ماذا كشفت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، المتجددة منذ اندلاعها في فبراير 2026 وحتى الآن، عن حدود القوة الأمريكية الفعلية؟ فرغم التفوق التسليحي الساحق، بإنفاق أمريكي يفوق نظيره الإيراني بمئة ضعف، لم تُفضِ موجات التصعيد المتلاحقة -من الضربات الأولى، إلى الحصار البحري، إلى محادثات إسلام آباد التي فشلت في أبريل، إلى الهدن المتكررة التي تُخرق ثم تُستأنف المواجهة بعدها- إلى حسم نهائي، بل إلى دورة متجددة من التصعيد والتهدئة تكشف عجزًا عن ترجمة التفوق التقني إلى نصر سياسي حاسم؛ وهو ما دفع مؤسسات أمريكية نفسها، كصحيفة نيويورك تايمز وتحليلات الباحث روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو والمتخصص في القوة الجوية والإكراه العسكري، للحديث عن أن هذه ربما تكون اللحظة التي تُنهي «عالم ما بعد الحرب الباردة». وهذا النمط ليس استثناءً؛ فقد تكرر في أفغانستان والعراق حيث انسحبت واشنطن بعد سنوات من الإنفاق الهائل دون تحقيق أهدافها المعلنة، لأن القوة النارية وحدها لا تصنع نصرًا سياسيًا مستدامًا ما لم تقترن بإرادة تحمّل كلفة حرب طويلة، وهي إرادة تتآكل اليوم أمام انقسام أمريكي داخلي حاد وأولويات تنافسية يتصدرها الصعود الصيني، فضلاً عن ضغوط اقتصادية داخلية متصاعدة تجعل أي إدارة أمريكية أكثر حساسية لكلفة الانخراط العسكري المفتوح من أي وقت مضى في العقود الأخيرة.
وهذا الانكشاف في قدرة الحليف الأكبر على الحسم يطرح سؤالاً لم يعد بالإمكان تأجيله داخل منظومة التبعية العربية والإسلامية للمظلة الأمنية الأمريكية، وفي القلب منها المملكة العربية السعودية بوصفها أكبر شريك أمني عربي لواشنطن في المنطقة: إذا كانت واشنطن نفسها تعجز عن حسم مواجهة مباشرة تخوضها بكامل عتادها وحلفائها على مدى أشهر متواصلة، فما مدى الاطمئنان الذي يمكن أن تمنحه هذه المظلة للمملكة ودول الخليج المجاورة لها في أزمة وجودية مماثلة قد لا تحظى فيها بنفس القدر من الاهتمام الأمريكي المباشر؟ فرقعة التصعيد نفسها لم تبق محصورة بين طهران وتل أبيب، بل امتدت لتطال أطرافًا إقليمية أخرى، وهي هشاشة تتحسسها المملكة ودول الخليج مباشرة كلما اتسعت دائرة النار وتذبذبت أسعار الطاقة وتوترت طرق الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر القريبين من سواحلها. لقد اعتادت هذه الدول لعقود البناء على افتراض أن الحماية الأمريكية شبكة أمان لا تُخترق، لكن الحرب المتجددة كشفت أن هذه الشبكة محكومة بحسابات المصلحة الأمريكية الداخلية أكثر من كونها التزامًا ثابتًا تجاه الحلفاء، وهو ما يفرض على المملكة تحديدًا، بثقلها الإقليمي وموقعها الجغرافي على خط المواجهة، إعادة تقييم جذرية لمنطق الاعتماد الأمني الأحادي الذي حكم عقودًا طويلة.
