حالة التناقض والانفصام التي يعانيها الغلاة في مواقفهم باتت تتكشف وتتعرى مع كل حدثٍ يمرُّ به أهل الإسلام. وكلّما كان الحدث عظيمًا جللًا، كان التناقض وازدواج المواقف أكثر وضوحًا وفَضْحًا لأصول أولئك الخلوف المنتسبين زورًا للسّلف.
ولعلَّ من حكمة الله سبحانه ومن حسن تدبيره في قضاء مثل هذه الأحداث كشفَ الزيف عن ذاك الطريق المحدث، وبيان براءة السلف منه، ليدرك أصحاب الحِجى أنّ تمويهات غلاة الطاعة التي يروجون لها باسم السلف، ما هي إلا مشروعٌ لتحريف الدين وتبديله يضارعون به صنيع اليهود والنصارى من قبل.
قبل سنواتٍ قريبةٍ نشبت أزمة (قطر) مع (السعودية والإمارات ومصر)، وكان الإعلام الرسمي في الجهتين مسلطًا ضد الجهة الأخرى، وفي خضم ذلك استضافت السعودية شخصيةً معارضةً من آل ثاني حكام قطر وشرعت في تلميعها، وامتلأ إعلامها بتأليب أهل قطر على أمرائهم وحثهم صراحةً على الخروج والتمرّد عليهم، وبعدما كان اسمهم حكامًا وأمراء وولاة أمرٍ، صار اسمهم في الإعلام السعودي (تنظيم الحمدين)! وفي الجهة الأخرى كان إعلام قطر يمارس العمل نفسه!
لم نسمع أحدًا حينها في الجهتين يتهم إحدى الحكومتين بنشر منهج الخوارج، بل رأينا من الغلاة في السعودية من يشارك- باسم السلفية- في هذه الحملة بقلمه ولسانه ويشارك في التحريض على (ولاة الأمر) في قطر!
وحتى من لم يشارك في الحملة فإنه لم ينطق بحرفٍ واحدٍ في التحذير من الانخراط فيما كانوا يعدونه من الموبقات ومن الأصول الكبرى لأهل البدع، وذلك بعدما وسعوا اسم الخوارج، ورموا به كلَّ من ينطق بأدنى كلمةٍ ينكر فيها شيئًا من منكرات الحكم، لكنهم هنا وضعوا استثناءً لولي نعمتهم، فلم يروا في استضافته شخصيةً معارضةً، ولا في تسليط أدوات إعلامه للتحريض الصريح على الثورة والخروج الصريح ما يوجب الوصف بمذهب الخوارج.
قد يقول متذاكٍ من أولئك المخذولين: إننا لم نوافق على ما كان يجري، لكنا سكتنا لأننا لا نرى الإنكار علنًا على وليَّ أمرنا. فنقول لهم: فهلا أنكرتم على من دون ولي الأمر ممن شارك في هذا الطريق كما كنتم تفعلون مع مخالفيكم في أدنى من ذلك؟!
وإن اعتذرتم وقلتم: نخاف الأذية والسجن والإيقاف، فسنقول لكم: فكيف يكون أميرًا سلفيًّا من يدعو لمذهب الخوارج، ويسجن من يعارضه في ذلك؟!
هلا توقفتم على الأقل عن ترداد شعار “دولة سلفية” وأنتم تسمعون وتبصرون بأعينكم ما كنتم تعدون القليل منه كافيًا للطبع بخاتم مذهب الخوارج!
نترك أزمة قطر، ونعود الآن إلى أرض الجهاد بغزَّة، لنقف على صورةٍ أوضح من صور العبث بالدين وبأصول أئمة السلف وأهل السنة والجماعة. فلأنَّ نازلة غزَّة نازلةٌ عظيمةٌ هائلةٌ، فقد عظُمَ تبعًا لذلك مأزق أهل الغلو، فتكشَّفت فيها الكثير من سوءات رأيهم الذي يقدمونه مزخرفًا بغلافٍ مبهرج يسمونه: (منهج السلف)؛ ذلك أن نازلة غزة حربٌ بين إسلامٍ وكفرٍ، وليست خلافًا بين جماعات إسلاميَّة، ولا نزاعًا بين ولي أمرٍ وناقديه، فهي تمثيلٌ حيٌّ لقاعدةٍ من قواعد التوحيد والإيمان: قاعدة (الولاء والبراء)، فمن هنا جاءت الفضيحة الكبرى التي خرقت خلالها الكثير من التأصيلات التي كان غلاة الطاعة ولا يزالون يتزينون بها.
