في ظل هذه الحرب المستعرة اليوم بين الصهاينة وأوليائهم الأمريكيين من جهة، وبين دولة الرفض إيران وحلفائها بلبنان من الجهة الأخرى، انقسم المتابعون للحدث إلى فريقين:
-ففريقٌ امتلأ قلبه غيظًا مما رآه من جرائم الصهاينة وفتكهم بأهل غزَّة، فلذلك صار يهلّلُ للصواريخ الإيرانيَّة ومسيرات الحزب اللبناني وهي تنزل فوق الصهاينة فتصيب منهم وتقتل، وربما عضد هؤلاء موقفهم بكون الشيعة من أهل القبلة ولهم انتماء للإسلام، فهم أقرب لنا من الصهاينة ومن وراءهم من النصارى والملاحدة.
-وهناك فريقٌ آخر يقف في الجهة الأخرى، مستحضرًا جرائم الرافضة في سوريا وذبحهم أهل السّنّة، ومناصرتهم نظام بشار، فلذلك صار يستبشر بمصاب الرافضة في إيران، ويفرح بما لحق بهم من تدميرٍ وقتلٍ، ويرى في تسلُّط اليهود عليهم عقوبةً إلهيةً عاجلةً نظير ما عملته أيديهم.
وبين هذا الفريق وذاك تقف فئةٌ حائرةٌ تتساءل عن الموقف الشرعيّ من هذا كله، فأين يفترض أن يكون موقف المسلم في ظل هذه المعركة الطاحنة؟
وقد زاد في تعقيد الصورة: حضور الإعلام الموجَّه الذي يعيد صياغة المعركة في وعي الجمهور بما يخدم هذا الطرف أو ذاك.
وفي سبيل إنضاج موقف أكثر اتزاناً واعتدالًا، نحتاج للتذكير ببعض النقاط:
١- من الضروري أن يتحلى المسلم في هذه النازلة بالوعي وحسن تصور الأمور، كي لا ينساق وراء المشاريع السياسيّة الفاجرة التي تجهد في استقطاب الناس وتجييشهم وراءها.
٢- لا بُدَّ أن يبني المسلم موقفه على نظرٍ موزون بميزان الشرع من خلال استحضار انتمائه لأمة الإسلام أجمع، دون أن يحصر نفسه في الولاءات الإقليمية أو الانتماءات الوطنيّة الضيقة المبنيّة على التحزّب الجاهلي، فالذي يعيش في غزّة ويعاني جرائم الصهاينة، لا يسوغ له أن يقطع نظره عمَّا عاناه إخوانه في سوريا والعراق من شياطين إيران وذيلها اللبناني، وبالمقابل: فالذين عانوا في سوريا بالأمس، ومثلهم الذين يعانون اليوم في دول الخليج من الصواريخ الإيرانية، عليهم أيضًا ألا يتجاهلوا محنة أهل فلسطين فيلينون ويميلون مع الصهاينة.
٣- من أحكم الأصول الشرعيَّة، وامتلك معها حسن تصوِّرٍ للحاضر، ووعيًا بالتاريخ القريب، فلا بدَّ أن يدرك أنَّ الصراع الحالي قائمٌ بين طرفين ليس فيهما من يستحق ولاءه، فالنظر هنا يتعلَّق فقط بفقه المصالح والمفاسد وأيِّ هذين العدوَّين أفجرُ وأشرُّ.
هذا من حيث الجملة، فإذا جئنا للتفصيل، فسنحتاج إلى وقفةٍ لشرح حال الطرفين المقتتلَين وما الذي يطمح كلٌّ منهما للوصول إليه:
فإذا بدأنا بإيران: فالناظر هنا لا بد أن يعي أنَّ الكلام عن (دولةٍ ذات مشروعٍ ورؤية عقديَّة) يختلف عن الكلام عن فردٍ شيعي يمكن أن يُنظرَ ويُبحَثَ عن قدر ما لديه من خطأ، فسياسات إيران وتعاطي قادتها مع الأحداث مبنيٌّ على أساسٍ من رؤيةٍ راسخةٍ قامت عليها دولتهم، وهذا الأساس يحمل بُعدًا عقديًّا مُغاليًا منحرفًا، ممزوجًا بأحقادٍ تاريخيّةٍ موروثة؛ فساسة إيران وقادتها يرون ويؤمنون أنَّ وظيفة دولتهم التي يدافعون عنها: التهيئة لخروج المهدي الغائب الذي سيثأر من أعداء آل البيت ومن أحفاد يزيد.
