ابن سلمان بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران
تواجه المملكة العربية السعودية اليوم تحديًّا إستراتيجيًّا هو الأعقد في تاريخها المعاصر، حيث تجد النخبة الحاكمة نفسها في تموضع حرج تحيط به المخاطر من كل اتجاه، وسط حرب أمريكية-إسرائيلية مفتوحة ومستمرة تهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني وإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط.
إن هذا التموضع المحرج، أو ما يمكن وصفه بـ«المأزق الإستراتيجي»، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لتآكل الخيارات الدفاعية المستقلة للمملكة، وتراجع فاعلية المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية التي اعتمدت عليها الرياض لعقود طويلة.
ولقد أدت السيولة السياسية الراهنة، وتحول النزاع الإقليمي من حرب بالوكالة إلى صدام مباشر وعنيف، إلى كشف الغطاء عن أزمة عميقة في صياغة الإستراتيجية العليا للدولة السعودية؛ إذ تجد المملكة نفسها عاجزة عن قيادة المشهد أو فرض شروطها، ومجبرة على المناورة الحذرة بين «مطرقة» الطموح الإسرائيلي المدعوم أمريكيًّا بغير حدود، و«سندان» المشروع الإيراني المسلح بشبكة معقدة من القوى الإقليمية العابرة للحدود. وفهم هذا الانكشاف يستلزم البدء من أول تحوّل هيكلي أخلّ بتوازن الموقف السعودي: تصدع وحدة البيت الخليجي من الداخل.
فأول التجليات الهيكلية التي عمّقت المأزق السعودي كانت التصدع الواضح في وحدة الموقف الخليجي المشترك، والذي تمثل في حسم دولة الإمارات العربية المتحدة لموقفها الإستراتيجي بشكل واضح وصريح، والتموضع في الصف الإسرائيلي-الأمريكي عبر الاتفاقيات الإبراهيمية وما تلاها من تحالفات أمنية واستخباراتية واقتصادية متكاملة.
لقد اختارت أبوظبي الانخراط الكامل في المحور الإسرائيلي كخيار أمني بديل لمواجهة الخطر الإيراني، وبناء معادلة اقتصادية تكنولوجية عابرة للحدود. وهذا الحسم الإماراتي الصريح ألقى بظلاله الثقيلة على الرياض؛ إذ جرّد السياسة السعودية من ميزة المناورة الجماعية تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وجعل السعودية تبدو في حالة انكشاف سياسي؛ فهي من جهة لا تستطيع مجاراة الإمارات في الارتماء الكامل في الصف الإسرائيلي لما يمثله ذلك من تصفية لمكانتها الرمزية والدينية في العالم الإسلامي، ومن جهة أخرى تجد نفسها تدفع أثمان هذا التحول الإقليمي الذي نقل خطوط الدفاع المتقدمة لإسرائيل إلى منطقة الخليج مباشرة.
وهذا الانكشاف السياسي ينعكس بدوره على معادلة أعمق: معادلة ما الذي يعنيه انتصار أي من الطرفين المتحاربين اليوم؟
فيعيش صانع القرار السعودي حالة من القلق البالغ حيال مآلات المواجهة الحالية؛ إذ تشير القراءة الموضوعية لمعادلات القوة إلى أن حسم الصراع لصالح أي من الطرفين المتنازعين يمثل تهديدًا مباشرًا ومربكًا للسياسة السعودية.
فإذا نجحت إسرائيل، بدعم عسكري وسياسي أمريكي مطلق، في حسم المعركة وتفكيك القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل، فإن النتيجة لن تكون استقرارًا للمملكة، بل ستفرز «هيمنة إسرائيلية مطلقة» على المنطقة برمتها؛ ففي هذا السيناريو، ستصبح تل أبيب الشرطي الأوحد والقوة التكنولوجية والعسكرية المهيمنة التي تفرض إرادتها على العواصم العربية، وستتحول السعودية من قائد إقليمي إلى طرف تابع لترتيبات «الشرق الأوسط الجديد» التي تصيغها إسرائيل وفق مصالحها القومية والاقتصادية الصرفة، مع تهميش كامل للقضية الفلسطينية وللمكانة الجيوسياسية للرياض.
