مدخل:
إن تعليلات أهل السنة والجماعة لتحريم الخروج على الحكام المتغلبين إذا وقع منهم ما دون الكفر، تدور على ما يجره الخروج عليهم وقتالهم من مفاسد هي أعظم من مفسدة معاصيهم، وعلى رأس هذه المفاسد: الدماء التي تراق بسبب الخروج عليهم، وقد لا يحصل من ورائها تغيير للأفضل.
وهذه التعليلات يوافق عليها المبتدعة في هذه المسألة – أعني غلاة الطاعة – لكن الفرق بينهم وبين أهل السنة: أن لدى أهل السنة فقهًا لهذه التعليلات وفهمًا لها، ولذا فهم يطردونها ويلتزمون لوازمها، وأما غلاة الطاعة: فهم لا يفهمون هذه التعليلات، ولا يلتزمون بها، وإنما يأخذونها فقط حينما تكون في مصلحة حاكمهم، ثم يعرضون عن باقيها إذا لم تكن لمصلحته، وهي سمة غالبة عليهم في جميع مسائل الطاعة، يقتصون منها ما يناسب أهواءهم ويعرضون عن الباقي، فيقعون في التناقض الذي يدل على باطلهم.
يظهر فقه أهل السنة والتزامهم بهذا التعليل: في أنهم كما يحرمون قتال الظالم لأنه يجر مفاسد سفك الدماء، يحرمون أيضًا القتال معه، فكلاهما سفك لدماء المسلمين، وكلاهما مخالفة للشريعة.
آثار السلف في تحريم القتال في الفتنة:
فلقد سمى السلف قتال الحاكم المسلم الظالم والقتال معه: قتال الفتنة، وحرموه على الطرفين، وامتلأت كتب عقيدة أهل السنة المسندة بالأحاديث والآثار التي تنهى عنه، ونزلوا عليه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) و (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، وروي عن بعض الصحابة أن اشترط في القتال مع علي سيف يقتل الكافر ولا يقتل المسلم، فلما أقروا باستحالته أخبرهم برفض القتال، وقال البربهاري في السنة: (إذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك وفر من جوار الفتنة ولا تكن مع الناس في القتال)، وروي عن علي في الخوارج: (إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم)، وأخذ منه الفقهاء تحريم قتال البغاة قبل إزالة مظلمتهم.
التطبيق العملي لأهل السنة لتحريم القتال مع الحاكم الظالم:
وقد طبق المسلمون وأهل السنة هذا التحريم عمليًّا في قضايا تاريخية أجمعوا فيها على تحريم القتال مع الحاكم الظالم ضد الخارجين عليه، وتبرأوا ممن قاتل معه وذمُّوه، وصارت هذه القضايا عقبة أمام بدعة غلاة الطاعة يحاولون التخلص منها بأجوبة سخيفة ومتناقضة دون جدوى.
فحرموا قتال الأمويين ضد مناوئيهم، كقتال الحسين بن علي وقتال أهل الحرة، وقتال الفقهاء في فتنة ابن الأشعث، وجعلوا المناوئين المقتولين: شهداء مظلومين، حتى مَن يُخطئهم في اجتهادهم بالخروج، كما جعلوا القاتلين رمزًا للظلم والمعصية وتبرأوا منهم، فسموا قائد وقعة الحرة مسلم بن عقبة: مسرف، وجعلوا ابن زياد والحجاج وغيرهما من رموز الجور والطغيان.
وأما غلاة الطاعة: فهم لا يفهمون هذه التعليلات، ولا يلتزمون بها، وإنما يأخذونها فقط حينما تكون في مصلحة حاكمهم، ثم يعرضون عن باقيها إذا لم تكن لمصلحته، وهي سمة غالبة عليهم في جميع مسائل الطاعة، يقتصون منها ما يناسب أهواءهم ويعرضون عن الباقي، فيقعون في التناقض الذي يدل على باطلهم.