حالة التناقض والانفصام التي يعانيها الغلاة في مواقفهم باتت تتكشف وتتعرى مع كل حدثٍ يمرُّ به أهل الإسلام. وكلّما كان الحدث عظيمًا جللًا، كان التناقض وازدواج المواقف أكثر وضوحًا وفَضْحًا لأصول أولئك الخلوف المنتسبين زورًا للسّلف.
كان الواحد من هؤلاء يتحدَّثُ في دروسه ومحاضراته عن فقه الجهاد، ويشنع على من يذهب للجهاد دون موافقة ولي الأمر، بحجة أن الجهاد شأنٌ منوطٌ بولي الأمر وحدَه، وأنه لا أحد يملك حقَّ إعلان الجهاد إلا هو، وأن ولي الأمر وحده هو من يقدر المصلحة والمفسدة في الحرب أو المصالحة.
فلما نهضت حكومة غزَّة للقتال، نسي العابث ما كان يقوله ويدعو إليه، وترك ما كان يندفع في تقريره بحرارةٍ وقوّةٍ، وانقلب بحرارة أشدّ لينتزع من أصحاب الولاية في غزّة حقَّ اتخاذ القرار بالجهاد، وأعطى نفسه حقَّ النظر في مصلحة القتال ومفسدته، ثم عاد مسفهًا لرأي المجاهدين باعتبار أن لديه- وهو يقف من بعيدٍ- من الحصافة والمعرفة بميزان المصالح والمفاسد ما قصرت عنه أفهامُ أصحاب الشأن المباشرين للنازلة.
تسأله عن هذا التناقض، فيقول لك: نعم، أمر الجهاد منوطٌ بولي الأمر، لكنّ هؤلاء ليسوا ولاة أمرٍ، بل هم مجرد جماعةٍ منحرفةٍ!
تسأله: ألم تتغلَّب هذه الجماعة (المنحرفة) على غزّة؟!
ألم يكن لهذه الحكومة قادة ووزراء وجيشٌ وسلطةٌ نافذةٌ؟
ألم تقلْ لنا في خطبك ومجالسك: إنّ الولاية تثبت للمتغلب وإن كان فاسقًا منحرفًا؟
تحاول الزيادة في الشرح، فتأخذ كتاب الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين (رحمة الله عليه)، وتوقفُه على شرح الشيخ لحديث: (إذا استُنفرتم فانفروا)، وتريَه كيف بيَّن الشيخ أنَّ المقصود هنا إذا استنفركم الإمام للجهاد فانفروا، وتقرأ عليه قول الشيخ:
(الإمامُ هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي»، إذا تأمر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا).
ثم تسأله بعد ذلك: ألم يكن هؤلاء أهل الولاية في غزّة؟ ألم يكن الجهاد قرارهم؟
هنا تراه ينكُص على عقبَيه ويلوي عنقه وذيله يتلمَّس مخرجًا لا وجود له.
تسمع آخر من هؤلاء يتحدث عن قاعدة أهل السنة التي تقول: (إن الجهاد ماضٍ مع كل برٍّ وفاجرٍ)، فيفيض في شرح هذه القاعدة الكبيرة، ويبين أنَّ من القواعد العلمية المأثورة عن السلف أنَّ جهاد الكفار لا يسقطه انحراف السلطان أو بدعته، وأنّ المسلمين عبر تاريخهم كانوا يجاهدون أعداء الإسلام تحت راية وُلاةٍ ظلمةٍ منحرفين، وأن القعود عن مقاتلة الأعداء بسبب انحراف السلطان يفضي إلى استباحة بلاد المسلمين وإلى تسلط العدو عليهم.
