القصد من هذه المقال التصوير الذي يُسهل التقرير، ويبسط الأمور ليسهل تصورها، فالتصور الصحيح نصف الطريق إلى الحكم الصحيح!
هب أننا نعيش في حي العرب ومعنا في الحي المعلم جورج أبو صهيون كافر من بلاد بعيدة له مصالح في حيِّنا ودكان في حارتنا، يستقي من بئر لنا، ويأكل في مطعم قريب من دارنا، إلى غير ذلك، ويصدر إلى قومه في بلاده من خيراتنا ما تيسر له.
وكان الحي المقابل لنا وهو الحي الشرقي معاديًا مكاشحًا منذ عهد بعيد، وكان يكفينا همَّه، الحيُّ الشمالي وكان أقربَ إلينا، لكنْ الحيُّ الشمالي فجأة ترك ما هنالك واستدار إلينا، وكاد أن يفتك بنا، فتدخل ربع جورج صاحب الدكان، وأعانونا ولكنهم تجاوزوا فدموروه تدميرًا، وسلطوا عليه رجال الحي الشرقي الذي كان يعاديه، بل سلطوا رجاله على أصدقاء لنا آخرين في بعض جهات الحي الغربي.
بعدها رأينا أن نسمح لجورج في بناء ثكنة يقيم فيها ربعه تصد عنا وتدرأ الحي الشرقي.. قد نكون مخطئين أو لم تبد لنا أغراض ربع جورج لكن تلك نيتنا وذلك ما كان بعد جدل بين مفكري حي العرب.
ثم ظهر بعد ما يؤكد مخاوف من كانوا لا يرون إقامة ثكنات لربع جورج، فهؤلاء ما لبثوا أن نشبت بين أهلهم وحمولتهم في بلادهم حربٌ مع الحي الشرقي!
فطفق الحي الشرقي يضرب قرابتهم الذين في الثكنات عندنا، ثم تجاوز وبدأ يضرب في دكان صاحبنا جورج! ثم تجاوز وغدى يضرب البئر والمطعم ويضرب في كل جهة لأولاد حيِّنا يتعامل معها جورج! بل وما لا علاقة لجورج به!
ألا يسوغ لأهل الحي العربي أن ينتصروا من الحي الشرقي؟ هم ما سمحوا للثكنة أن تكون إلا ردعًا لصد عدوان الشرقي، وقد تحقق عدوانه!
هذا السؤال الذي يدور في أذهان أهل جزيرة العرب الذين هم أهلنا ونحن منهم.
وقبل الجواب عليه دعني أقرب لك المشكلة.
لا يخالف أكثر العقلاء في أن جورج النصراني أبو صهيون الذي أقام عندنا هو وربع من قومه، شرٌّ من المسلم الذي كان في الحي الشمالي! فانتصفت منه، وأعانني جورج عليه قديمًا. سبب مشكلتي مع الحي الشمالي لم تكن هي كونه أعظمَ شرًّا أو أطغى أو أظلم أو أخطر من جورج.
سبب مشكلتي معه أنه يضربني ويعتدي عليَّ في ظاهر ما يرى، بينما جورج الأخبث والأشر لا يضربني بل ينصرني وأنا المحق. وهذا التصوير البسيط يقرب مناطات الحكم على المسألة الكبيرة فلنأت لها!
سبب مشكلة العرب مع إيران ليست كونها شرًّا من أمريكا أو إسرائيل (بصرف النظر عن حقيقة هذا)، بل لكونها معتدية عليهم.