قد لا يفهم بعض الناس هذه الحقيقة، وربَّما استبعدوها، لكن من رفع عن عينيه الغشاوة وأزاح العواطف الساذجة، ثم قرأ وتابع وبحث فسيجد الكثير والكثير من المواقف والتصريحات التي تؤكد تلك الرؤية السوداء التي يحرص قادة الرفض على صياغة عقول رعاعهم وفقًا لها، حيث يحشون رؤوس الأتباع في الخطب والمآتم والاحتفالات الدينية بفكرة الانتقام والثأر التاريخي.
في العام الثاني من انتصار الثورة الخمينية، وفي خطابٍ بمناسب عيد النيروز من العام (1980م)، كان الخميني ينادي شيعة الخليج، ويقول لهم: “يا أبناء علي، انهضوا ضد أبناء يزيد”. (إيران من الداخل، ص217).
وفي العام (2008م) ألقى الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد خطابًا نقله التلفزيون الإيراني قال فيه: “إن الإمام المهدي يدير العالم، ونحن نرى يده المدبرة في شؤون البلاد كافة”، وأشار إلى أنَّ عودته قريبة، وقال: “إنَّ على الحكومة تسوية مشكلات إيران الداخلية في أسرع وقت؛ إذ إن الوقت يداهمنا”. (إيران من الداخل ص303)، يقصد بذلك قرب خروج المهدي الغائب الذي يفترض أن تتجهز الدولة لمناصرته فيما سيفعله.
تلك هي الرؤية الراسخة في وعي القادة الإيرانيين، وبموجبها سفكت دولة الرفض طيلة تاريخها الكثير من الدماء المسلمة، ومنها دماء حجاج بيت الله الحرام في أقدس بقعة وأشرف زمان، في الأحداث الشهيرة عام (1407هـ).
فالانتباه لمثل هذا الجانب هو ما أعنيه حين أقول إنه لا بد أن نعي معنى التعامل مع: (دولة ذات مشروع ورؤية عقديَّة)، فبسبب الغفلة عن هذا الأمر وقع الكثير من المصلحين في أخطاء تاريخية متكررة، وما كان ينبغي لتلك الأخطاء أن تتكرَّر لو أنهم ملكوا البصيرة والرشاد، وفهموا أثر العقائد الباطنية المنحرفة في إيقاد الأحقاد السوداء.
مع اشتعال الثورة السوريَّة فوجئ بعض الناس حين رأوا حزب اللات-الذي يفترض أن هدفه محاربة الصهاينة وتحرير الأراضي اللبنانية-فوجئوا به يستدير إلى الوراء، ويقتحم سوريا ليناصر نظام بشار الأسد، وينخرط مع سائر الميلشيات الشيعية الموالية لإيران في ذبح الشعب السوري وارتكاب المجازر البشعة بالضعفاء دون رحمةٍ أو شفقةٍ.
فوجئ بعض الناس بذلك: مع أنَّ التاريخ يقول لنا إن هذه لم تكن المرَّة الأولى، غير أنَّ الذاكرة القصيرة لا تسعف صاحبها في مثل هذه المواقف، فهذه الصورة سبق أن وقع مثلها في العام (1982م)، وذلك حين وقفت إيران مع حافظ الأسد الأب، فأيدته وهو يذبح ويشردُ عشرات الألوف ويدك حماة فوق رؤوس أهلها بالطائرات والمدافع والدبابات، ففي ذلك الوقت كان أهل الإسلام مصدومين بالأخبار البشعة التي كانت ترد من الداخل السوري، بينما كان الخميني يرسل مندوبه (آية الله) صادق خلخالي إلى دمشق ليعلن التأييد والمناصرة، وليطلق تصريحاتٍ يصف فيها الثائرين في حماة باسم “إخوان الشياطين”!
حدث هذا في الثمانينات، ثم نُسيَتْ تلك الصفحة المخضبة بالدم، وعاد الغافلون إلى غفلتهم وسُباتهم إلى أن استفاقوا على أخبار ميليشيات الحقد في العراق التابعة لإيران، وهي تهتبل فرصتها مع الغزو الأمريكي لتشرع في ذبح أهل السنة بناءً على الاسم والهوية، في واقعة صدمت أولئك الذين كانوا يعيشون في سبات وسراب مؤتمرات التقارب التي كانت تعقدُ لهم بانتظامٍ في طهران!
ومن نسي هذا أو لم يعاصره، فليرجع مثلًا لمقالة نشرها فهمي هويدي في الشرق الأوسط بعنوان: (مطلوب تحري حقائق التطهير المذهبي في العراق)، ومقالة أخرى نشرها بعنوان: (العراق: مراجع الشيعة يجب أن يتكلموا)، والمقالتان لا زالتا منشورتين على الشبكة.