ولقد أدت السيولة السياسية الراهنة، وتحول النزاع الإقليمي من حرب بالوكالة إلى صدام مباشر وعنيف، إلى كشف الغطاء عن أزمة عميقة في صياغة الإستراتيجية العليا للدولة السعودية؛ إذ تجد المملكة نفسها عاجزة عن قيادة المشهد أو فرض شروطها، ومجبرة على المناورة الحذرة بين «مطرقة» الطموح الإسرائيلي المدعوم أمريكيًّا بغير حدود، و«سندان» المشروع الإيراني المسلح بشبكة معقدة من القوى الإقليمية العابرة للحدود. وفهم هذا الانكشاف يستلزم البدء من أول تحوّل هيكلي أخلّ بتوازن الموقف السعودي: تصدع وحدة البيت الخليجي من الداخل.
وعلى الجانب الآخر، فإن تمكن إيران من الصمود في هذه المواجهة، أو خروجها بوضع يحفظ قدراتها الردعية وشبكاتها المسلحة، سيعني مأسسة «الهلال الإيراني» وتثبيته كأمر واقع لا يمكن تجاوزه. إن انتصار إيران سيزيد من جرأة حلفائها في اليمن والعراق ولبنان، مما يحكم طوقًا أمنيًّا خانقًا حول المملكة، ويبقي الأمن القومي السعودي والمنشآت النفطية الحيوية تحت التهديد الدائم لترسانة الصواريخ والمسيرات الإيرانية. وكلا السيناريوين يصبّان في ممر ضيق إستراتيجي واحد: مضيق هرمز.
فمضيق هرمز، ومعه البحر الأحمر، يمثل العصب الحيوي للاقتصاد السعودي القائم على تصدير النفط وتأمين سلاسل الإمداد، وقد أفرزت التوترات العسكرية الأخيرة في هذه الممرات المائية معادلات أمنية جديدة شديدة الخطورة؛ حيث تحولت هذه المضائق الإستراتيجية من ممرات تجارية دولية إلى «أوراق ضغط وردع عسكري مباشر» تستخدمها إيران وحلفاؤها لتهديد الاستقرار العالمي.
وهذه المعادلات الجديدة كشفت بوضوح محدودية القدرة الدفاعية السعودية في حماية شرايينها الاقتصادية؛ فأي مواجهة شاملة تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز ستعني خنق الاقتصاد الريعي للمملكة بشكل فوري، حتى وإن التزمت الرياض بالحياد التام في الحرب.
إن تطور حروب «اللا-تماثل» واستخدام المسيرات البحرية والجوية الرخيصة أثبت أن الاتفاقيات الأمنية التقليدية مع القوى الغربية لا توفر مظلة حماية حقيقية وقت الأزمات الوجودية.
وهذا الانكشاف الجغرافي يعيد طرح السؤال الجوهري: ما الخيارات الدفاعية المتاحة فعلاً أمام الرياض؟
تبدو الخيارات الدفاعية المتاحة حاليًّا أمام القيادة السعودية قاصرة عن تحقيق الردع الحقيقي، وتدور في مجملها حول مسارات تكتيكية مؤقتة؛ فمن جهة، تحاول الرياض تبني سياسة الدبلوماسية الوقائية وتصفير المشاكل، عبر المحافظة على التفاهمات الدبلوماسية مع طهران كاتفاق بكين، لضمان تحييد أراضيها ومنشآتها النفطية عن الضربات المباشرة، غير أن هذا الخيار يظل هشًّا ومرتبطًا بمدى التزام الأطراف الأخرى، ولا يشكل حلًّا جذريًّا للمهددات الوجودية.
ومن جهة أخرى، تعتمد المملكة بشكل شبه كامل على استيراد المنظومات الدفاعية الغربية، عبر المظلات الدفاعية الأمريكية والبريطانية كمنظومتي باتريوت وثاد، وهي خيارات باهظة الثمن، فضلًا عن أنها تظل عاجزة عن مواجهة تكتيكات «الإغراق الصاروخي» والمسيرات الانتحارية المتطورة، وتجعل القرار العسكري السعودي مرتهنًا بالكامل لموافقة الدول الموردة على تزويدها بقطع الغيار والذخائر.