فسعيد بن جبير الخارج على الدولة الأموية إمام من أئمة أهل السنة حتى عند من يحرم الخروج منهم، وقاتله الحجاج بن يوسف ظالم معتدي عند أهل السنة وعلمائهم، هذه الحقيقة تدمر بدعة غلاة الطاعة وتنسفها من أساسها، حيث تقوم سرديتهم على أن من يخرج على الحاكم مبتدع مخالف للشريعة وقتله واجب، وليس هذا فحسب بل حتى من يعارض الحاكم أو ينكر عليه أو ينصحه علنًا، وليس الحاكم المسلم الظالم فقط، بل يشمل ذلك العلماني الذي لا يحكم بالشريعة من الكفار كبشار الأسد النصيري، أو القذافي المكذب للسنة.
نص ابن تيمية في الخروج على الحكام وتحريفه:
يستشهد غلاة الطاعة كثيرًا بنص لشيخ الإسلام في الخروج على الحكام الظلمة وأنه لا يعقبه خير، وهذا النص الشهير هو قوله: (وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير) ثم يقفون هنا، ولا يكملون بقية النصِّ، ليحرفوا موقف ابن تيمية كما حرفوا نصوص الوحي قبل ذلك، ويوهموا المتدين السطحي أن شيوخ الإسلام يمنعون فقط قتال الحكام رضًى بهؤلاء الحكام ودعمًا لهم!
ولكن إذا رجع القارئ المنصف لكلام الشيخ وجد في إكمال هذا النص ما يحرم القتال مع الحكام أيضًا، فقد ضرب الأمثلة على هؤلاء الخارجين فجعل منهم أمراء الدولة العباسية، ثم صرح قائلًا: (وغاية هؤلاء إما أن يُغلبوا وإما أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون له عاقبة).
وقد طبق المسلمون وأهل السنة هذا التحريم عمليًّا في قضايا تاريخية أجمعوا فيها على تحريم القتال مع الحاكم الظالم ضد الخارجين عليه، وتبرأوا ممن قاتل معه وذمُّوه، وصارت هذه القضايا عقبة أمام بدعة غلاة الطاعة يحاولون التخلص منها بأجوبة سخيفة ومتناقضة دون جدوى.
هكذا يقرر الشيخ أن المفاسد التي يتحدث عنها بالخروج ليست حصرًا على المهزومين من الخارجين، بل تشمل أصحاب الممالك الذين أسسوا ملكهم بالقتال ودافعوا عنه بالقتال؛ فهم على قدم المساواة في حكم الشرع مع من انهزم!
ثم يعقب الشيخ هذا بتصريح أقوى وأشمل فيقول: (وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال) منهاج السنة النبوية 4/ 527-528.
فانظر كيف أن شيخ الإسلام شمل بتقريره هذا قتال حاكم عادل، وليس أي عادل، بل خليفة راشد متبوع ومقتدى به، وهو علي بن أبي طالب، وذلك حينما يكون قتاله مع وجود فتنة وشبهة، ثم هو قدم القتال على غيره من الحلول، كما هو رأي ابن تيمية، حيث يرى أن الصواب كان مع من ترك القتال: كسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، وأنه كان رأيًا للحسن بن علي حيث نصح أباه بترك القتال، وأن عليًّا مع ذلك كان أقرب للحق ممن قاتله، أما غيره من أهل السنة: فيرون الحق والصواب مع علي رضي الله عنه.
هذا هو تصور شيخ الإسلام وتقريره لمسألة القتال، أن الشر الناتج عنها أعظم، سواء كان هذا المقاتل حاكمًا أو محكومًا، غالبًا أو مغلوبًا كما يصرح، ملكًا من ملوك بني العباس أو مهزومًا ممن لم يحصل له الملك كمن خرج على بني العباس، كلهم قتالهم للمسلمين: شر وتركه خير منه.