لكن ما إن يفرغ من هذا التأصيل السُّني السلفي العميق، حتى يلتفت إلى المجاهدين في غزة ليسقط جهادهم بحجة أنهم جماعةٌ حزبيةٌ تابعةٌ لإيران!
تسأله: هل هم كفارٌ؟
يقول لك: لا.
تسأله: أليسوا يقاتلون كفارًا صرحاءَ؟
يقول لك: نعم.
تسأله: فإذا كانوا عندك مسلمين، وإذا كانوا يقاتلون كافرًا صريحًا معتديًا، فكيف إذن استثنيتهم من قاعدة (الجهاد ماضٍ مع كل برٍّ وفاجرٍ)؟!
وهل من أصول أهل السنة أن المسلم إذا كانت له مصلحةٌ مع الرافضة سقط عنه حق الموالاة الإسلامية، وبطل جهاده حتى لو كان يقاتل كفارًا معتدين؟!
هنا لن ترى سوى المزيد من المداورة.
في درسٍ آخر تسمعه يعلنُ أن الجهاد لا يشرع إلا إذا كان يحقق المصلحة لأهل الإسلام، وأن الجهاد الذي تربو مفسدته على مصلحته ليس جهادًا مشروعًا.
وهذا تأصيلٌ صحيحٌ سليمٌ يتفق عليه العقلاء أجمع.
لكن السؤال الذي ستتعين مواجهته: من الذي يُناطُ به تقدير هذه المصلحة؟ أهو أنتَ؟ أم هو وليُّ أمرك خاصةً دون سائر أصحاب الولايات في أرجاء الأرض؟!
هنا لن تسمع منه أيَّ جوابٍ، لأن حقيقة ما يبطنه ويخفيه أنّ تقدير المصلحة في الجهاد في جميع بقاع الأرض منوطٌ بشخصٍ واحدٍ، فإذا أيّد هذا الواحد الجهاد في أفغانستان أصبح جهادًا شرعيًّا حتى لو كان في مواجهة ثاني أعتى قوة على وجه الأرض، وإذا لم يؤيد هذا الواحد الجهاد في فلسطين، فهو تهوُّرٌ وجهادٌ غير مشروعٍ!
تحاول الشرح له فتسأله: ماذا لو اجتهد أهل بلدٍ، وقدّروا أن المصلحة في القتال، ولنفترض أنهم أخطأوا التقدير، هل هذا يبطل جهادهم ويسقط حقّ نصرتهم ويبيح لك إطلاق لسانك بذمهم والتخذيل عنهم وهم يناجزون العدو؟
هنا لن تسمع أيضًا إلا المراوغة والمكابرة، لأنه لا يريد الإفصاح بحقيقة ما يعتقده من أنَّه لا جهاد في المشرق ولا في المغرب، ولا في الشمال ولا في الجنوب، ولا في أي كوكبٍ، إلا ما كان متفقًا مع سياسات حكومتي وولي أمري لا غير!
ومن أراد برهان ذلك فلينقل الكلام مع مثل هذا المراوغ من فلسطين إلى اليمن ثم ليسأله: ما المصلحة التي تحقَّقت من الحرب هناك؟!
الحرب بدأت والحوثيون يملكون صعدة، وانتهت وهم يحكمون أكثر اليمن، مع تدميرٍ للبلد وقتلٍ لعشرات الألوف من الأنفس، وإهدارٍ لمئات المليارات، فهل يمكن أن نناقش-ولو مجرد مناقشة- صواب أو خطأ قرار الحرب؟!
هنا سيثور وينتفض، ويقول: قرار الحرب اتخذه ولي الأمر، وهو الأعرف بالمصلحة؟ وانتقاد قرارات ولي الأمر يخالف منهج السلف، لأن ذلك يسبب الفتنة ويهيج العامة!
تعود به إلى غزّة وتسأله: لم لا تقول إن أصحاب الولاية هناك اتخذوا قرار الحرب، وأن انتقادهم يفضي إلى تفريق صفوفهم، وتهييج الناس عليهم وهم في حال حربٍ مع عدوهم؟
هنا سينكص من جديدٍ، ويرجع ليعدد عليك المفاسد التي ترتبت على قرار خوض المعركة مع الصهاينة.