أما الخيار الثالث فتراهن فيه الدبلوماسية السعودية على السعي وراء معاهدة دفاعية مع واشنطن، عبر مقايضة التطبيع المحتمل مع إسرائيل باتفاقية أمنية ملزمة مع الولايات المتحدة، وهو خيار محفوف بالمخاطر نظرًا لعدم موثوقية الشريك الأمريكي، وتقلب السياسة الداخلية في واشنطن، فضلًا عن الشروط السيادية الصعبة التي تفرضها أمريكا لإتمام مثل هذه المعاهدات. وقصور هذه الخيارات الثلاثة يدفع نحو البحث عن حلفاء إقليميين، غير أن هذا المسار بدوره لا يخلو من عقبات هيكلية عميقة.
وهذه المعادلات الجديدة كشفت بوضوح محدودية القدرة الدفاعية السعودية في حماية شرايينها الاقتصادية؛ فأي مواجهة شاملة تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز ستعني خنق الاقتصاد الريعي للمملكة بشكل فوري، حتى وإن التزمت الرياض بالحياد التام في الحرب.
فعند البحث عن حلفاء إقليميين يمكن الاعتماد عليهم لبناء توازن قوى، تبرز تركيا كقوة عسكرية وصناعية وازنة في المنطقة، وتتطلع الرياض إلى الاستفادة من قدراتها الدفاعية المتطورة، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات البحرية. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يصطدم بطبيعة العلاقة بين البلدين؛ فنظرًا لطبيعة التنافس بين البلدين على قيادة العالم الإسلامي وريادة المنطقة، تتقاطع الطموحات الإقليمية لأنقرة مع تطلعات المملكة العربية السعودية التي ترى في نفسها القائد الطبيعي للمنطقة العربية والإسلامية، مما يحول دون بناء تحالف إستراتيجي حقيقي وعميق، ويبقي العلاقات محصورة في أطر تعاون تجاري وعسكري نفعي لا يرقى لمستوى الحماية المتبادلة في الحروب الكبرى. وإذا كانت تركيا تطلب ثمنًا سياديًّا، فإن باكستان تفرض قيودًا جغرافية وهيكلية لا تقل صعوبة.
فلطالما نُظر إلى جمهورية باكستان الإسلامية وجيشها القوي ـ باعتباره القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي ـ كعمق إستراتيجي واحتياطي أمني تقليدي للمملكة العربية السعودية عند الملمات الجسام. ولكن عند الفحص العميق لهذا الخيار في ظل الأزمة الراهنة، تتضح عوائقه الهيكلية؛ فالجيش الباكستاني، بموجب تركيبته التمويلية والتاريخية، يعاني من حالة ارتهان معروفة للمصالح والإستراتيجيات الغربية والأمريكية.
إن اعتماد إسلام آباد المستمر على المساعدات المالية والقروض الدولية يجعل قرارها العسكري والنووي غير مستقل بالكامل، ولا يمكن توظيفه لصالح الرياض في صراع إقليمي دون موافقة صريحة من واشنطن.
بالإضافة إلى ذلك، فإن القيود الجغرافية لباكستان، وامتلاكها حدودًا طويلة ومعقدة مع إيران، وتخوفها من الاضطرابات الطائفية الداخلية، يجعلانها تحرص على الحياد، وهو ما ظهر جليًّا عندما رفض البرلمان الباكستاني المشاركة العسكرية في حرب اليمن. وما ينطبق على باكستان من ارتهان خارجي ينطبق بصورة مختلفة على مصر، الشريك التقليدي الأثقل وزنًا.
فتُعد جمهورية مصر العربية، بثقلها البشري والتاريخي وجيشها النظامي الضخم، الشريك التقليدي الأبرز والأهم للحفاظ على الأمن القومي العربي والخليجي. ومع ذلك، فإن الواقع الراهن للمؤسسة العسكرية والسياسية المصرية يفرض قيودًا صارمة تمنعها من تقديم إسناد عسكري فاعل وحاسم للمملكة؛ إذ يمر النظام المصري بأزمات اقتصادية وهيكلية حادة ومزمنة، جعلت القرار السياسي والاقتصادي للدولة رهينًا للقروض والمساعدات الدولية والترتيبات الغربية.