في المقالة الأولى كان فهمي هويدي يقول: “يغمرني شعور بالحزن والأسى حين أجد نفسي مدفوعًا إلى التعاطي مع ملف السنة والشيعة، لأنني أحد الذين جاهدوا طويلًا-منذ ربع قرن على الأقل- لتجاوز ذلك التصنيف الطائفي، والتعامل مع الجميع باعتبارهم مسلمين من أهل القبلة، دماؤهم وأموالهم وأعراضهم عليهم حرام”.
حصل هذا في العام (2007م)، ولم يكد أهل السنة ينسون ذلك، حتى جاءت الثورة السورية لتعيد القصة من جديد، ولتوقظ الغافلين من أوهامهم (إن كانوا سيستيقظون).
ولعل من لطف الله تعالى ومن حكيم تدبيره أن تسبق الثورة السورية هذه الحرب الحاليَّة بين الرافضة والصهاينة، فالدماء التي سفكت بالأمس في سوريا لا تزال حاضرةً طريَّةً، وكأنه تصرخُ وتقول للمغفلين: لا تكرروا أخطاءكم للمرَّة الألفَ
هذا بالنسبة للطرف الإيراني.
فإن نظرنا للجهة الأخرى إلى دولة الصهاينة، فسنقول أيضًا:
إن ههنا خطأً تاريخيًّا من لونٍ آخر يتورَّط فيه نوع آخر من الناس، وأكثرهم-للأسف-ممن ينتسب للعلم والسُّنَّة ولطريقة السلف.
فطالب العلم كثيرًا ما يستغرق في الكتب والمصنَّفات ودروس العلم، وكثيرًا ما يستغرق في قراءة كتب العقائد التي يقرأ فيها شدَّة أئمة الإسلام على الرافضة والباطنية ومن شابههم، لكنَّه يغفل عن حقيقة أن أئمَّة السلف كانوا يفعلون مثل هذا وأعظم منه مع أهل الكفر المحاربين لأهل الإسلام، غير أنَّ من قصُر باعه وضعف اطلاعه ربما لا يرى في كتب العقائد التي يدرسها سوى الكلام عن الرافضة والجهمية والمعتزلة ونحوهم من الطوائف المنتسبة للإسلام، فإن استغرق في هذه المباحث بكليَّته، ولم يملك حسن نظرٍ وفهمٍ، ربما انساق في بليَّة التهوين من موالاة اليهود والنصارى من أهل الكفر المحاربين لأهل الإسلام.
وأصل الإشكال الذي يقع هنا يأتي من الغفلة عن حقيقة أنَّ علماء الإسلام الذين نقرأ نصوصهم في ذم الباطنية وأضرابهم في القرون الأولى، كانوا يعيشون في زمن ظهور الدين وغلبته على أمم الكفر، فلم يكونوا يعيشون في ظل ضعف دولة الإسلام أمام العدو الخارجي؛ فلذلك كانت معضلتهم التي أكثروا الكلام فيها تتعلق بالانحرافات والبدع الموجودة في قلب دولة الإسلام، ومتى تكلموا عن الكفار فهم يتحدثون-في الغالب-عن (أهل الذمة)، وهم الكفار الخانعون الخاضعون لسلطة المسلمين؛ فهذه الصورة كانت هي الحاضرة الماثلة أمامهم، فكانوا يحتاجون كثيرًا إلى البحث في الأحكام المتعلقة بها. فإذا لم يوسع طالب العلم اطلاعه وقراءته ربما قصر نظره على هذا الجانب فلم يبصر الصورة كاملةً، فيخفى عليه بسبب ذلك حقيقة موقف أئمة الإسلام من الكفار المحاربين وممن يواليهم ويناصرهم.
وبعض الناس ربما زاد في الشطط والضلال فاستحضر كلامًا لا يفقه معناه، من مثل: (إن الرافضة أضر على الإسلام من اليهود والنصارى)، ثم استجلب-دون فهمٍ-فتاوى (الصلح مع اليهود)، وهي الفتاوى التي يتحدث أصحابها عن (هدنة) بمعنى الصلح المؤقت، لا عن تطبيعٍ تمنح فيه أرض الإسلام للعدو، ويُقَرُّ له بسلطانه عليها وعلى من يعيش فوقها من أهل الإسلام، ثم تُوَقَّع معه الاتفاقيات الأمنيَّة التي تتضمن تجريم الجهاد ضده، ومطاردة المجاهدين ومنع تأييدهم، وتصنيفهم جماعاتٍ إرهابيَّةً، بل والدخول في تحالفاتٍ قذرةٍ ضدهم؛ فهذه كلها جناياتٌ موبقةٌ، وظلماتٌ وضلالاتٌ لا يمكن أن يسيغها أحدٌ يفقه في دين الله.
