل والعقد.

والضابط في كل ذلك كون المعهود له، أو الغالب، أو المختار أهلًا لأن يكون إمامًا، بشروط يسقط بعضها في حال الاضطرار لا الاختيار، وبعضها لا يسقط وهو الإسلام.

فلو عهد لكافر، أو غلب كافر، أو اختير كافر لم تصح إمامته.

ومن العجيب اليوم أن الحاكم إذا عرف بتوجه إسلامي سُعي في إسقاطه، كما حصل مع مرسي، وشرعن ذلك دعاة عدم الخروج على مثل السيسي!

وهذه ملاحظة جانبية، والمقصود هنا أمثل هذه الطرق هو الاختيار، ولكونه الأكمل أراده صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، فلم ينصبه بالنص الصريح على الصحيح.

وكان اختيار عثمان رضي الله عنه بمشورة الناس أبلغ في الحجة على الخارجين عليه، وأعذر له رضي الله عنه.

والنُظم الحديثة تجمع على أن الانتخاب هو أمثل الطرق اليوم لتعيين الحاكم، وهذا ملائم لأحكام الشرع، لا يعارضه، فالحاكم وكيل عن الأمة، يتصرف لها، فكيف يتوكل عنها من تأباه ولا ترضاه، أو لا يرضاه جمهورها وسواد الناس!

نعم ليست الانتخابات هي الشورى وقد تدخل آلياتها أشياء تخل بالاختيار، لكنها آلية تحقق نوعًا خاصًّا من الاستشارة، هي خير من الاستبداد بالعهد أو بالقهر في الجملة.. تخول الناس حقهم في اختيار من يدير أمورهم، ويتصرف بالنيابة عنهم. وهي تجمع رأي أهل الحل والعقد وتوسع دائرتهم، لا تحصرها في أصحاب الشوكة من حملة المدافع بل تجمع إليهم حملة الأقلام! وليست كما يصور بعض الناس أنها تسليط للرعاع الذين هم عندهم المجتمع! بينما الرعاع البرابرة في الغالب هم الذين يسمونهم بأهل الشوكة من حملة السلاح.

ومن أعجب الأمور أن يقدح في الولاية بالاختيار ومنه الانتخاب من يجوز ولاية المتغلب بإراقة الدماء! أو المستبد بالعهد! ثم يريد أن يتأول أهل الحل والعقد بهؤلاء! بينما العامة في الغالب تبع لمشايخهم ومفكريهم وعلمائهم.

وهذا القدح إنما هو دارج بين مشيخة أنظمتنا الملكية وما في حكمها، بل قد تكون شرًّا منها الأنظمة ديمقراطية الصورة، استبدادية الحقيقة.

وصنيع هؤلاء الشيوخ من جملة الدخول في هوى الملوك! يصورون الانتخابات وكأنها هي الديمقراطية الكفرية! وما هي من ذلك عند من عرف الديمقراطية وما تقوم عليه، وإنما هي آلية صالحة لأن يستخدمها المسلم والكافر، والبر والفاجر، وأصحاب العمل التجاري، وأصحاب العمل الديني، وهي ضرب من الشورى خاص كما أسلفت.

أما أبو بكر رضي الله عنه فإنما عهد لعمر رضي الله عنه لعلمه بتقديم الناس له، ولهذا انعقدت البيعة له بسلاسة لم يعرف مثلها في تاريخ الراشدين، دع مَن بعدهم! ولو لم يرضوا من عينه أبو بكر لكان لكثير منهم مقال.. وإنما نقل من مقالاتهم الموثقة الاغتباط والرضا.

والناس ليسوا بهائم ليقوم بأمرهم من لا يرضون أو يستشاروا فيه، وقد ذكر بعض المشايخ فرج الله عنهم أنه قد أنشأ بعض المثقفين في جدة ناديًّا سموه نادي البقر! يقول: ظننت أول الأمر أن المسألة محض تقليد لنادي الحمير الذي أسسه بعضهم في مصر!

ولكن الذي أعطاني بعض أوراق النادي، قال لي: إنهم سموه نادي البقر لأنهم قالوا: نحن مثل البقر لا أحد يستشيرنا ولا ندري عن شيء!

والشورى حق للمؤهل لها، والأمة ليست بقرًا ولا بهائم حتى لا تستشار ويعمل باختيارها! ولا سيما في من يلي أمرها، ويتصرف لها!

وهؤلاء المستبدون أنفسهم يستعملون مبدأ الكثرة فيما يوافق أهواءهم، فيشيد علماء بالسوء بحكمتهم! ويغفلونه فيما يخالف أهواءهم، فيشرعن علماء السوء ذلك الهوى!