غير أن الأخطر من انكشاف الاعتماد الخارجي هو ما يقابله في الداخل من أعراض متزامنة يمكن تشخيصها بدقة من واقع الأرقام الرسمية نفسها لا من الانطباع العام؛ فبينما تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى ارتفاع معدل البطالة بين السعوديين إلى 7.5% في الربع الثالث من عام 2025، وهو الأعلى منذ عام كامل، كشف تقرير رسمي ناقشه مجلس الشورى السعودي في يوليو 2025 أن الهيئة العامة للترفيه أنفقت خلال عام 2024 وحده أكثر من 1.6 مليار ريال، في مقابل إيرادات لم تتجاوز 7 ملايين ريال فقط، أي أن الإنفاق فاق الإيرادات بمقدار 239 ضعفًا تقريبًا، دون خطط واضحة معلنة للحد من هذا العجز أو لمساءلة أوجه الصرف. وليس هذا التزامن حالة معزولة أو استثناءً عابرًا في عام بعينه، بل نمط متكرر يتجلى في أكثر من ملف اقتصادي في آن واحد: تحديات هيكلية في التوظيف يقر بها الجهاز الرسمي للإحصاء نفسه، مقابل قطاع ترفيهي كامل تنمو ميزانياته سنويًا دون أن تُقاس مردوديته الاقتصادية الحقيقية بمعيار واضح أو تخضع لرقابة برلمانية فعالة تسبق الصرف لا تعقبه بالنقد اللاحق. وهذا التزامن -بين تصاعد البطالة والفجوة الاقتصادية من جهة، وبين إنفاق استعراضي غير مُساءَل من جهة أخرى- هو صلب المرض الذي يستحق أن يُسمى باسمه: اقتصاد قرار مركزي يوجّه موارد الدولة نحو الإبهار اللحظي بمعزل عن أولويات التوظيف والإنتاج الحقيقي، ويتعامل مع المساءلة المالية العلنية بوصفها ترفًا لا ضرورة.
وسبب هذا المرض ليس غموضًا يحتاج تأويلًا؛ فحين يتركز القرار الاقتصادي والسياسي الكبير في دائرة ضيقة لا تخضع لرقابة مؤسسية فعلية ولا لأصوات نصح مستقلة، يفقد صانع القرار أهم آلية تصحيح ذاتي تملكها أي دولة: نخبة فكرية وشرعية واقتصادية قادرة على المراجعة العلنية قبل أن يتحول الخطأ إلى سياسة راسخة. وهذه الآلية بالتحديد هي ما جرى تفكيكه عمدًا؛ فمنذ العاشر من سبتمبر 2017 وثقت منظمات حقوقية دولية، من العفو الدولية إلى هيومن رايتس ووتش، اعتقال مئات من البارزين العلماء والدعاة والمفكرين، وفي مقدمتهم سلمان العودة عصام الزامل جميل فارسي ووُجهت إليهم تهم وطالبت النيابة بإعدام بعضهم !! وتم الحكم بسجن بعضهم ٢٠ سنة!! . وامتد هذا التغييب إلى ما هو أبعد من الرموز ، ليشمل أكاديميين واقتصاديين وناشطات حقوقيات ممن كان يمكن أن تكون آراؤهم المهنية المستقلة، لا الدينية وحدها، جزءًا من منظومة المراجعة التي تفتقر إليها القرارات الكبرى اليوم. فحين تُسكت أصوات النصح المستقلة بدل الاستماع إليها، يفقد القرار الكبير آخر صمام أمان يمنعه من الانزلاق نحو إنفاق غير محسوب أو مغامرة غير مدروسة، لأن من كان يمكن أن يسأل «لماذا؟» أصبح خلف القضبان لا في قاعة المشورة.
وهذا النمط -تركز القرار، وتغييب الرقابة، وتوجيه الموارد نحو الإلهاء بدل الإنتاج- ليس جديدًا في التاريخ ؛ فحين انشغلت دار الخلافة العباسية في أواخر أيامها باللهو والحمام والشطرنج، وقُلصت ميزانية الجيش من مئة ألف مقاتل إلى عشرة آلاف توفيرًا للنفقات، بينما غابت أصوات العلماء والمصلحين عن التأثير في القرار، انهارت الدولة خلال اثني عشر يومًا فقط بعد أربعين عامًا من الإنذارات المتجاهلة. وعلى نحو مشابه، حين أراد المأمون فرض القول بخلق القرآن بالقوة على علماء الأمة في محنة اشتهر فيها ثبات الإمام أحمد بن حنبل على معتقد أهل السنة رغم الحبس والضرب، لم يكن ذلك سوى نموذج آخر لتغييب النصح المستقل لحساب قرار مركزي أحادي؛ في حين أن عصور الازدهار الحقيقي، من بغداد المبكرة إلى الأندلس، قامت على العكس تمامًا: تناغم بين السلطة والعلماء والشعب لا قطيعة بينهم، وانفتاح نقدي على العالم لا انبهار أعمى ولا انغلاق قسري في الداخل.
