من البدع التي حقها أن تنكر في بلدنا أكثر من إنكار بدعة المولد النبوي، بدعة عيد الجلوس أو يوم البيعة أو ذكرى الولاية، تعددت الأسماء والأمر واحد! وذلك بسبب ما تنتجه من النفاق والمداهنة والغش للراعي والرعية والكذب والثناء بالباطل.
وبينما يبالغ قوم في إنكار بدعة المولد ويغلون تراهم لا ينبسون ببنت شفة في بدعة يوم الجلوس وتجديد البيعة، مع ما فيها من مظاهر الغلو الذي تراه على بعض وسائل التواصل: تمجيد وتقديس لمن لا يتيمز بمتين ديانة أو علم، وإظهار للفرح، والطاعة والخضوع له، يكاد يبلغ التأليه لمن طاعته في كثير من الأمر ليست قربة! ومع ذلك يتعبد بها بعضهم إلى الله تعالى! ويعبِّدون الناس قسرًا باعتقادها.
وبدعة الاحتفال بالجلوس على العرش بدعة أصلها أعجمي، جمعت التشبه الممنوع إلى الإحداث في الدين، فالغرب هم الذين سنّوا الاحتفال بيوم الجلوس.. ولعل أول أمره من قبل الانجليز فقد اشتهر عن الملكة إليزابيث الأولى (Elizabeth I) أنها -وبطلب من المؤسسة الدينية الرسمية والشعب- جعلت من يوم ملكها عيدًا وطنيًا شعبيًا ودينيًا يُحتفل به سنوياً في 17 نوفمبر! وذلك بعد تمرد سياسي بعد منتصف القرن القرن السادس عشر الميلادي، عرف بتمرد الشمال، ثم تبنت الدولة وهيئة كبار علمائها ممثلة في الكنيسة الإنجليزية ذلك اليوم رسميًا عيدًا وطنيًا للاحتفال بازدهار عهدها واستقرار الدولة وانجازاتها!
أما في عهود الخلافة الإسلامية بدءًا من الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين فلم يعرف يوم جلوسٍ ولا تجديدِ بيعة في مناسبة موعودة تتكرر بعينها، وإن كان قد حصل في بعض العهود المتأخرة عن صدر الإسلام تجديد بيعات لأسباب سياسية كعارض غير ملتزم. بل لم يعرف تجديد البيعة والاحتفال بالملك أو الجلوس عيدًا يخصص له يوم من كل عام حتى في أوائل وأواسط العهود العثمانية، وإنما عرف ذلك في القرن التاسع عشر (عصر التنظيمات العثمانية والانفتاح على التقاليد الأوروبية)، عندها فقط بدأ العثمانيون بالاحتفال سنويّاً بما سمي “عيد جلوس السلطان”، وبخاصة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني؛ حيث كانت تُضاء المدن، وتضرب المدافع، وتُوزع الإكراميات والميداليات والإنعامات وتكثر الشرهات! وتلقى الكلمات، وتقال الأشعار، لكنههم كانوا يعلنونه عيدًا بدون مخادعة أو تدليس، ولهذا تجد القائل يقول:
يوم الجلوس على العرش الحميدي أجلُّ عيدٍ على الدنيا سياسي
في قصيدة باردة طويلة!
وتماشى مع تلك السخافة فقهاء -بالتأويل الذي تراه اليوم عندنا- فقال الشيخ سليمان العبد وهو من مشيخة الأزهر:
عيد الجلوس مبشِّرٌ بالنَّصر والفتحِ المبين
وسعوده تزهو بسعـ ـدك يا أمير المؤمنين
إلى آخر ما قال.
وكانت وسائل الإعلام محدودة فتذيع الجرائد الرسمية التهاني، وتحتفل المجلات على قلَّتها، ويقول الشعراء الكبار القصائد، ومن ذلك قول حافظ إبراهيم:
لمحتُ جلالَ العيد والقومُ هُيّبٌ فعلَّمَنِي آيَ العلا كيف تكتبُ
ومثّلَ لي عرشَ الخلافةِ خاطري فأرهبَ قلبي والجلالة تُرهب
سلوا الفَلَكَ الدَّوار هل لاح كوكبٌ على مثل هذا العرش أو غاب كوكب
وهل أشرقت شمس على رحب ساحة إلى مثل ذاك البيت تُعزى وتُنسب
وهل قرَّ في برج السُّعود متوَّجٌ كما قرَّ فى (يلديز) ذاك المُعَصَّبُ
إلى آخر قصيدته التي تجد فيها من الغلو مثل ما تسمعه من قومنا في منابر إعلامية وغيرها من كلمات التمجيد والإجلال والخضوع والتذلل، لكن البليغ القدير يخرجها في ثوب قشيب من النسج العالي فيطرب ويُحَسِّن قبيح تلك البدعة!
