الغائب الغائب في شرم الشيخ!

وقف منصور بن زايد، نائب رئيس دولة الإمارات في موقف لا يُحسد عليه، وهو يصافح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة سبيس ٢٠٢٥ في شرم الشيخ، الذي قال، مشيرًا إليه: “لديهم أموال لا حدود لها!”، فأشد المواقف إهانة لأي شخص هو إشعاره بأنه مجرد حافظة نقود متحركة، لكن منصور لم يشعر بما شعر به كل من شاهده؛ لأنه قد ألِف تلك الإهانة واستعذبها منذ زمن بعيد!

ويسود شعور لدى قادة العالم أن تجنب لقاء ترامب – ما دام ممكنًا – هو أفضل كثيرًا من لقائه لما شاع عن الأخير على استخفافه وإهانته لكثير من القادة، خصوصًا القادة العرب، الذين يستمتع ترامب بتوجيه السباب المغلف لهم أمام شعوبهم.

وأخص من هؤلاء هم قادة الخليج الذين لا يجد ترامب فائدة كبيرة من التعاطي مع عقولهم، وإنما مع خزائنهم وحوافظ أموالهم! وهذه صورة لا يحب كبار حكام العرب أن يُروا فيها، ويسعى بعضهم لتجنب لقائه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وإذا كان ترامب لن يرى في السعودية إلا مالها، فليكن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، هو رئيس وفد بلاده – ذرًّا للرماد في العيون وإلا لكان وزير المالية أكثر تعبيرًا عن السعودية منه في هذه الحالة – في اجتماع يناقش نهاية حرب غزة، الشغل الشاغل للعالم كله خلال سنتين كاملتين!

هذا الموقف في ظاهره محمود، غير أن كل دلائله مؤلمة، فالسعودية لم تشارك بأكبر مسؤوليها في اجتماع يقرر مصير غزة، ومن بعدها المنطقة احتجاجًا على بنود خطة ترامب المجحفة للحق الفلسطيني، فلا هو رفض لأن يحكم غزة «مندوب سامٍ بريطاني»، لأن المنطقة كلها تقريبًا بمندوبين ساميين بل سامِّين! ولا هو احتج على أن تُجرَّد المقاومة من سلاحها، فأدوات الإعلام السعودية والإماراتية لا تفتر من لعن المقاومة والتحريض على نزع سلاح المجاهدين، ولا تخجل كما لم يخجل عماد الدين أديب ونديم قطيش، لسانا حال السعودية والإمارات، وهما يعلنان إصابتهما بالاكتئاب جراء بقاء السلاح في أيدي أهل السنة في غزة أمام العدو المحتل، أثناء حديثهما في ندوة لقناة سكاي نيوز العربية المشبوهة!

ويسود شعور لدى قادة العالم أن تجنب لقاء ترامب – ما دام ممكنًا – هو أفضل كثيرًا من لقائه لما شاع عن الأخير على استخفافه وإهانته لكثير من القادة، خصوصًا القادة العرب، الذين يستمتع ترامب بتوجيه السباب المغلف لهم أمام شعوبهم.

ولا السعودية تبنت موقفًا يرقى لأدنى مستوى لدولة أوروبية أظهرت غضبها إزاء الإبادة الجماعية التي مورست ضد أهل غزة طوال أكثر من سبعمائة يوم، ولم تسمح بأي صورة احتجاجية فوق ترابها بينما سمحت «إسرائيل» نفسها للمتظاهرين برفضهم للحرب بل للإبادة!

وليس في الاختفاء ما يُظهر شيئًا من القوة، وإنما ينم عن ضعف شديد وانزواء مخجل مريب، فشعوب العالم الإسلامي لا حديث لهم عندما يتذكرون دولة الحرمين الشريفين إلا أنها كانت مشغولة عن هموم غزة وأهوالها المؤلمة باستقدام الممثلات «الإباحيات»، واستيراد الغانيات لإلهاء الشباب السعودي عن تذكُّر ماضيه الإسلامي المشرق، أو التفكير في مستقبله المُظلم!

وليس الخنوس بطولة، وإنما فرار من مواجهة الحقائق المؤلمة؛ فعن أي حديث عن «دولة عظمى»، ومصائر البلاد ومصائرهم تُحدد وهم غائبون لاهون غافلون!

وكيف الغياب، وترامب يجدد الحديث عن «اتفاقات إبراهام» أو «إفراهام» كما أحب أن ينطقها في قلب الكنيست، ولا أقرب من السعودية ذِكرًا في أحاديث ترامب كأول دولة يرغب في تطبيعها للعلاقات مع «إسرائيل»، فهل ستكون الرياض في ذيل القائمة في مصير غزة، وأولها في التطبيع والإبراهيمية الموهومة؟!

ولا السعودية تبنت موقفًا يرقى لأدنى مستوى لدولة أوروبية أظهرت غضبها إزاء الإبادة الجماعية التي مورست ضد أهل غزة طوال أكثر من سبعمائة يوم، ولم تسمح بأي صورة احتجاجية فوق ترابها بينما سمحت «إسرائيل» نفسها للمتظاهرين برفضهم للحرب بل للإبادة!

الرياض تعرف قبل غيرها دورها المرسوم في غزة، وترتضيه؛ فهي ستكون هي وأخواتها الصغيرات في الخليج، خزينة تمويل احتلال دولي لغزة، وإعمار قبل أن يبني فوق الأرض سيدمر ما تحتها من أنفاق، وستبذل المال لمزيد من تشويه المقاومة واتهامها بتفجير «حرب أهلية» في غزة، وخلق دعاية سوداء للاستهزاء بكل فعل مقاوم أوهن بيت العنكبوت الصهيوني، ودمر سمعته في العالم. فيا أسفًا على ما آلت إليه مهد الدولة وباعثة طلائع الفتوحات الإسلامية الكبرى!