إن لبعض الأحداث السياسية هزات وارتدادات على صعيد الفكر والعقيدة، تستمر آثار بعضها لسنوات وعقود بل وقرون، وينتج عنها مذاهب وأفكار وتيارات، ولم يكن ما تعرضت له غزة في السنوات الماضية حدثًا عاديًّا ولا عابرًا، بل هي جريمة وعدوان وإبادة، جرت فصولها على أعين الناس جميعًا، ونسجت تفاصيلها من خيوط الخذلان، من الأقارب قبل الأباعد، فذبح الشيوخ والنساء والأطفال، والمسلمون يكتفون بالمشاهدة في موقف لا يعبر عن أدبيات الإسلام، ولا أخلاق العرب ومروءاتهم، ولا تقره قوانين الإنسانية، ولا تستسيغه إلا العقول الممسوخة!
لا شك ولا ريب أن حدثًا كهذا له آثار وانعكاسات في كل مناحي الحياة، ومن ذلك الجانب الفكري والعقدي، كعادة الأحداث الكبرى في تاريخ الناس والمسلمين، لا ترحل إلا وقد تركت آثارها في نفوس الناس وعقولهم، وهذا يجعل من أهم الواجبات على مجاهدي غزة وعلمائهم ودعاتهم وسائر إخوانهم المسلمين: مراجعة مواقفهم والانتباه لما سيتركه هذا الحدث على قناعات المجاهدين وقاعدتهم الشعبية، فهو الإعداد المعنوي الذي لا قيمة للإعداد المادي بدونه، وهو الإيمان الذي يجعل للسلاح جهادًا، ويميزه عن السلاح بيد اللص والمجرم.
قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) وهكذا هي طبيعة الحياة وسنن الإله، تكفهر الفتن، فيتميز الأصيل من المزيف، ويصدق على المجاهد وصف الجهاد، حينما يبذل جهده ويتعب في مقاومة أهوائه وعواطفه وشهوات نفسه؛ ليتلمس ويبحث عما يريده الله منه، لا ما توجهه إليه نفسه برعونتها وطبيعتها وقصورها!
وقد حدثنا الله في القرآن عن فتنة من أعظم الفتن التي عصفت بالمسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وميَّزتهم، حتى ظن كثير من ضعاف الإيمان والمنافقين أنها نهاية الإسلام، ألا وهي فتنة الأحزاب، وتكالب الكفار على المؤمنين في المدينة وحصارهم، فقال تعالى: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا )
إن الشأن كل الشأن في فوز المسلم أن يكون من هؤلاء الذين لم يبدلوا تبديلًا، وتلك نكرة في سياق النفي، وتعني: أي تبديل كان، في الإفراط والتفريط، فهم قبل الفتنة بمنهجهم وجهادهم وإيمانهم، كما هم بعد الفتنة، لم تزدهم الفتنة إلا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله.
وإن من أعظم الفتن التي قد تخلفها أحداث غزة المؤسفة: دخول تيارات التفكير المنحرفة بشقيها الإفراطي والتفريطي، على مجاهدي غزة ومسلميها، فيبدلوا تبديلًا من أي جهة كان هذا التبديل، بالتراجع عن طريقهم أو بالجنوح نحو طريق آخر، فتضعف قناعة بعضهم بالجهاد والإعداد ويلجأ للطرق السياسية والثقافية اللادينية أو الوطنية التي يزينها المنافقون ويصدحون بها صباحًا ومساء، ويزعمون أنها الحل الوحيد!
ومن جانب آخر: تتوحش النفوس وتستحكم غربتها مع الأحداث، فتقسى القلوب وتتجه للتطرف والانفصال عن جسد المسلمين ووسط السنة.
وهذا اللون الثاني من التبديل له شواهد في تاريخ الأمة الحديث، فإن جماعة التكفير والهجرة في مصر ولدت من رحم سجون الطغاة في عهد العبد الخاسر جمال عبدالناصر، حيث نضجت مبادؤها وأفكارها تحت لهيب التعذيب والمجازر التي ارتكبت في هذه السجون، فأنتجت أفكارًا غير متوازنة ولا مستقيمة في النظر إلى الأمة والناس والمسلمين والتعامل معهم، وولدت تطرفًا وغلوًّا وانحرافًا عن الجادة وعن الإسلام.
