عن جَعفَر بن برقان، قال: سألت ميمون بن مهران، فقلت: كَيفَ تَرى في الصَّلاة خَلفَ رَجلٍ يُذكَر أنه من الخوارج؟ فقال: «إنك لا تُصَلِّي له، إنما تُصَلِّي لله، قَد كُنَّا نُصَلِّي خَلفَ الحجاج، وهو حَروريٌّ أزرَقي». فنَظَرت إليه! [يعني متعجبًا]، فقال: «أتَدرون ما الحروريُّ الأزرَقي؟ هو الذي إذا خالَفتَ رأيَه سَمَّاك كافِرًا، واستَحَلَّ دَمَك، وكان الحجاج كذلك» [مسائل حرب الكرماني ١/٥٢٥]، وخصيصة الخوارج استحلال الدماء والغلو في الأحكام تبديعًا غليظًا وتكفيرًا كما تراه من مدعي الجزائية المتخصصة اليوم! ومذكرات النيابة العامة وحجاجي هذا العصر وأشياعهم.
ولا فرق بين أن تقتل وأن تقصد أن تقتل فتخيب، وترمي سهم الحقد فلا يصيب! اللهم إلا في وجوب القصاص، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: إذا التقى المسلمان بسيفَيهما، فقتل أحدُهما صاحبَه، فالقاتلُ والمقتولُ في النَّارِ قيل: يا رسولَ اللهِ! هذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟ قال : إنه كان حريصًا على قتلِ صاحبِه [متفق عليه]. وكم ترى اليوم من ممثل للنيابة العامة يتقدم بكل برودة وجه حريص على قتل فاضل! يتقرب بدمه إلى ذي عرشٍ زائل!
وذلك ذنب من أعظم الذنوب عند الله تعالى، قال ابن عبد البر: لا معصية أعظم من إراقة دم امرئ مسلم بغير حق [التمهيد ٢/٦٤]، قال عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، قال القسطلاني: “وهذا تهديدٌ شديدٌ ووعيدٌ أكيدٌ، اشتمل على أنواعٍ من العذاب لم تجتمع في غير هذا الذَّنب العظيم المقرون بالشِّرك في غير ما آيةٍ” [إرشاد الساري ١٤/٢٣٦].
إن مجرد وجود دوائر ادعاء للدولة و مدع عام يطالب بقتل مثل الشيخ الأستاذ الدكتور عوض القرني حفظه الله، أو الشيخ سلمان العودة حفظه الله، مجرد وجود هؤلاء في سلك الدولة مدعين عنها وصمة عار وفضيحة كبرى تدلك على مستوى النظام وما بلغه من الجبروت والطغيان! وتعري فكره الاستبدادي الخارجي الأزرقي الحجاجي! وتقربه من الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس!
وهل كان قتل خاشقجي رحمه الله إلا ثمرة هذا التوجه وتلك الدعاوى! بل هل كان قتل عبد الله الحضيف قديمًا إلا نتيجة لذلك الفكر الخبيث! الذي خرج عن شريعة القصاص السن بالسن إلى شريعة التفريق بين الشريف الذي هو عامل الدولة! والوضيع الذين هم عامة الرعية من أشراف القبائل أو السوقة!
ولو قدر أن من سميت من الأعلام (إخونجية)، ثم قدر أن (الإخونجية) لا يدينون بالبيعة، ولا يرون السمع والطاعة طوعًا أو كرهًا لرجل قام في حين فرقة من المسلمين، فأراق الدم في سبيل الحكم، وورثه بنيه، لما كان ذلك موجبًا لأدنى عقوبة! ومن العجائب التي تدل على قلة الحياء، وصفاقة الوجه، وعظيم الجور، أن يطالب مدع بالقتل لمن لم ينبس ببنت شفة في الخروج على متغلبين خرجوا على سلطان قبلهم فقتلوه! فيترك هذا الذي استوجب القتل حدًا، ويقتل ذلك الذي لم يرتض بيعته لظلمه ولتفرق المسلمين عليه!