وهذا الضعف الاقتصادي، متزامنًا مع الارتباط الوثيق للعقيدة العسكرية والإمداد التسليحي المصري بالمعونات الأمريكية والالتزام بالاتفاقيات الدولية كاتفاقية كامب ديفيد، خلق حالة من التبعية للمنظومة الغربية ومصالحها في المنطقة، فانكفأ الجيش المصري نحو الداخل لتأمين حدوده المباشرة وإدارة أزماته الاقتصادية، مما يجعل الرهان السعودي على الدعم العسكري المصري رهانًا تكتيكيًّا محدود الأثر لا يصمد في مواجهة حرب إقليمية شاملة. وإذا كانت هذه الصورة الخارجية قاتمة بحد ذاتها، فإن جذور المأزق تمتد أعمق: إلى الداخل السعودي نفسه.
إن الفهم الحقيقي للمأزق السعودي يتطلب فحص الجبهة الداخلية والسياسات الهيكلية التي اتبعتها القيادة خلال السنوات الأخيرة، والتي أدت بشكل مباشر إلى هذا الانكشاف الإستراتيجي، ويمكن إجمال ذلك في سببين رئيسين.
فعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية تربعت لسنوات طويلة على قائمة أكبر مستوردي الأسلحة والعتاد العسكري في العالم، وأن ميزانياتها الدفاعية تجاوزت في بعض الأحيان ميزانيات قوى نووية عظمى، إلا أن هذا الإنفاق الهائل ظل استهلاكيًّا بامتياز. فقد بلغ الإنفاق الدفاعي السعودي، بحسب تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2025، نحو 80.3 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يضع المملكة في المرتبة السابعة عالميًا، في حين تستأثر الولايات المتحدة وحدها بنحو 77% من واردات السلاح السعودي، وهو ما يجعل استقلالية القرار العسكري محدودة ويربط جاهزية المنظومة الدفاعية بمدى استمرار الإمداد الغربي، كما يشير المعهد ذاته.
وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة التوطين المحلي الفعلي للصناعة الدفاعية السعودية 19.35% حتى عام 2024، بحسب الهيئة العامة للصناعات العسكرية، أي أقل من نصف هدف رؤية 2030 البالغ 50%. لقد ركزت السياسة الدفاعية على شراء المعدات والمنظومات الجاهزة دون نقل حقيقي للتكنولوجيا أو توطين جاد لإنتاج السلاح والذخائر والأنظمة الدفاعية الحيوية، وهذا التقصير المزمن أوجد حالة من التبعية الأمنية المطلقة للخارج؛ بحيث لا تستطيع المملكة خوض حرب أو الصمود فيها لأسابيع قليلة دون إمداد مستمر بالدعم الفني وقطع الغيار من الدول الغربية.
وبالتوازي مع هذا الانكشاف العسكري، شهدت المملكة تحولاً راديكاليًّا في أولويات الدولة الداخلية؛ حيث جرى توجيه موارد مالية وطاقات إدارية وإعلامية ضخمة نحو قضايا هامشية، مثل مشاريع الترفيه، والفعاليات الفنية العالمية، وصناعة القوة الناعمة القائمة على الاستهلاك السياحي. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تُسخّر مقدرات الدولة لبناء «اقتصاد حرب» صلب، وتحصين المجتمع، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الإستراتيجية، أدى الانهماك المبالغ فيه في قطاع الترفيه الباذخ إلى استنزاف الميزانيات وتشتيت الجهود الوطنية عن قضايا الأمن القومي المصيرية. وهكذا تكشّف المشهد في صورته الكاملة: انكشاف خارجي من كل جانب، وهشاشة داخلية لم تُعالَج. فما المخرج؟
إن استمرار السياسة السعودية في معالجة مأزقها عبر المسكنات الدبلوماسية أو الرهان على تحالفات خارجية مع جيوش مرتهنة للغرب، لن يؤدي إلا إلى تعميق الانكشاف وضياع السيادة. إن المخرج الحقيقي والمستدام يتطلب تبني إستراتيجية وطنية شاملة تقوم على ركيزتين أساسيتين لا بديل عنهما.
فالركيزة الأولى تكمن في المصالحة الحقيقية مع الشعب وإعادة بناء الجبهة الداخلية؛ إذ إن حجر الزاوية في بناء أي قوة سيادية وصمود إستراتيجي في وجه التهديدات الخارجية هو المصالحة الشاملة والحقيقية مع الشعب، فلا يمكن لدولة أن تواجه خطر الهيمنة الإسرائيلية أو التمدد الإيراني وهي تعاني من تصدعات وفجوات في ثقة جبهتها الداخلية.
