فر طارق العفاش، لا لم يهرب. خان «الشرعية» والسعودية، لا لم يخن. انسحب مرغمًا تحت وطأة القتال، لا بل سلم مفاتيح المخا وما حولها للحوثيين عن طيب خاطر! يأتمر بأوامر الرياض، لا بل بأوامر أبوظبي.
ونحن: سنلملم جراحنا، ونواصل «معركة التحرير»، ولا يهمنا ما مضى، وبينما نتحدث عن المستقبل نجد أقدامنا لا تزال غارقة في وحول الماضي وآثامه وكوارثه العظمى، فكل أسباب الهزائم والانكسارات والانحطاطات حاضرة ومستقبِلة.
جهزت السعودية أموالاً وأسلحة لكنها لم تجهز رجالًا متراصين قانعين بما هم مقدمون عليه، ولم تأل جهدًا في الدعاية، غير أنها نسيت عُدة الحرب الحقيقية، وجمعت ما بين «الشامي والمغربي» كما يُقال، ولم تنظم عقولهم وأفكارهم وعقائدهم حول هدف واحد، يمكن لأصحابها أن تُضحي من أجلها، بل جمعت حولها خبالًا ودُّوا ما ظفرتم!
الفرق بين إعداد السعودية وإيران لحروب اليمن، وكل الحروب في المنطقة، هو الفرق بين المشرق والمغرب. فإيران احتضنت أصحاب مذهب مقارب لمذهبها الديني، وأخضعت قادته الدينيين والعسكريين والسياسيين لدورات وتأهيل عالٍ في طهران وقم منذ نحو عشرين عامًا، ومدتهم بعد ذلك بالمال والسلاح، ووضعت بين أيديهم مستشارين من الحرس الثوري، وجهزت مخابراتهم، لتكون هي الأفضل في اليمن، فتقنع أصحاب الأفكار القريبة، وتستقطب بدعاوى المقاومة من يُؤسرون بذلك من قادة القبائل وقادة الرأي والفكر، وتجتذب من يغريهم المال من قادة الفصائل المحاربة لهم.
وبعد هذا، فتمنح إيران حلفاءها قيمة وحضورًا شبه مستقل، وتسمح لهم بهامش تحرك يرضيها ويرضيهم ويرضي أتباعهم وشعبهم.
وفي المقابل، جاء قادة السعودية على كل مدماك يبنيه المقاومون للمشروع الإيراني، فأتت به من قواعده قبل أن يرتفع، فلملمت أشتاتًا لا جامع لهم ولا رابط، بل شركاء متشاكسون، وأغدقت بالمال على من لا يستحق ولا يفيد، وتحالفت مع صاحبة أكبر معول هدم لمشروعها، وهي دويلة الإمارات المصطنعة، وأسلمت لها قياد المعركة، وانتقلت معها من هزيمة إلى أخرى، واستعذبت منها كل مرة طعنات الخيانة، ولا تتوب!
جهزت السعودية أموالاً وأسلحة لكنها لم تجهز رجالًا متراصين قانعين بما هم مقدمون عليه، ولم تأل جهدًا في الدعاية، غير أنها نسيت عُدة الحرب الحقيقية، وجمعت ما بين «الشامي والمغربي» كما يُقال، ولم تنظم عقولهم وأفكارهم وعقائدهم حول هدف واحد، يمكن لأصحابها أن تُضحي من أجلها، بل جمعت حولها خبالًا ودُّوا ما ظفرتم!
وكلا الدولتين، السعودية والإمارات، جاءت على قلب جيش اليمن الوطني فطعنته، ومعقل سنة اليمن فأضعفته، وبداعي كراهية التيار الإسلامي، خانتا قوات علي محسن الأحمر، ثم قوات الإصلاح، وبذلت الأخيرة كل طاقتها من أجل إضعاف الإصلاح وهزيمته، وهو الكتلة الصلبة الوحيدة المخلصة التي كان يمكنها أن تقف في وجه المشروع الحوثي.
وفي قلب المصيبة الحالية، تستعد الإمارات لتوجيه ضربتها الأخيرة للإصلاح في تعز، وتستعد السعودية لتلقي الطعنة النجلاء الأخيرة. والكل ينسحب من أمام الحوثي ما دام قد أسلم قياده للإمارات، والسعودية (النظام) جاهلة أو غافلة!
وتخوض السعودية حروبها الأخيرة بقوات تجمع ما بين المدخلي الذي يكفر الإصلاح، والوحدوي الذي يلعن الانفصاليين، والعسكري الذي يمقت الفصائل، وفي الخلف تقف السعودية «تشد من أزر» الإصلاح، وهي تضع جماعته الأم على قوائمها للإرهاب! وتحشد قادتها السياسيين وهي تُذلهم في الرياض في كل مرة، فتخذلهم تارة وتحبسهم في قصورها تارة، ثم تريد بهم أن تنتصر وتكسب معاركها العبثية!
وكلا الدولتين، السعودية والإمارات، جاءت على قلب جيش اليمن الوطني فطعنته، ومعقل سنة اليمن فأضعفته، وبداعي كراهية التيار الإسلامي، خانتا قوات علي محسن الأحمر، ثم قوات الإصلاح، وبذلت الأخيرة كل طاقتها من أجل إضعاف الإصلاح وهزيمته، وهو الكتلة الصلبة الوحيدة المخلصة التي كان يمكنها أن تقف في وجه المشروع الحوثي.
تجمع الإخواني والمدخلي، والعفاشي والشيوعي، والحضري والقبلي، والعسكري والثائر، في صف واحد وتريدهم أن يكونوا في النهاية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا!
وتتخذ سياسة مترددة خانعة حائرة، لا هي سلم ولا حرب، ولا كر ولا فر، لا لون لها ولا طعم، وتود من جنودها أن يبذلوا الروح والمهج من أجل جنونها هذا!
سيُستقبل الحوثي في طهران كالأبطال حين يزورها، مثلما كان حسن نصر الله يُستقبل من قبل علي خامنئي في الماضي، ندًّا لندٍّ، ويجيء قادة الرئاسي كما الخدم في قصور الرياض كما الحريري حين ضرب وأهين من قبل رعاته.
ولو أردنا أن نستفيض لأفضنا في حالين متضادين تمامًا، لجهة تنتقل من نصر لآخر، وأخرى تلاحقها المعرة والذل أينما حلت، هكذا تصنع طهران، هكذا تصنع الرياض، وكذلك يحصدان!