بل لو كان إمام عدل مجتمع عليه فهل يسوغ ترك البيعة وعدم الرضا بالإمامة الحكم بالقتل! بأي كتاب أم بأية سنة تستباح الدماء المعصومة بالإجماع!
بل هو مخالف للسنة وصريح الكتاب وفعل الراشدين؛ فهل عاقب الصديق سعد بن عبادة رضي الله عنهما لما امتنع عن بيعته!
“وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُبَايِعْ عَلِيًّا، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَمْثَالِهِ، وَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ قَاتَلُوا مَعَهُ، وَصِنْفٌ قَاتَلُوهُ، وَصِنْفٌ لَمْ يُقَاتِلُوهُ وَلَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ” [منهاج السنة ١/٥٣٥]. وإنما يقتل من نازع الإمام الذي اجتمع المسلمون عليه، أما من لم ينازع ولكنه لم يرض فيترك وشأنه وغايته أن يكون مذنبًا فيما بينه وبين ربه عز وجل فما دخول الادعاء بينهما!
إن مجرد وجود دوائر ادعاء للدولة و مدع عام يطالب بقتل مثل الشيخ الأستاذ الدكتور عوض القرني حفظه الله، أو الشيخ سلمان العودة حفظه الله، مجرد وجود هؤلاء في سلك الدولة مدعين عنها وصمة عار وفضيحة كبرى تدلك على مستوى النظام وما بلغه من الجبروت والطغيان! وتعري فكره الاستبدادي الخارجي الأزرقي الحجاجي! وتقربه من الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس!
أما أزارقة الدولة ومسائح البلاط من أتباع النيابة العامة الجائرين فأسهل ما عندهم الاندفاع نحو القتل جورا وعدوانًا لمن لم يُدن إلا بقول الحق وإنكار المنكر، أو تقدير أمور اجتهادية كحكم الجهاد في بلاد بعيدة! وقد كانوا في غناء عن الشِّركة في أمر تلك المظالم والدماء، فيا ويلهم عند القنطرة يوم تقاص الحقوق غدًا! ولله
ما كان أغنى رجالاً ضل سعيهم … عن الجدال وأغناهم عن الخطب
إذا كان المدعي يأخذ أجرًا ومتاعًا من الدنيا ومالاً فبأي شيء يبيع آخرون آخرتهم وكان يسعهم السكوت! وإذا عجز المدعي العام عن إثبات دعاواه سنين من الحبس متطاولة بلا أحكام، فلم يصر هؤلاء الحمقى على الدخول في دعاوى خاسرة، وخصومات فاجرة!
فقاتل الله التأويل الباطل، فهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ وقد جرى بسببه على الإسلام وأهله ما جرى! “قتل عثمان بالتأويل ولم يزل التأويل يأخذ مأخذه حتى قتل به عثمان فأخذ بالزيادة والتولد حتى قتل به بين علي ومعاوية بصفين سبعين ألفا أو أكثر من المسلمين، وقتل أهل الحرة بالتأويل، وقتل يوم الجمل بالتأويل من قتل، ثم كان قتل ابن الزبير ونصب المنجنيق على البيت بالتأويل، ثم كانت فتنة ابن الأشعث وقتل من قتل من المسلمين بدير الجماجم بالتأويل، ثم كانت فتنة الخوارج وما لقي المسلمون من حروبهم وأذاهم بالتأويل، ثم خروج أبي مسلم وقتله بني أمية وتلك الحروب العظام بالتأويل، ثم خروج العلويين وقتلهم وحبسهم ونفيهم بالتأويل إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا من حوادث الإسلام التي جرها التأويل! وما ضرب مالك بالسياط وطيف به إلا بالتأويل، ولا ضرب الإمام أحمد بالسياط وطلب قتله إلا بالتأويل، ولا قتل أحمد بن نصر الخزاعي إلا بالتأويل، ولا جرى على نعيم بن حماد الخزاعي ما جرى وتوجع أهل الإسلام لمصابه إلا بالتأويل، ولا جرى على محمد بن إسماعيل البخاري ما جرى ونفى وأخرج من بلده إلا بالتأويل، ولا قتل من قتل خلفاء الإسلام وملوكه إلا بالتأويل، ولا جرى على شيخ الإسلام عبد الله أبي إسماعيل الأنصاري ما جرى وطلب قتله بضعة وعشرين مرة إلا بالتأويل، ولا جرى على أئمة السنة والحديث ما جرى حين حبسوا وشردوا وأخرجوا من ديارهم إلا بالتأويل، ولا جرى على شيخ الإسلام ابن تيمية ما جرى من خصومه بالسجن وطلب قتله أكثر من عشرين مرة إلا بالتأويل، فقاتل الله التأويل الباطل وأهله، وأخذ حق دينه وكتابه ورسوله وأنصاره منهم، فماذا هدموا من معاقل الإسلام، وهدوا من أركانه، وقلعوا من قواعده، ولقد تركوه أرق من الثوب الخلق البالي الذي تطاولت عليه السنون وتوالت عليه الأهوية والرياح” [الصواعق المرسلة، لابن القيم، ١٧٠-١٧٢].