ولو جرَّبت ثانيةً وثالثةً وعاشرةً فانتقلت معه من جديدٍ إلى اليمن لتشرح له مفاسد الحرب هناك، فستجده مرةً أخرى يعلنُ أن مجرد الخوض في هذا يعني الوقوع في المحرمات والبدع المخالفة لطريقة السلف الصالح!
فلا هو على استعدادٍ ليراجع قاعدة: لا يجوز انتقاد قرار ولي الأمر.
ولا هو راغبٌ في الكف عن إطلاق لسانه في نقد قرار أهل السلطة في غزّة.
تسمع الواحد من هذه الفئة الباغية العابثة يكثر من التحذير والنهي عن الخوض في الأحداث السياسية ويؤكد على خطأ الانشغال بها وإشغال الناس بأحداثها، ويقول دون حياءٍ: إن المسلم يُسأل في قبره عن بوله، ولن يُسأل عن فلسطين!
لكنّ هذا الشخص نفسه لا يستطيع ترك السياسة ولا تطيعه نفسه لصرف عنايته إلى التنظف من البول حين يُذكَرُ في مجلسه المجاهدون، بل تراه يندفع خائضًا فيما كان ينهى عن التشاغل به، فينخرطُ في عيب المجاهدين ورميهم بالعمالة، وكأنَّ لسان حاله يقول: إن الله لن يسأل العبد في قبره عن فلسطين، ولكن سيسأله عن عدم التنظف من بوله، وعن تقصيره في ذمِّ المجاهدين!
هذا التقلبات في المواقف تثبت حقيقةً تزداد وضوحًا مع كل حدثٍ، فما يطرحه غلاة الطاعة باسم (منهج السلف) لا يعدو أن يكون طلاءً شرعيًّا لسياسات ملوكهم وأمرائهم؛ فمنهم الفاجر مطموس القلب الذي يدرك هذه الحقيقة، ومنهم الساذج البليد الذي يتشكَّل وعيه- دون أن يدرك- من خلال أدوات الإعلام ومنابر التزييف المسلَّطة.
وتأمَّل مواقف من يتبنون الطرح (الوطني الجاهلي الصريح) من الأحداث العامة، ثم ضعها إلى جوار مواقف أولئك الغلاة وستدرك حجم التطابق بينها، فالفرق فقط إنما هو في الألفاظ والاصطلاحات: فالأول يحامي ويعادي على الوطن العظيم (السعودية)، والثاني يفعل الشيء نفسه، لكن باسم (دولة التوحيد)…الأول يعطي ولاءه الأعمى (لسمو سيده)، والثاني يفعل مثله لكن تحت شعار منهج السلف في طاعة (ولي الأمر)!
تسمع الواحد من هذه الفئة الباغية العابثة يكثر من التحذير والنهي عن الخوض في الأحداث السياسية ويؤكد على خطأ الانشغال بها وإشغال الناس بأحداثها، ويقول دون حياءٍ: إن المسلم يُسأل في قبره عن بوله، ولن يُسأل عن فلسطين!
الجهاد في غزة جهاد مسلمين ضد كفار، وهذا القدر كافٍ في جعله جهادًا يستلزم النصرة والموالاة حتى بالنسبة لمن لم يظهر له وجه المصلحة فيه. ومن قصَّر في النصرة، فحقه أن يستغفر الله ويسأله العفو، لا أن يجمع مع ذلك تأليب الناس على أهل الجهاد.
أليس من التناقض الفاضح أن يكون إنكار منكرٍ حكومي في بلدٍ آمنٍ مستقرٍّ سببًا في إشعال الفتنة، وتهييجًا على ولي الأمر، وتحريضًا على الخروج وسفك الدماء وذهاب الأمن، ومخالفةً لمنهج السلف، ثم يكون من صميم منهج السلف: القدح في قادة الجهاد بغزَّة في الوقت الذي يقاتلون فيه عدوّهم، دون التفاتٍ لمفسدة التفرق والاختلاف التي يسعى العدو لإثارتها في أوساط الناس بغزة؟!
ألا يشعر هؤلاء النَّوكى بخزيهم وانكشاف عوراتهم؟!