ومن أعجب الأمور أن يقدح في الولاية بالاختيار ومنه الانتخاب من يجوز ولاية المتغلب بإراقة الدماء! أو المستبد بالعهد! ثم يريد أن يتأول أهل الحل والعقد بهؤلاء! بينما العامة في الغالب تبع لمشايخهم ومفكريهم وعلمائهم.

وأيًّا ما كان فينبغي أن يستحي من التشنيع عليها من يدافع عن شرعية الاستبداد بالعهد، أو شرعية المنتصب بالقتل والقهر لحيازة الملك! فلا ينبس في هذا وهو جار في الحاضر، حاصل في الغابر، الذي يعيش الناس آثاره، ويتوجه بالنقد لأمر هو خير منه، يدعى له، ولست ترى لها في أكثر بلدان المسلمين قيام، بسبب حرب المتحكمين المستبدين له، وتوظفيهم هؤلاء في التنفير عما فيه صلاح البلاد! وتولي الأكفاء!

ومما يدل على أن الأمة هي التي تختار أمراءها كما تختار أجراءها أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه شاور الناس في شأن علي وعثمان، حتى استشار ذوات الخدور، فكان سوادهم معه، وبذلك احتج على علي رضي الله عنهم.

ثم بعده اختار الناس عليًّا رضي الله عنه، ولم يكن عليه من الإجماع أو شبهه ما كان على عثمان رضي الله عنهما، وكفى الناس في عد ولايته شرعية بيعة الأكثر.

وحسبك في أن الأمر بالشورى وليس بالتعيين والوراثة أن رسول الله لم يعين أحدًا من أقربائه أو يورثه، مع أن في آله صلى الله عليه وعليهم أكفاء كالعباس وعلي رضي الله عنهما.

بل كان في حياته، وما يتصرف فيه لأمته يشاور أصحابه عملًا بقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [سورة آل عمران، من الآية: ١٥٩]، وفي مرسل الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: “لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله”، وهذا المعنى يُعلم من سبر السيرة أنه حق، كما استشار في أحد، واستشار في أسرى بدر، واستشار قبل ذلك في مخرجه إليها، واستشار في الخندق، واستشار في الأذان، هذا وهو الموحى إليه، وهو أكثر الناس حكمة وحنكة، وأسد الناس رأيًا وأكبرهم عقلًا، فكيف بمن دونه! وقصته يوم الحديبية عندما استشار إحدى أمهات المؤمنين معلومة مشهورة، صلى الله عليه وسلم.

وأيًّا ما كان فينبغي أن يستحي من التشنيع عليها من يدافع عن شرعية الاستبداد بالعهد، أو شرعية المنتصب بالقتل والقهر لحيازة الملك! فلا ينبس في هذا وهو جار في الحاضر، حاصل في الغابر، الذي يعيش الناس آثاره، ويتوجه بالنقد لأمر هو خير منه، يدعى له، ولست ترى لها في أكثر بلدان المسلمين قيام، بسبب حرب المتحكمين المستبدين له، وتوظفيهم هؤلاء في التنفير عما فيه صلاح البلاد! وتولي الأكفاء!

قال الطبري: “وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق وإرادةِ جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حَيْد عن هدى، فالله مسدِّدهم وموفِّقهم” [تفسير ابن جرير، ٧/٣٤٥].

وليس من شرط الشورى الإجماع، بل يكفي في ذلك الأكثرية.

والأكثرية فيما لا نص فيه معتبرة شرعًا، ولها أدلتها من فعل الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين.

أما عمل الراشدين فقد روى البخاري ومسلم أن عمر الله اختار مشورة مشيخة قريش على مخالفيهم من المهاجرين والأنصار، فرجع عن الذهاب للشام لما وقع بها الطاعون، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف بالنص موافقًا للأكثر.

وأما عمل المسلمين فقد اتفقت كلمتهم على صحة تنازل الحسن بن علي لمعاوية رضي الله عنهما، وسموا ذلك العام عام الجماعة، وكان فيهم كثير من الصحابة، ولم يلتفتوا إلى من خالف ذلك من أهل العراق.

وأما فقهاء الأمة فهذا أيضًا قولهم الراجح، وقد تخلف عن بيعة أبي بكر بعضهم، وتأخر بعضهم فلم يضر العدد القليل.

ومن اعتبار الكثرة أن علماء الحديث جعلوا الآحاد بالكثرة تجعل الحديث متواترًا، وإذا كثرت طرق الحديث قوته في الجملة.

والترجيح بالأكثر مما يستصحب عند علماء الأصول وغيرهم، إذا تساوت الأدلة.

وقل مثل ذلك عند علماء اللغة.

وعلى كل حال فتشريع إغفال رأي الأكثرين للجهلة المستبدين اليوم دليل قلة فقه، وعشى بصيرة، وقصور عن إدراك الواقع، والله المستعان.