تصاعد البطالة والفجوة الاقتصادية من جهة، وبين إنفاق استعراضي غير مُساءَل من جهة أخرى- هو صلب المرض الذي يستحق أن يُسمى باسمه: اقتصاد قرار مركزي يوجّه موارد الدولة نحو الإبهار اللحظي بمعزل عن أولويات التوظيف والإنتاج الحقيقي، ويتعامل مع المساءلة المالية العلنية بوصفها ترفًا لا ضرورة.
وما يستحق التوقف عنده أن تلك العصور الذهبية نفسها، رغم ما شابها من أخطاء جزئية وثّقها المؤرخون بأمانة، لم تُبتلَ بما تعانيه المملكة ومحيطها اليوم من خيانة صريحة للأمانة العامة، ولا باستبداد يُصادر إرادة الأمة باسم الوصاية عليها، ولا بتضييع لطاقات الشباب في وحل الشهوات والمخدرات بدل توجيهها للبناء، ولا بحبس العلماء والدعاة المصلحين الذين كان ينبغي أن يكونوا شركاء في المشروع الحضاري لا خصومًا له يُزج بهم خلف القضبان.
وإدراك هذه الهشاشة المزدوجة، الخارجية والداخلية معًا، يحمل فرصة نادرة لعلاج حقيقي لا لمسكنات مؤقتة. فعلى المستوى الخارجي، يعني ذلك الاستثمار الجاد في توطين الصناعات الدفاعية بدل الاكتفاء باستيراد المنظومات الجاهزة، وهي فجوة تكشفها بوضوح نسب التوطين الفعلي المتواضعة التي لا تزال بعيدة عن الأهداف المعلنة؛ وتجربة تركيا هنا دالة: فبعد اعتماد شبه كامل على السلاح الغربي حتى مطلع الألفية، دفعتها أزمات قبرص المتكررة منذ ستينيات القرن الماضي إلى إعادة النظر في هذا الاعتماد، فرفعت اكتفاءها الذاتي الدفاعي إلى ما يتجاوز 80%، وأنتجت طائراتها المسيّرة كـ«بيرقدار» و«أنكا» و«أقنجي» ومحركاتها وسفنها الحربية محليًا، ورفعت صادراتها الدفاعية من 6.2 مليار دولار عام 2024 إلى ما يفوق 8 مليارات في العام التالي، وإن كانت لم تصل بعد لاستقلال كامل في قرارها الأمني إذ لا تزال مشروعاتها الأكثر طموحًا، كالمقاتلة الوطنية «قآن»، في طور التطوير. وعلى نسق موازٍ، رفعت المملكة ودول الخليج تجارتها مع الصين إلى مئة مليار دولار عام 2024، وإن اصطدم هذا التقارب بسقف الضغوط الأمريكية على أي تعاون تقني حساس وبإحجام بكين عن تقديم مظلة أمنية بديلة تحل محل واشنطن. وهذان المثالان يثبتان أن طريق الاستقلال العسكري والاقتصادي واقعي وممكن، لا مجرد شعار تعبوي، لكنه طريق طويل يحتاج عقودًا من الاستثمار المتراكم لا رد فعل عابر على أزمة واحدة تنتهي بانتهائها.