ويستلزم ذلك الانتقال بالداخل السعودي من نموذج «الدولة الرعوية القائمة على صناعة الترفيه والاستهلاك الفردي» إلى نموذج «الدولة الوطنية التشاركية»، حيث يشعر المواطن بأنه شريك حقيقي وأصيل في حماية بلاده وصناعة قرارها السيادي لا مجرد مستهلك ومتابع، كما يتطلب وقف التضييق والتحييد للنخب الفكرية والعلمية والشرعية والاجتماعية في المجتمع السعودي، وإعادة دمجها لبناء جبهة وطنية متماسكة؛ فإشراك المجتمع في تحمل المسؤولية وتثمين هويته وثوابته الأصيلة يخلق حالة من الحصانة الداخلية والصمود النفسي والاجتماعي، وهو ما يمثل خط الدفاع الأول عن كيان الدولة في أوقات الأزمات الوجودية التي لا تستطيع الجيوش النظامية وحدها حسمها.
أما الركيزة الثانية فتكمن في إعادة صياغة السياسة الخارجية والتخلي التام عن التمحور التقليدي الأعمى خلف الرؤية الأمريكية الغربية؛ إذ يجب أن تنطلق التحالفات الجديدة من المصلحة الحقيقية والدائمة للبلد والشعب، لا من أجل تسويق شرعية الحاكم لدى العواصم الغربية ونيل رضاها.
وهذا يعني تغليب الواقعية السياسية الصارمة، بحيث تُقاس علاقات المملكة وتحالفاتها بمقدار ما تقدمه تلك القوى من دعم حقيقي لسيادة السعودية واستقلالها وصناعاتها العسكرية، لا بمقدار ما تضمنه من بقاء أو ثناء دولي على شخوص القيادة؛ كما يستدعي التوقف فورًا عن ملاحقة السراب الأمريكي والمعاهدات الأمنية المشروطة بالتطبيع المهين مع إسرائيل، والتوجه نحو بناء شراكات حقيقية وندية مع قوى دولية صاعدة كالصين وروسيا وقوى إقليمية مستقلة القرار، وتوظيف ورقة النفط والطاقة والاقتصاد وفق معادلة صارمة: الاستثمار وإمدادات الطاقة مقابل نقل تكنولوجيا التصنيع العسكري الثقيل والأنظمة الدفاعية الحيوية، بما يتيح للمملكة بناء قدرة ردع عسكرية ذاتية ومستقلة خلال مدى زمني وجيز.
إن استمرار السياسة السعودية في معالجة مأزقها عبر المسكنات الدبلوماسية أو الرهان على تحالفات خارجية مع جيوش مرتهنة للغرب، لن يؤدي إلا إلى تعميق الانكشاف وضياع السيادة. إن المخرج الحقيقي والمستدام يتطلب تبني إستراتيجية وطنية شاملة تقوم على ركيزتين أساسيتين لا بديل عنهما.
ويرتبط بهذا كله السعي إلى تأسيس كتلة مصلحية مستقلة، عبر قيادة محور إقليمي ثالث يرفض التبعية لكل من المحور الإسرائيلي-الأمريكي والمحور الإيراني، ويفرض شروطه كلاعب مستقل وقوي يمتلك أوراق ضغط حقيقية قادرة على حماية مصالح العالم العربي والخليجي وصيانة أمنه القومي بشكل مستقل تمامًا.
وفي النهاية، فإن المأزق الذي تعيشه المملكة العربية السعودية اليوم بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران يجب أن يكون جرس إنذار تاريخي يدفع نحو مراجعة جذرية للسياسات السابقة كافة.
إن القوة والسيادة الحقيقية للدول لا تُستورد بالصفقات الجاهزة، ولا تُبنى بالانهماك في القضايا الهامشية والترفيهية على حساب الأمن القومي.
إن المخرج الوحيد المضمون لحماية كيان المملكة واستقرارها مستقبلاً يكمن في العودة إلى الداخل؛ بالمصالحة الصادقة مع الشعب وبناء جبهة وطنية صلبة، وبالتوازي مع صياغة تحالفات دولية وإقليمية حقيقية تتأسس على المصالح العليا والدائمة للوطن والمواطن، لتبدأ من هنا ولادة سعودية قوية، مهابة الجانب، ومستقلة القرار.