ولاية العهد وبيعتها في السعودية: قصتها وأسبابها وأثرها

جرت العادة في الأنظمة الملكية بالبيعة للأبناء بعد الآباء، على العادة الهرقلية القيصرية، كما قال عبد الرحمن بن أبي بكر لما بُويع ليزيد، فخطب مروان بن الحكم بن أبي العاص وكان على المدينة، فقال: سنّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر! في قصة مشهورة في الصحاح والسنن [النسائي في الكبرى (11427)، والحاكم في المستدرك (8483)، والبخاري في الصحيح (4827) مختصرا].

وقد كان النظام في الدولة السعودية الأولى على ذلك فقد ورث الآباء المُلكَ لأبناء الأصلاب، إلى آخرهم الذي قتل في الأستانة (إسطنبول)، ثم جاءت الدولة السعودية الثانية وكانت مضطربة في بداياتها، مثلت نموذجًا من أكبر نماذج الصراع العائلي على الملك في المنطقة، وكانت قد انتهت الملكية الأبوية بمقتل عبد الله الأول بن سعود الكبير وزالت الدولة الأولى، فأبناؤه أعدم بعضهم على يد الطاغية إبراهيم باشا، أو أسر في مصر، أو قتل في الأستانة. فطلب الأمر من بعده تركي بن عبد الله آل سعود، فاستتم له بعد بضع سنين، فكان أول حاكم من فرع عبد الله بن محمد بن سعود، بعد أن كان الحكم في فرع الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وعرف هو بمؤسس الدولة السعودية الثانية، وفرعه هذا هو الفرع الذي من نسله عبد العزيز المؤسس الثالث.

وقد استتب لتركي بن عبد الله الأمر -بعد بضع سنين من الطلب- مدةً، ثم بدأت الاضطربات العائلية في الدولة بمقتله، إذ اغتيل على يد مولى لابن أخته مشاري بن عبد الرحمن بن حسن بن مشاري آل سعود، يقال له: حمزة إبراهيم بن منصور، فحكم مشاري بعدها ولم يلبث إلا قليلاً، حتى جاءه الموت على يد ابن عمته فيصل بن تركي واستولى هذا على الملك وقتل قريبه الذي قتل أباه! ومكث فيصل على السدة سنيات ثم أزاحه خورشيد باشا، وكُلِّف بدلا عنه خالد بن سعود آل سعود، فتمردت عليه قبائل نواحي الرياض، وجاء عبد الله بن ثنيان آل سعود مدعومًا من قِبلها  فقلب النظام، وقاتل جنود الحامية ولك أن تقول القاعدة المصرية التي كانت في نجد وطردها، فكان من تدبير المصريين أن أفرجوا عن فيصل بن تركي الذي كان قد قتل ابن عمته وأسره خورشيد، وساعد على ذلك اضطراب أوضاع خورشيد مع محمد علي، فجاء مدعوما من المصريين وكثير من أهل الرياض  فحاصر قصر عبد الله بن ثنيان، مدة ثلاثة أشهر حتى قبض عليه وسجنه، واستتب له الملك بعدها بضعةً وعشرين عامًا، وهي أطول مدة استقرار في الدولة السعودية الثانية، بل فيصل هذا هو أطول حكام آل سعود ملكًا فقد حكم أولا نحو أربع سنوات وثانيًا نحو ثلاثة وعشرين عامًا، ولا يضاهيه في هذه المدة خلال الدُّول السعودية الثلاث إلا الملك فهد فقد حكم ثلاثة وعشرين عامًا أو كان ملكًا ثلاثة وعشرين عامًا (في أخرياته لم يكن له من الأمر شيء بعد أن اشتد به المرض وكان يدبر الأمور عبد الله، كشأن سلمان اليوم). وتقارب مدتهما مدة الإمام محمد بن سعود المؤسس الفعلي للدولة السعودية الأولى وهي دونهما.