البحث في هل الرافضة مسلمون، وهل هم شرٌّ أو الصهاينة، ومن الظالم أو الأظلم فيهما، بحث لا تعلق له بالمشكلة، هو بحث مضلل في سياق الواقع. ليست القضية حربًا بين ظالم وأظلم، أو مظلوم وظالم. المشكلة باختصار هي أن هذا المظلوم يعتدي علي ويظلمني، فهل يجب علي أن أسكت عنه؟ وأن أنصره على ظالمه؟ أو يجوز أن أرد ظلمه وأجازيه على ضربه لي؟
مررتُ بحسن الموسوي المسلم ابن عم لي بعيد فكلنا نعود إلى هاشم، وجورج الكافر يعتدي عليه ويضربه، فقلت: يا جماعة استهدوا بالله! وحاولت فض الاشتباك، فمسكني الموسوي وجعل يضرب فيّ، ٨٥ ضربة يوجهها لي وضربة لجورج! هل يحق لي أن أرد على ضربه لي؟ أو إن رددت ارتددت بإعانتي الكافر على المسلم؟ لا أظن أن فقيهًا يقول هذا!باختصار باعث ردك على مظلوم يظلمك قد يكون محرمًا إذا كان ظلمًا منك له وإعانة لظالمه. وقد يكون مشروعًا إذا كان ردَّ عدوان ومجازاة له على ظلمه لك (في حدود ذلك).
هل يفهم من ذلك أنك أيها البعيد الوادع في أوروبا تؤيد ضرب أهلك في الخليج لإيران جزاءً وفاقًا؟هل تشجعهم على الرد؟ أو تقف مع عدوهم لأن ظالمه أشرُّ وأظلم؟
جوابي:
أعتقد أن الصواب أن لا أشجع أهلي في الخليج على الرد، بل أثني على ما هم فيه من ضبط النفس مع بيان حقهم في الرد، ولا سيما وأنا أخشى أن يكون ثمة تدبير من جورج ليشغل الحي الشرقي بحي العرب ببعض، ثم ينسحب تاركًا أهلي في حي العرب وحدهم في الميدان، مبتزًا للجميع بعد ذلك. ومن جهة أخرى طبيعة الحروب المعاصرة، لا يسلم فيها الأبرياء، والحي الشرقي لو أغفلنا حكم عوام الجهال فيه الساخطون على حكومتهم، فتوجد غيرهم نسبة مقدرة من إخواننا السنة لا تقل نسبتهم في بعض الدراسات الرصينة عن ٢٥٪، وتوصلهم بعد الآراء إلى أكثر من ذلك.هؤلاء سيكتوون بهذه الحرب أكثر من غيرهم.
لأجل هذا سوف أحث على صلح بدعوة إخواني في حي العرب إلى مواصلة ضبط النفس الذي يشكرون عليه، مع وضوح إنكاري للظلم والضرب الذي يطالهم، ونهيي الظالم له عن ظلمه، وإعلاني أن ردهم عليه المدروس الذي يطال قوى معينة كالباسيج والحرس مشروع لهم إن أمكنهم دون إضرار بالعامة.
البحث في هل الرافضة مسلمون، وهل هم شرٌّ أو الصهاينة، ومن الظالم أو الأظلم فيهما، بحث لا تعلق له بالمشكلة، هو بحث مضلل في سياق الواقع. ليست القضية حربًا بين ظالم وأظلم، أو مظلوم وظالم. المشكلة باختصار هي أن هذا المظلوم يعتدي علي ويظلمني، فهل يجب علي أن أسكت عنه؟ وأن أنصره على ظالمه؟ أو يجوز أن أرد ظلمه وأجازيه على ضربه لي؟
ومع ذلك يجوز لي أن أقول لقد ظلم جورج الحي الشرقي حليفه بالأمس الذي سلطه على أهلنا في الحي الغربي! وأن موقفي الأخلاقي إنكار وإدانة وشجب ظلمه للحي الشرقي، وإعانة من قد يضعف أبا صهيون وابنه ولا يضر بي في صدد كفِّ شرِّ جورج. بمعنى دعم له على ظالمه الأبعد بكل ما لا يقويه على ظلم أخي. ولا يعني دعمي له قتالي معه، وهو يضرب إخواني ويضربني! كما لا يعني مده بالمال أو السلاح.