وبينما يبالغ قوم في إنكار بدعة المولد ويغلون تراهم لا ينبسون ببنت شفة في بدعة يوم الجلوس وتجديد البيعة، مع ما فيها من مظاهر الغلو الذي تراه على بعض وسائل التواصل: تمجيد وتقديس لمن لا يتيمز بمتين ديانة أو علم، وإظهار للفرح، والطاعة والخضوع له، يكاد يبلغ التأليه لمن طاعته في كثير من الأمر ليست قربة! ومع ذلك يتعبد بها بعضهم إلى الله تعالى! ويعبِّدون الناس قسرًا باعتقادها.
غير أن ذلك في بلادنا السعودية حادث وفيه مفارقة فأولئك قوم لهم تأويل في حسن بعض البدع، وأصل وجوب بيعةِ خليفة جامع لا إشكال فيه، بخلاف بيعة من ليست له ولاية عامة ولا اجتمع عليه الناس إلا في قطر ورقعة محدودة، فهذا في مشروعية بيعته من أصلها خلاف، والتحقيق أنها تجوز ولا تجب، ويطاع طاعة المتغلب، أمام الإمام الذي تجب بيعته فهو الذي يجتمع عليه الناس كلُّهم فيقولون: هذا إمام! وما يحتج به بعضهم في تأثيم من لم يبايع متغلبًا خضعوا له في قطر من أقطار الأرض قد أجاب عنه الإمام أحمد، قال ابن هانئ: سألت أَبا عبد اللَّه عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية» ما معناه؟
قال: تدري ما الإمام؟ الذي يجتمع المسلمون عليه، كلهم يقول: هذا إمام، فهذا معناه [مسائل ابن هانئ (٢٠١١)]، وقال: «ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فدفع الصدقات إليه جائز برا كان أو فاجرا» [منهاج السنة لابن تيمية ١/٢٩].
والعجيب أن الذين يعظمون أمر بيعة المتغلب على قطر واحد بنحو هذا يتغابون عن مُبَايع قبلَه، أو متغلب سابق على قطر آخر فلا يقولون: يقتل صاحبهم الأخير لأنه إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما! [كما ثبت في صحيح مسلم (١٨٥٣)] ولا يلزمون الناس عندهم ببيعتهم للسابق! والله تعالى يقول: ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [سورة الروم: ٣٠-٣١]، وذم التفرق، وأمر بأن تكون الأمة أمة واحدة، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه في الصحيحين قال: “قُلتُ: فإن لَم يَكُنْ لهم جَماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلِ شَجَرةٍ حتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وأنتَ على ذلك”، والمقصود لم يكن لهم إمام جامع؛ لأنه لا يخلو قوم من كبير يأتمرون بأمره ويصدرون عن رأيه، ولهذا جاء عن ابن عمر رضي الله عنه قوله: والله لا أعطي بيعتي -وفي رواية صفقة يميني- في فرقة ولا أمنعها من جماعة، [رواه البيهقي وغيره بأسانيد لا بأس بها] . وهذا يقرره من رموز السلفية غير البلاطية السلطانية كبارٌ معاصرون كالشيخ الألباني رحمه الله، والشيخ مصطفى العدوي حفظه الله.
أما قومنا فينكرون كلَّ بدعة أشد الإنكار، وكثير منهم يغلو في إنكار صغيرها ويجعله في عداد الذنوب الكبار، لا يميز مرتبتها من مخالفة الشريعة فيضعها فيها باعتدال! ثم يتعبد الله بتجديد ببيعة مَن في أصل مشروعية بيعته خلاف، بله التجديد والذكرى والعيد!
وهذه البدعة -ذكرى البيعة- لم تُعرف خلال الدولة السعودية الأولى ولا الثانية، وأول ما كانت في عهد الملك عبد العزيز، وزعموا أنها بطلب من الشعب! ولا يبعد أن يكون ذلك بطلب بعض متزلِّفي البلاط؛ ويقال: إن الشعوب تصنع طغاتها، وكثيرًا ما كانت أصنام العرب من صنع أياديها!
يا أمتي كم صنم مجَّدتِه لم يكن يحمل طهر الصَّنم!
والمهم أن مبدأ عيد الجلوس في السعودية كان اقتراحًا من (بعض) الشعب! وذكروا أن الملك عبد العزيز أظهر تمنعًا في البدايات ثم انشرحت نفسه فأقامه! هكذا قالوا! ولا أدري لم يحضرني هنا قول الأول:
سألوني اليمينَ فارْتعتُ منها ليُـــغَرُّوا بذلك الارْتـياعِ
ثمَّ أرسلْتُها كمنْحَدرِ السَّيـــــ ـلِ تدلَّى من المكان اليفاعِ
نعوذ بالله من ظن السوء بعاجز عن مخالفة شعب خاطئ! فالشعب يريد إحياء النظام! وإذا الشعب يومًا أراد الحياة فربما يستجيب الملك! على كل حال يقول بعض من أرخ لذلك -وأي مؤرخ في قبضة المُلْكِ لا يحابي- وهو الغلامي في كتابه (الملك الراشد عبد العزيز آل سعود، ٩٣)، تحت عنوان: (عيد) جلوس جلالته: “إن هيئات عديدة حكومية وشعبية عرضت على جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود إحياء ذكرى يوم جلوسه على عرش المملكة أسوة بالملوك الآخرين في مختلف أنحاء العالم، غير أن الملك عبد العزيز كان قد رفض طلبهم بقوله لهم: هذه المظاهر التى تجعل المرء يركب أجنحة الغرور، وينسى الواجب، تنحوا عن الذي ألقاه الله تعالى على عاتقه.