ونحن في هذا المقام لو اقتصرنا على الكلام العام عن خطر الكفار المحاربين وعن غلظة وتحريم موالاتهم وشناعة مظاهرتهم، لكان في هذا كفايةٌ لمن يملك قلبًا حيًّا معمورًا بمحبة الإيمان وبغض الكفر وأهله، غير أنَّ ههنا أمرًا زائدًا يخص الواقعة التي نتحدث عنها؛ فإذا كان نقول: إن إيران دولة ذات رؤية ومشروعٍ عقدي، فدولة الصهاينة لا تختلف عنها في ذلك، فهي دولةٌ لها مشروع يجمع بين البعد الديني والأطماع الاستعماريَّة، وهو فوق هذا مشروع دوليٌّ مدعومٌ تقف وراءه أمم الكفر الكبرى، هدفه إخضاع المسلمين لنفوذ اليهود وسلطانهم، وغايته المعلنة أن تكون لدولة اليهود الكلمة الأعلى في المنطقة، وأن تكون لهم حرية العبث ببلاد الإسلام كما يشاؤون، وهو ما بتنا نراه اليوم، بعدما صارت أيديهم تمتد لتطال أيَّ عدوٍ لهم مهما بعُد مكانه في عمق بلاد المسلمين.
فطالب العلم كثيرًا ما يستغرق في الكتب والمصنَّفات ودروس العلم، وكثيرًا ما يستغرق في قراءة كتب العقائد التي يقرأ فيها شدَّة أئمة الإسلام على الرافضة والباطنية ومن شابههم، لكنَّه يغفل عن حقيقة أن أئمَّة السلف كانوا يفعلون مثل هذا وأعظم منه مع أهل الكفر المحاربين لأهل الإسلام، غير أنَّ من قصُر باعه وضعف اطلاعه ربما لا يرى في كتب العقائد التي يدرسها سوى الكلام عن الرافضة والجهمية والمعتزلة ونحوهم من الطوائف المنتسبة للإسلام، فإن استغرق في هذه المباحث بكليَّته، ولم يملك حسن نظرٍ وفهمٍ، ربما انساق في بليَّة التهوين من موالاة اليهود والنصارى من أهل الكفر المحاربين لأهل الإسلام.
فلأجل جميع ما تقدم نعود لنقول:
إن هذه الحرب القائمة ليست سوى صراعٍ بين عدوَّين يقتتلان على الهيمنة والسيطرة علينا، وليس فيهما من يستحق أن نمنحه ولاءنا وعاطفتنا، (والكلام هنا عن الدول المتصارعة، لا عن مستضعفين من أهل الإسلام يقفون هنا أو هناك).
وحين يكون الحال على هذا، فسيكون الكلام في مقامين اثنين:
-فبالنسبة لمن يُبتلى بضرورة الانحياز لأي من الطرفين، كحال من يقفون في ساحة المعركة بفلسطين، فمثل هؤلاء إن اجتهدوا في تقدير مصلحة حربهم، فعليهم ألا ينسوا حقيقة الطرفين وعداءهم لأهل الإسلام، وأنَّ الرافضة وإن قدموا العون والمساعدة لهم، فهم يفعلون هذا لمصلحة مشروعهم لا أكثر.
-أما بالنسبة لمن يقف من بعيدٍ يرقب الأحداث ولا يشارك في الحرب، فمثل هذا ليس في مقامٍ يحتاج فيه للانحياز وإعلان تأييد أي من الطرفين، وهذا حال أكثر من يطرح سؤال: (مع من نقف؟).
المطلوب في هذا المقام أن يعي المسلم خطورة هذين العدوين، وأن يفهم أنه ليس فيهما من يستحق عاطفته وتأييده، فظهور اليهود وبسط سلطانهم على المنطقة شر، وتمكُّن الرافضة واكتمال مشروعهم النووي شرٌّ أيضًا، والبحث في أي الشرَّين أعظم كلامٌ لن ينتهي إلى شيءٍ، وهو في النهاية حديثٌ لا ثمرة له، ولا خير في تحويله إلى خصومةٍ ومعركة وتحزُّبٍ، فالمطلوب هنا: الوعيُ والفهمُ، وأن نبرأ إلى الله من اليهود ومن الرافضة معًا، وألا يحملنا بغض أي من الطرفين لنقع في موادَّة الطرف الآخر والميل له أو التهوين من شرِّه، والله الموفق.