أما أزارقة الدولة ومسائح البلاط من أتباع النيابة العامة الجائرين فأسهل ما عندهم الاندفاع نحو القتل جورا وعدوانًا لمن لم يُدن إلا بقول الحق وإنكار المنكر، أو تقدير أمور اجتهادية كحكم الجهاد في بلاد بعيدة! وقد كانوا في غناء عن الشِّركة في أمر تلك المظالم والدماء، فيا ويلهم عند القنطرة يوم تقاص الحقوق غدًا! ولله
وشر التأويل الذي يوقع في حقوق العباد، فإن مبناها على المشاحة، بخلاف حقوق الله فالله غفور رحيم، لكنه حكم عدل يقتص للمظلوم من الظالم، ومن الحقوق التي لا يمكن تداركها قتل النفوس المعصومة، فإذا كانت فاضلة عالمة كان ذلك أشد إذ الضرر يتجاوز المقتول وأولياءه الأدنين إلى حرمان أمة كانت تنتفع به، ولهذا كان من شر أهل البدع الخوارج الذين خاصتهم استحلال الدماء المعصومة لا الامتناع عن طاعة متغلب! فهم كلاب النار، على ما هم فيه من الزهد والتأله والعبادة، لكنهم يستحلون الدماء بالكبائر، وما يرونه كبائر وهي صغائر، أو ليست ذنوبًا أصلاً كما أخذ أسلافهم على عثمان ثم علي رضي الله عنهما ما ليس بذنب، وكما يأخذ هؤلاء الجناة المدعون على الدعاة المسجونين ما ليس بذنب! بل ما حقه أن يجعل في مناقبهم! فيستحلون به دماءهم وأعراضهم، وهؤلاء لو كانوا في الزمن الأول لأفتوا بقتل الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما، ولأهدروا دم سعيد بن جبير، بل لو خرج نبي لعادوه كما يعادون أتباع الأنبياء اليوم بدعوى الخروج، وزعزعة الأمن، وشق اللحمة، إلى آخر تلك الدعاوى السخيفة التي ليست في كتاب الله جرائر بألقابها، ثم يرسلها الادعاء متأولاً كلمة، أو متكئًا فيها على مقالة وربما جملة أو تغريدة قرر الشيخ المتهم فيها رأيًا شرعيًا! تلبيسًا وتضليلاً، بينما لو حاز الملك بالسيف جاهل أو فاسق لعظمه أولئك المدعون وأسرعوا في طاعته ومنع الإنكار عليه! ولو اجتاحت يأجوج ومأجوج البلاد لآزروهم وعدوهم متغلبين! ولو خرج الدجال لاتبعوه وقالوا قد غلب! فهم حرورية على الفضلاء، جهمية مرجئة مع الخبثاء، أهل الأهواء، عماد الفتنة، وغششة الأمراء، وشياطين الحكام من الإنس، فاعرفوهم قاتلهم الله كلما أرادوا القتل، وأراح العباد من شرهم.