وفي غزة العزة والجهاد: ومع استهداف العدو لقيادات المجاهدين وعلمائهم، ومع استحكام الخذلان العام، ومع ما كان للروافض من دور في دعم المجاهدين بغض النظر عن سياقاته، فإنه قد ظهرت بوادر لمثل هذا التأثير الفكري في بعض شباب المجاهدين وقاعدتهم الشعبية، مما يهدد سلامة وصفاء ونقاء واحدة من أهم وأقوى التجارب الجهادية في العصر الحديث.
ومن مظاهر هذا التأثر: تولد مشاعر البراء من المسلمين، والمجاهرة بالعداوة لبعض شعوبهم، خاصة شعوب الخليج، والاشتغال بالمناكفة وبما يثير العداوات معهم، وفي المقابل تولد مشاعر الولاء للروافض التي تصل إلى لون من ألوان التشيع العقدي، ومن مظاهر هذا التأثر: إحداث الفرقة بين المجاهدين وشق صفهم وتصنيفهم .
وإن من أعظم الفتن التي قد تخلفها أحداث غزة المؤسفة: دخول تيارات التفكير المنحرفة بشقيها الإفراطي والتفريطي، على مجاهدي غزة ومسلميها، فيبدلوا تبديلًا من أي جهة كان هذا التبديل، بالتراجع عن طريقهم أو بالجنوح نحو طريق آخر، فتضعف قناعة بعضهم بالجهاد والإعداد ويلجأ للطرق السياسية والثقافية اللادينية أو الوطنية التي يزينها المنافقون ويصدحون بها صباحًا ومساء، ويزعمون أنها الحل الوحيد!
لقد مرت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بأطوار من العلاقات مع الدول الإسلامية وغيرها، وتلقت الدعم في فترة من الفترات من عدة نظم سياسية، من مصر والخليج والأردن وإيران، وكل هذا الدعم كان لتقاطعات سياسية، ولم يكن إيمانًا بعقيدة الحركة الإسلامية في مجاهدة اليهود، والدعم الوحيد الذي يصدق عليه هذا الإيمان والذي ينطلق من نفس منطلق الحركة الإسلامي: كان دعمًا شعبيًّا من عموم المسلمين ومن أعيان العلم والدعوة ورجال الأعمال ومعظمه من شعوب دول الخليج.
وفي الفترة الأخيرة لما استشرى في بعض النظم السياسية العربية النفاق، وزادت عداوتها للإسلاميين، كانت حماس في موازنة صعبة في إدارة علاقتها مع المسلمين، ورغم تأثير المنافقين من الحكام: إلا أن حماس نجحت بشكل كبير في عدم قطع علاقتها مع وسطها ومحيطها الإسلامي والسني، وظلت يدها ممدودة حتى لأعدائها، ومن أوجه هذه الموازنة التي اتخذتها الحركة: أن كان في رجالها وقيادتها من يتحدث مع كل الأطراف السياسية المختلفة بما يطمئنهم، فلها مع الاتصال بالعرب قيادات، ولها مع الاتصال بالإيرانيين قيادات، وجميعهم على قلب رجل واحد في الحرص على مصلحة الجهاد وإن اختلفت وجهات نظرهم في التفاصيل والجزئيات؛ فلهم مجلس شورى يحل فيه الخلاف بآلية واضحة ومحكمة.
غير أن النزيف الذي أصاب قيادات الحركة وعلمائها بعد أحداث غزة قد رفع صوت كثير من الشباب الذين لم يسلموا من ظلال المجزرة المعتمة على أفكارهم، فارتفع صوت التصنيف والتخوين، والزعم أن هناك تيارين داخل الحركة، ومناقشة التوجهات السياسية بالصوت العقائدي الحاسم خارج مجلس الشورى، بما يزيد من البلبلة والتفرق والعداوة بين أبنائها، خلافًا لما كان يسود في السابق من ظهور الحركة وقياداتها وأتباعها بجسد واحد خلف راية الجهاد، إن كانت آراؤهم الجزئية تختلف في مجلس الشورى ثم يتفقون على أحدها دون عداوة أو تفرق أو تصنيف.