ولكن هذه الهيئات كررت هذا الطلب على جلالته لإظهار ولائها وتعلقها بعرشه، وألَحَّت كثيرًا بهذا الطلب، فلم ير بدًا من النزول عند رغبات أبناء شعبه، ولكنه أمر باحياء هذه الذكرى في اعتدال والاكتفاء بما قلَّ من المظاهر، وأن تكون هذه الذكرى ساعات بِرٍّ وإحسان.
أما قومنا فينكرون كلَّ بدعة أشد الإنكار، وكثير منهم يغلو في إنكار صغيرها ويجعله في عداد الذنوب الكبار، لا يميز مرتبتها من مخالفة الشريعة فيضعها فيها باعتدال! ثم يتعبد الله بتجديد ببيعة مَن في أصل مشروعية بيعته خلاف، بله التجديد والذكرى والعيد!
وقد استمر إحياء حفلات عيد الجلوس إلى سنة ١٣٤٩هـ/١٩٣١م، إلى أن أمر جلالته بالغائها نزولاً عند رغبة العلماء من أبناء شعبه، باعتبار أنها بدعة وعادة أوربية أكثر منها إسلامية أوعربية، فأجاب مُلْتَمَسَ أولئك العلماء”، هكذا سماه ملتمسًا كما سمى الملك المتغلب بالسيف السافك للدّم راشدًا. والمهم هو أن الله عز وجل بفضله أبطل تصنيم الملك بنَصَحَةٍ علماءَ في وقته.
وقد حفظ لنا بعض الفضلاء فحوى مكاتباتهم ومخاطباتهم التي لا تكاد تجدها اليوم، فكتب في سبب إنكار من أنكر من العلماء محمد رشيد رضا في المنار [الجزء ٨، المجلد ٣٠ ] يقول: أنكر بعض إخواننا السلفيين من هذه الحكومة الشرعية السنية مجاراة الحكومات الدنيوية في ابتداع الأعياد السياسية لذاتها، ولما يلزمها من المنكرات عادة كإنفاق المال في غير المصارف الشرعية، وتكليف الرعية بعض النفقات والأعمال التي ربما لا يفعلونها مختارين.. ثم هون من أمر هذه البدعة شيئًا ما.. ولست ممن يغلون في إنكارها لكن في إنكار ما يفعله بعضهم فيها وما تكون سببًا له، وقد تجاوز الأمر ما ذكر من المفاسد، والمنكر إن لم ينكر يكبر أسرع.

وعلى كل حال كان الملك عبد العزيز ذكيًا يعرف ما يوطد أركان حكمه، وما تميزت به دولته، فسارع بالرجوع وإعلان التوبة والاعتذار للعلماء، وكتب في ذلك خطابًا ساقه (الغلامي، ٩٤) في كتابه عن عبد العزيز ونصه:
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود إلى حضرات الاخوان الكرام.
قرة عيني وبهجة قلبي علماء المسلمين، وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه وجعلنا
وإياهم في متاع عبيده وأوليائه آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وصلني كتابكم المكرم الذي ابتهج به قلبي وسرني غاية السرور، وقد أخذته بعين القبول مني وممن ولاه الله أمر المسلمين، لذلك إني أقول: “ربي اني ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي”. فما عملته من عمل موافق للكتاب الله فهو من الله، وما عملته مخالفًا لأوامر الله فهو منى ومن الشيطان، واستغفر الله، وبحول الله وقوته سترون إن شاء الله ما يسركم في كل أمر يعلي الله به كلمته، ويزيل الله به كل أمر يخالف أوامره بحوله وقوته، وإني لا أزال رهين فضلكم ونصائحكم الثمينة، وأرجو من الله أن يحيينا على ملة الاسلام ويقيم بنا أوامره، هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته الله.
الملك عبدالعزيز.
فهلا قام اليوم عالمٌ فقال لابن عبد العزيز الزم غرز أبيك، وأعد سيرته، فإنه أسلم لك، وأبعد عن نفاقك، وعن تمجيدك بالباطل وتقديسيك، وعن اتخاذ يوم جلوسك يوم لهو وعيد، وأبعد عن استطالة أهل البدعة عليك بالحق! عافاك الله وأصلحك.