والمقصود بعد فيصل المذكور غدا يتوارث الملك أبناؤه الذين هم أخوة على اضطرابات معروفة بينهم، وانقطعت سياسة توريث الأبناء بأولئك الإخوة الذين كان آخرهم عبد الرحمن بن فيصل والد عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة، ومورث الأشقاء المعروفين. والذي جاء هو الآخر بانقلاب دموي ذبح فيه عامل ابن رشيد أمام قصره، وهم يعدون تلك بطولة ولا يجرؤ مِنْ عَبَيدِ السلاطين أحدٌ أن يذم من حكم بالدم وضرب “بالسيف الأملح”! أو يصفه بالخارجية! وهل ملك آل السعود كما رأيت -مذ قيام الدولة الثانية- إلا سلاسل من الخروج على الولاة متتابعة! لكنهم يسارعون إلى الوصف بالخارجية من قال بالحق وأمر بالمعروف ونهى عن منكر سلطانًا جائرًا وإن لم يطلب حكمًا فبئس ما قدمت له أنفسهم، وما اعتقدته قلوبهم! والله حسيب دعاة السوء.

وعودًا على المقصود في كل هذه التقلبات لم تكن ثمة ولاية للعهد، حتى في الدولة السعودية الأولى، ولم تذكر كتب التاريخ من ذلك شيئًا.

وإنما غدى تعيين ولي العهد نظامًا إبان مُلْكِ عبد العزيز وسببه فيما يظهر الخلافات والقتل والانقلابات بين الأشقاء على طول مدة الدولة السعودية الثانية والتي كان آخرها والده الذي أزاله أخوه سعود بن فيصل بمساعدة ابن رشيد إلى أن عاد مرة أخرى قبل أن يزيله ابن رشيد ثانيًا.

والمهم عُيّن أول ولي للعهد سعود بن عبد العزيز في السادس عشر من محرم عام 1353هـ، وبعد ذلك غدا النص على ولاية العهد سياسة متبعة في البلاد، لكنه لم يُنصَّ هل النظام ملكي وراثي أو ينتقل في الإخوة الأكبر فالأكبر أو ماذا؟ ومضى الأمر على ذلك إلى أن جاء عهد فهد، فنص النظام الموضوع في عهده للحكم الأساسي على أن الملك: “في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويُبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم”، ثم لما ولي العهد محمد بن سلمان عدل الملك سلمان النظام وأضاف فيه: “ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملكا ووليا للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس”، وكأنه أراد ألا يقصي محمدًا إخوتَه، والمهم هو أن موضوع بيعة ولاية العهد حادث، فهذه كما تقدم لم تكن إلا في العهد السعودي الثالث، وكان باعثها وقائيًا من الاغتيالات والانقلابات الأسرية التي شاعت في الدولة الثانية، وهذا ما لاحظه الملك سلمان فأراد أن تبقى كذلك عاصمة فمنع من تولية العهد للأبناء بعده على خلاف ما كانت عليه الدولة السعودية الأولى، وهو تعديل يراعي الكبار الذين عادة ما يكون لهم نفوذ، ويمنع اضطراب الأمور إذا انقطع نسل أحدهم أو حصل معه ما حصل عبد الله بن سعود الكبير المقتول بالأستانة رحمه الله، ثم هو واقعي فقد لاحظوا أن توريث الأبناء في الدولة الثانية سبّب فتنًا متتابعة، لكن السؤال هل توريث الإخوة أو أفراد العائلة عاصم من ذلك؟ وهل هو سبيل رشيد؟ الذي يتأمل التاريخ ويسبر أحوال الممالك والأمم لا يجد قاعدة مطردة فقد يقلل التوريث الفتن والنزاعات بشروط، وقد يزيد من الفتن والنزاعات في حالات، أما شروط كونه عامل استقرار، فأن يكون الوارث أهلاً مقبولاً وإن لم يكن خيرَ الناس في وقته، لكن لا يوجد من هو خير منه ينازعه، ومن ذلك تولية الأكبر سنًّا لكونه في الغالب أكثر تجربة وجاهًا عند الناس، وأثرًا في مدة أبيه أو أخيه غالبًا، وليس ذلك بلازمٍ فأحوال الناس تختلف، لكنه مؤشر. وقد لوحظ أن الملكيات الأوروبية المستقرة التي طبقت نظام “حق البكورة” (انتقال الحكم للابن الأكبر حصراً)، كانت أكثر سلاسة واستقرارًا من غيرها في أمر الانتقال السلمي للسلطة، المهم أن يكون البكر كفؤًا.

