ظاهرة الشباب الوطنـ(ج)ـي!

شهدت البلاد السعودية العديد من الانتماءات التي تمثلها الشباب المثقفون والكتاب والإعلاميون في أزمنة متفاوتة وأوقات مختلفة:

أولها وأهمها وأكثرها: الانتماء الإسلامي: الذي يقوم على أساس ديني، في ضوئه يجتمع الأفراد في جامعة إسلامية يفرحون لمصالحها ويتألمون لما يعتريها من ألم، كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم : (مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى).

وفي ظل هذه الرابطة كان للشباب السعودي إسهام عظيم علمي ودعوي وثقافي واقتصادي وإغاثي وعسكري وإعلامي، لا تجهله أقطار الأرض وأصقاع المعمورة، معظمه خير وإن كان فيه خطأ لا يسلم منه بشر.

ثم جاء الانتماء الوطني: والوطنية في أصلها فكرة تطورت ثم التصقت بالدولة الحديثة، حيث تفترض أن الدولة القطرية تمثل وطنًا ولشعبه مصالح مشتركة، وعليه أن يتسود على سائر الأوطان، ويدفع عن نفسه ضد سائر الأخطار، وانتشرت الوطنية في الأقطار العربية في نهاية حقبة الاحتلال عند من ناهض المحتلين على أساس قومي وقطري غير ديني، وكانوا مختلفي الأفكار والمشارب، إلا أنهم يتفقون على أهمية التضحية لأجل الوطن ومصالحه ومكوناته ( الشعب والأرض والتاريخ والموارد …إلخ).

ثم مع توغل الاستبداد والتفرد، جاء فيروس الوطنية بمتحور جديد يتغنى بالوطنية ولكنه لا يلتفت إلا لشخص مسيطر متنفذ، هو الوطن وهو مصالح الوطن وتوجيهاته دستور الوطن، ولا عبرة لشعب ولا أُمَّة ولا أرض ولا دين ولا تاريخ وحضارة ولا مصالح أخرى غير هذا الشخص القائد! وشاع بين الناس توصيف هذه الظاهرة الغريبة بإضافة الجيم الدالة على انحراف الفكرة وتحورها (وطنجية).

لم يكن لهذا المتحور أي إسهام علمي ولا ثقافي ولا دعوي ولا عسكري ولا خيري، وإنما له إسهام إعلامي مشوه: يملأ الدنيا ضجيجًا في وسائل التواصل الاجتماعي، بلغة سوقية، هي سباب وشتائم في معظمها، مصابة في أخلاقها لا تتورع عن الخوض في الأعراض والقذف ورذيل الكلام.

تقوم هذه الموجة على شاب يبحث عن كثير من الأضواء وقليل من المال، لا يتعب في طلب العلم ولا يستطيع القراءة كثيرًا، لا يمكنه دخول النقاش العلمي، وإنما يجيد الشتائم، أما حياته الشخصية فلا تختلف عن حياة كثير من شباب الوطن (ج) المعاصرين : تسكع في الأسواق، وسهر في الاستراحات، وسماع للأغاني، ومتابعة للأفلام، ولهث خلف الفتيات والعلاقات المحرمة، إلا من رحم ربي.

ثم يأتي هذا النموذج المهترئ: ليقيم علماء ودعاة ومجاهدين ومثقفين من مختلف العالم الإسلامي، وهو في تقييمه لا يعرف علمهم ولا تاريخهم ولا تضحياتهم ولا قضاياهم، الشيء الوحيد الذي يعرفه، أن القائد الذي يسير هو خلفه كما تسير البهيمة خلف المرياع لا يعجبه هذا العالم أو المجاهد أو المثقف أيا كان!

فيقوم بالسب والشتم وإصدار الأحكام التي لا يفقه معانيها أصلًا، مستغلًّا بيئة ثقافية وإعلامية موبوءة، محكومة بالحديد والنار، لا يستطيع صاحب الحق أن يدلي فيها بحجته، فهو إما مسجون، وإما معرض عن هذا الوباء، وإما مساير له ومداهن كمن يحني رأسه للعاصفة.

ثم مع توغل الاستبداد والتفرد، جاء فيروس الوطنية بمتحور جديد يتغنى بالوطنية ولكنه لا يلتفت إلا لشخص مسيطر متنفذ، هو الوطن وهو مصالح الوطن وتوجيهاته دستور الوطن، ولا عبرة لشعب ولا أُمَّة ولا أرض ولا دين ولا تاريخ وحضارة ولا مصالح أخرى غير هذا الشخص القائد! وشاع بين الناس توصيف هذه الظاهرة الغريبة بإضافة الجيم الدالة على انحراف الفكرة وتحورها (وطنجية).