وما يستحق التوقف عنده أن تلك العصور الذهبية نفسها، رغم ما شابها من أخطاء جزئية وثّقها المؤرخون بأمانة، لم تُبتلَ بما تعانيه المملكة ومحيطها اليوم من خيانة صريحة للأمانة العامة، ولا باستبداد يُصادر إرادة الأمة باسم الوصاية عليها، ولا بتضييع لطاقات الشباب في وحل الشهوات والمخدرات بدل توجيهها للبناء، ولا بحبس العلماء والدعاة المصلحين الذين كان ينبغي أن يكونوا شركاء في المشروع الحضاري لا خصومًا له يُزج بهم خلف القضبان.
أما العلاج الداخلي، وهو الأعمق أثرًا، فيبدأ من حيث بدأ المرض بالضبط: إعادة فتح المجال العام أمام النقد الهادف والنصح المستقل بدل تجريمه، ومساءلة الإنفاق العام علنًا بدل تركه بلا رقيب كما كشف تقرير الشورى نفسه، وربط الإنفاق التنموي بمعالجة جذور البطالة الحقيقية لا بمزيد من الفعاليات الاستعراضية. وهذا العلاج، في جوهره، هو ذاته التصالح مع الأصول والهوية والحضارة الذاتية؛ فعقود التبعية لم تكن عسكرية واقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل استيرادًا شبه كامل للنماذج الثقافية الغربية على حساب المرجعية الحضارية الأصيلة، حتى بات الشعور بالثقة، عند كثير من النخب، مرتبطًا بالقرب من النموذج الغربي لا بالرسوخ في الهوية الذاتية. والتصالح هنا لا يعني الانغلاق أو رفض العلم القادم من الخارج، بل استعادة الثقة بأن هذه الأمة تملك تقليدًا فكريًا وفقهيًا أنتج في عصور ازدهاره منظومات معرفية متكاملة أنتجت علماء كابن الهيثم في البصريات والخوارزمي في الجبر، ممن بُنيت على أعمالهم علوم أوروبا الحديثة نفسها لاحقًا، وأن الاستقلال الحضاري هو الأساس الذي يمنح الاستقلال السياسي معناه واستمراريته، لا رفاهية تالية له. ولعل ما يستحق التوقف عنده أن هذه العصور الذهبية نفسها لم تُبتلَ بما تعانيه المملكة ومحيطها اليوم من حبس للعلماء والمصلحين أو تضييق يُصادر النصح باسم حمايته من الفوضى، بل قامت على تناغم عام بين السلطة والعلماء والشعب رغم اختلافهم في التفاصيل، لا على قطيعة مفتوحة بينهم.
ومع ذلك، فإن هذه الفرصة ليست مضمونة الاستثمار تلقائيًا؛ فحظر النفط العربي عام 1973 كشف بدوره عن أوراق قوة إستراتيجية حقيقية لم تُستثمر لبناء استقلال دائم، فعادت التبعية بعد سنوات أثقل مما كانت. والخطر الحقيقي اليوم ليس في استمرار الحرب نفسها، بل في أن يُقرأ توقفها المؤقت كدليل على عودة الاستقرار وانتهاء الحاجة للمراجعة، فتُستأنف عقود التبعية القديمة، السياسية والثقافية معًا، بكامل زخمها وكأن شيئًا لم يكشف هشاشتها، حتى تأتي أزمة أشد وطأة تُعيد طرح السؤال ذاته من موقع أضعف. فاللحظة الراهنة تمثل نافذة نادرة لإعادة تعريف العلاقة مع الذات قبل الخارج، ولن تتكرر بالضرورة في صورتها ذاتها إن أُهدرت اليوم؛ ومن يلتقطها اليوم، بجرأة اتخاذ القرار المستقل، ومساءلة الإنفاق العام دون مواربة، وإطلاق سراح من حُبس من الراشدين المساهمين في إصلاح الوطن وتمثيل القوة الناعمة له لإعادتهم إلى موقعهم الطبيعي في المشورة، وصدق العودة إلى الأصول والهوية معًا لا على التوالي، هو من يكتب اليوم فصلاً مختلفًا تمامًا عن الفصول التي تكررت فيها الغفلة عن لحظات مشابهة عبر التاريخ.