ومما ألقته المجزرة من ظلال معتمة على أفكار بعض شباب المجاهدين: علاقتهم مع المسلمين عامة، وشعوب الخليج خاصة، فانتشرت مشاعر العداء، وقوالب المناكفة والسباب الجاهلي، الذي يوغر الصدور ويزرع العداوة والبغضاء.
كانت الحركة في يوم من الأيام تسكت عن بعض القيادات الفلسطينية التي تجزم بعمالتها حرصًا على مصلحة الوفاق باتجاه عدو مشترك واحد، وكذلك تسكت عن قيادات عربية عميلة وربما تمدحهم في مصر وغيرها، وهو منهج قويم ومتزن وله حظ من النظر الشرعي، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسكت عن المنافقين حرصا على سمعة المسلمين ووحدة صفهم أمام الكفار والعدو الخارجي، وقد ورد عنه في الأحاديث الصحيحة أنه قال عن ترك رأس النفاق: ( لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقتُلُ أصحابَه) فهذا حرص على كلمة المسلمين أمام عدوهم الخارجي، وقال مرة عن تركه لرأس النفاق: ( لَو أَخذتُه لَاحْمَرَّتْ لَهُ أنُوفٌ ) أي غضب له أتباع من قومه من المسلمين، فهذا حرص على وحدة المسلمين الداخلية وتجنيبهم ما يفرق شملهم، وقد ذكر بعض الفقهاء: أن حدود الله لا تقام على المسلمين في غزوهم وجهادهم، وهذا من شواهد ترك بعض الشريعة لمصلحة أعظم في توحيد صف المسلمين والمحافظة عليهم أمام أعدائهم بمن فيهم من المخطئين.
هذا المنهج المتوازن لم يتجاوزه بعض الشباب المتأثرين بالظلال المعتمة فحسب، بل ولجوا إلى ما هو شر منه، من الخوض في العداوات والإحن الجاهلية وسباب الشعوب، مما يزيد الفرقة بين المسلمين ويفرح اليهود والمنافقين.
ومما ألقته المجزرة من ظلال معتمة على أفكار بعض شباب المجاهدين: علاقتهم مع المسلمين عامة، وشعوب الخليج خاصة، فانتشرت مشاعر العداء، وقوالب المناكفة والسباب الجاهلي، الذي يوغر الصدور ويزرع العداوة والبغضاء.
إن في شعوب الخليج من الإيمان والبذل مثل ما عند المجاهدين في غزة ، كما أن فيهم من المنافقين والعملاء مثل ما هو موجود في غزة وفي سائر فلسطين، فكيف يأنف الفلسطيني من وصم شعبه بالعمالة ولا يأنف من وصم شعوب الخليج بالعمالة؟! وكيف يأنف الخليجي من وصم قومه بالعمالة ولا يأنف من وصم الفلسطينين بها؟! كما جاء في الحديث : ( إنَّ أَعظَمَ النَّاسِ عِندَ اللهِ فِريَةً لَرَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا فَهَجَا القَبِيلَةَ بِأَسْرِها ) إن سباب الشعوب والأقوام منهج النزق والظلم والجاهلية، وهو من أعظم ما يوهن صف المسلمين ويقوي جانب اليهود وأعوانهم.
إن الحاجة ماسة لتوحيد صف المسلمين واستنهاضهم للوقوف خلف المجاهدين، فحتى كثير ممن خذل الإسلام وأهله اغترارًا بالدنيا لا يزال فيهم بذرة خير وليسوا منافقين، وإنَّ استمالتهم لصفِّ الجهاد خير من استعدائهم، فزرع العداوات وتكثير الأعداء منهج أهل النزق والطيش والانسياق خلف الأهواء والعواطف، وليس منهج العاملين لمصلحة الإسلام المجاهدين في سبيل ذلك.