وهذا الشاب الوطنـ(ج)ـي، حينما يتلفظ في منصة إكس بمقذوفاته اللفظية التي توزع عليه: خوارج، إرهابيين، إخوان، متطرفين، وغيرها من الشتائم، لا يعرف شيئًا لا عن العقيدة ولا عن تاريخ الأفكار ولا الحركات ولا عن السياسة! إنما يبحث عن أضواء ومكتسبات، تمامًا كما تفعل بعض الساقطات من متاجرة بالتبرج وإبراز المفاتن لهثًا خلف مال وأضواء، دون وعي بمردود ذلك لا على الدين ولا الأُمَّة ولا الأخلاق ولا مصالح الوطن التي ما فكروا فيها يومًا!

ومن الملاحظ أن هؤلاء المتاجرات بأجسادهن: وطنجيات أيضًا وكثيرًا ما يستطلن على من ينتقدهن دينيًّا وأخلاقيًّا بهذا المنطلق الوطنجي والتذكير بالقائد ورؤيته (2030) التي مكنتهن من التكسب بعد أن كانت أخلاق المجتمع وتدينه تمنعهن من ذلك!

وهؤلاء الشباب الوطنجية أصلحهم الله وهداهم لا يضحون بمصالح الدين والوطن والأمة فحسب، بل هم مضحون بمصالحهم حتى، فكثير منهم إما عاطل وإما له إخوان عاطلون، وكثير منهم يواجه معوقات كبرى في بناء الأسرة وفي الوضع الاجتماعي المستقر نتيجة ما يدافع عنه من مشاريع!

فتلك المشاريع والرؤى الوطنجية إنما جاء بالتضييق عليهم في أرزاقهم ومعاشاتهم وفي أخلاقهم ودينهم، فالسياسة الجديدة خفض الإنفاق وكثرة الضرائب ومحاربة التدين وتمكين الفجور، كلها تضرُّ بهم إضرارًا بليغة وبمشاريعهم وطموحاتهم ولكنهم لا يفقهون.

وأشد وأخطر ما يكون من دركات الوطنجية القبيحة: تلك العبارات التي يرميها بعضهم وهي تسلبهم إيمانهم ودينهم، كمن يقول: نتبع قائدنا وزعيمنا ولو فيما يخالف الدين!

وكمن يقول: نتبعه إلى جنة أو إلى نار!

وهذه العبارات هي من الكفر الأكبر المخرج من الملة، التي لا تبدأ بالمبالغة في تعظيم القائد والمتبوع فحسب، بل تبدأ من الاستهانة بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وبالدين في قلب ذلك الوطنجي المسكين، ثم تنتهي إلى ملئ الفراغ باتباع قائده وزعيمه المسكين الآخر.

وقد نصَّ العلماء على كفر من قال: أؤمن بالرسول إذا أذن لي أبي أو شيخي ونحوه! ولو آمن بعد ذلك، لأنه مصرح بأن طاعة متبوعه فوق طاعة الله ورسوله، فهو وإن أطاعهما إلا أنه قد كفر بجعل طاعتهما تابعة لغيرهما، والواجب أن تكون طاعة الله ورسوله مقدمة على ما سواها.

وكذلك أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) بأنهم كانوا يطيعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكانوا بذلك كفارًا مؤلَّهين لغير الله مشركين به! فكيف بمن لا يكتفي بطاعة متبوعه في تحليل حرام أو تحريم حلال، حتى يصرح أنه يطيعه قبل الدين كله، وأنه يطيعه ولو ذهب به إلى النار! عياذًا بالله من الكفر والشرك والنفاق.

ومع ظهور مثل هذه العبارات المنحطة وما يشابهها، ورغم ما تتضمنه من مصادمة عظيمة للعقيدة الإسلامية وللإيمان والتوحيد، إلا أنك لا تجد إنكارها من قبل الناس، ولا بيان لخطورتها وكونها ردَّة عن دين الله، مجاملة للجو الوطنجي المسعور، أو جهلًا بالعقيدة والتوحيد، ثم بعد هذا وأمثاله من مظاهر الانحراف، لا يتورع المرء عن تزكية نفسه وقومه بقوله: نحن أهل التوحيد وبلاد التوحيد ونحوها من عبارات، لا يصدقها العمل ولا الواقع.