لك أن تقول:
لكننا وجدنا أناس في الحي الغربي، قد فرحوا بما نزل بالحي الشرقي من الظلم فما حكمهم؟
أقول:تصور لو أن أحدهم أضخم منك جثة وجدك في الطريق، فطفق يضربك ليأخذ ما في حقيبتك من المال، أو ليأخذ هاتفك المحمول، ضربًا بغير هوادة مستعد لأن يقتلك لأجل هذا. وبينما أنت تكابد منه وتعاني لتدفعه، إذ جاء رجل فأخرج رشاشًا وصوب على جسد الرجل فجعل منه غربالًا وأهمده، هل ستسر بذلك وتتنفس الصعداء وتقول الحمد لله الذي كف شرَّه عني أو ستقوم منكرًا على الرجل جريمة القتل الشنعاء التي ارتكبها؟!
قبل أن تتسرع بالجواب دعني أطرح سيناريو آخر:
بينما كان الرجل يضربك وأنت في ركن تتقي ببعضه وتغطي وجهك، وهو ينهال عليك بالضرب لا يرحم، عازم على قتلك إن لم تسلم ما عندك، إذ سقط من أعلى المبنى عليه شيء فسحقه سحقًا. هكذا قدر من ربك! هل كنت ستفرح وتحمد الله على قدره أو سوف تحزن وتقيم على الرجل مأتمًا وعويلًا؟الطبيعي أن تفرح بتخلصك. ثم إن كنت محسنًا نبيلًا قد تكرم جنازته.. وربما تترك ذلك لغيرك.ما العبرة من ذلك؟
العبرة أن نفهم جهتي نظر مختلفتين إلى الرجل الذي كان يضربك ثم جاء من فتح فيه الرشاش وأثخنه.
الأولى: نظر إليه بعين القدر الذي خلصك وكفاك شرَّه، فهذا يقتضي فرحك، وحمدك لربك وشكره على خلاصك، وعلى إراحتك منه. وهذا فرح طبعي متفهم.
الثانية: نظر بعين الشرع، ومعرفة لواجبك، وهو أن ما جاوز رد عدوانه من العدوان عليه ظلم، لا تقره.فتقول لصاحب الرشاش: يا ظالم كان يكفيك أن تبعده، أو أن تصيب يده أو رجله! ولم تكن لتعين القاتل أبدًا ما أمكنك رد الظالم بما هو أيسر.
ولهذا عندما ترى السوريين يبتهجون بهلاك من أفرى فيهم، وساهم في إراقة دمائهم، وانتهاك أعراضهم، عليك أن تفهم أنه أمر طبعي عادي ليس بمنكر!
وإنما المنكر هو إعانة من هو أظلم على ظلمه الذي يطال من لا جناية له في الحي الشرقي.. فإن لم يقع منهم هذا، فجهة فرحهم شرعية أو عادية.
والساحة اليوم يتنازعها اتجاهان ينبغي أن يجمع بينهما وتؤلف منهما رؤية سديدة:
اتجاه يرى الإسهام في ما يضعف الجانب الصهيوني.. وهذا حق إذا قصر عليه دون تقوية لظالمنا على ظلمه لنا. واتجاه يرى جواز الانتصار من المعتدي الإيراني، وهذا حق إذا تحققت له شروط، تكفل عدم الإضرار بشعب كامل.
الذي ينبغي للمصلحين والمشايخ والدعاة هو العمل على معايرة الاتجاهين بحيث يصححا. وأن يتوافقوا ما استطاعوا، وأن يتراحموا، ويحفظوا أقدار بعضهم، لا تخسر أخاك لأجل عدوك! ولا تدفع محبًّا لك لأن يكون مع عدوك.
وفي هذا مصلحة كبرى وهي أن تبقى قلوب العامة مجتمعة على حبهم والانتفاع بهم، وإنما تنفع كلماتهم العامة، وتبصرهم بواجبهم، أما أهل السياسة فلهم مستشاروهم ولهم نظرهم، الذي لا يرعى كثيرًا رأيهم، وإنما يستخدم منه ما شاء!