وانقطعت سياسة توريث الأبناء بأولئك الإخوة الذين كان آخرهم عبد الرحمن بن فيصل والد عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة، ومورث الأشقاء المعروفين. والذي جاء هو الآخر بانقلاب دموي ذبح فيه عامل ابن رشيد أمام قصره، وهم يعدون تلك بطولة ولا يجرؤ مِنْ عَبَيدِ السلاطين أحدٌ أن يذم من حكم بالدم وضرب “بالسيف الأملح”! أو يصفه بالخارجية! وهل ملك آل السعود كما رأيت -مذ قيام الدولة الثانية- إلا سلاسل من الخروج على الولاة متتابعة! لكنهم يسارعون إلى الوصف بالخارجية من قال بالحق وأمر بالمعروف ونهى عن منكر سلطانًا جائرًا وإن لم يطلب حكمًا فبئس ما قدمت له أنفسهم، وما اعتقدته قلوبهم! والله حسيب دعاة السوء.

أما متى تكون ولاية العهد سببًا في الشقاق والنزاع ووقوع الفتن؛ فأهمها حالتان:

حال الوراثة المفتوحة، وغياب قانون التوريث الواضح؛ من ذلك ما كان في أواخر الدولة العباسية وبعض مدد الدولة العثمانية (قبل تطبيق نظام الأقدمية)؛ وقد بلغ الحال أن يقتل السلاطين إخوتهم أو أبناءهم لمنعهم من منافستهم على العرش.

وأما الحال الثانية فحال تولية غير الأكفاء كالقصَّر كما كان في عهد المماليك البرجية، وكذلك تولية السفهاء وقليلي الخبرة وضعفاء البصر في الأمور، الذين شعارهم العنتريات: “سوف ندمرهم تدميرًا”، (ونحن أولو قوة وألو بأس شديد)، وقديمًا استعاذ من استعاذ من إمرة الصبيان:

وما سقطتْ يومًا من الدّهرِ أمةٌ

إلى الذُّل إلاّ أن يسود ذميمُها!

إذَا سَادَ فِيها بَعْدَ ذُلٍّ لَئيمُها

   تَصَدَّى لَها ذُلُّ وَقُدَّ أدِيمُها

وما قادَهَا لِلْخَيْرِ إِلَّا مُجَرِّبٌ

 عَلِيمٌ بِإقبال الأمورِ كَرِيمُها

وما كلُّ ذِي لُبِّ يُعَاشُ بِفَضْلِهِ

وَلَكِنْ لِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ حَكِيمُهَا

ومن عبر التاريخ توريث الإمبراطور الروماني كومودوس وكان قد ورث الحكم عن أبيه الفيلسوف ماركوس أوريليوس، وكان كومودوس على اسمه يدوس! حاكمًا سيكوباتيًا يقتّل المعارضين -في غير السفارات ويدمر- أدت تصرفاته إلى اغتياله ودخول الإمبراطورية في حرب أهلية مدمرة عرف بـ”عام الأباطرة الخمسة”.

فهل تعصم بيعة ولي العهد بمجردها من ذلك؟ وما حكمها ولزوم بيعتها في شرع الله؟ لهذا موضع ومقال، أصلح الله الرعاة والعمال، وأجار من إمرة السفهاء وسوء الأحوال.