ثم يأتي مبتدع من غلاة الطاعة بكل كسل وصفاقة، ليجتزئ السطر الأول فقط، ويترك بقية التقرير والتحقيق، ثم يقحم هذا السطر بين كومة من الجهالات التي أوحتها له بدعته، ليصل بعد ذلك إلى ما يناقض تقرير شيخ الإسلام ويصادمه، ففي حين أن ابن تيمية يقرر في كتبه تحريم قتال الحكام المسلمين الظلمة وتحريم القتال معهم وقتلهم لمخالفيهم: يأتي من يوجب قتل مخالفيهم ويحتج من كلام ابن تيمية بجزء منه، ويعرض عن الباقي!
مجازر الظلمة وتأييد غلاة الطاعة لها:
وما قرره أئمة السلف وشيوخ الإسلام كابن تيمية وغيره: هو ما يدعمه العقل والواقع والمنطق، فكما أن قتال الأمراء يحصل من ورائه مفاسد، فكذلك القتال معهم، بل ربما جر القتال معهم أعظم المفاسد وأشنعها في تاريخ الإسلام، فانظر إلى جنود الطواغيت في عصرنا كالقذافي وبشار: كيف دمروا بلدانهم وسفكوا دماء الصغير والكبير، وقتلوا المرأة والطفل والعجوز، وأهلكوا الحرث والنسل .. كل ذلك الفساد العريض كان غلاة الطاعة داعمين له ومؤيدين، فأين من يتغنى بحرمة الدماء؟!
ودعمهم له تمثل في: أن الأشعري الصوفي البوطي قد جعل قتال جنود بشار معه كجهاد الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عياذًا بالله، أما القذافي ففي الوقت الذي كان يسفك فيه دماء شعبه ويرتكب المجازر، جاءه من بلاد الحرمين ملتح جاهل يخطب في جنوده ويشجعهم على القتال مع ولي أمرهم!
كما أن النموذج الليبي كشف ما هو أعظم من القتال مع الحاكم المتغلب عند غلاة الطاعة، ألا وهو كذب شعارهم بتحريم قتال الحاكم ذاته إذا تصادم مع طاعتهم لحاكم آخر، فغلاة الطاعة في ليبيا بعد سقوط القذافي تورطوا بسفك دماء وقتال للحكام المتغلبين في بلدهم، ودعموا عسكريًّا خارجًا على الحكام (خليفة حفتر)، وقاتلوا معه، كل ذلك لأن بعض الدول الخليجية كان لها دعم سياسي لهذا العسكري الخارجي الطاغية، وعليه أفتى بعض شيوخ غلاة الطاعة – كربيع المدخلي – بدعمه تبعًا لهوى أمرائه!
وهذا اضطراب عظيم في الموقف، وتناقض صارخ، وسقوط في الفتنة، ما كان ليحدث لولا أن هذه السردية (غلاة الطاعة) أهواء بشر لا علاقة لها بالوحي (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا) [النساء:٨٢].
على أن وقوف البوطي وهو الأشعري الصوفي مع بشار ووقوف بعض أتباع ربيع المدخلي مع القذافي ثم وقوفهم بعد ذلك مع خليفة حفتر، واتحاد كلام الجميع في تسويغ الوقوف مع ولي الأمر، يدل على أن هذه البدعة خلفها أهواء سياسية لا علاقة لها بالسلف ولا بنصوص الكتاب والسنة، فأينما وجد دين ومبدأ ومذهب فهي تستغله ليقول نفس النتيجة، ولذا وُجد غلاة طاعة؛ وثنيون وشيعة وملحدون شيوعيون واشتراكيون وغيرهم، كلهم يتحدث عن القوة والوحدة والمصلحة في الوقوف خلف الحاكم الظالم وتأييده والقتال معه ومنع الاعتراض عليه، بخلاف ما يظنه بعض ضعيفي الثقافة أن هذه ظاهرة سلفية أو إسلامية فقط.
فغلاة الطاعة في ليبيا بعد سقوط القذافي تورطوا بسفك دماء وقتال للحكام المتغلبين في بلدهم، ودعموا عسكريًّا خارجًا على الحكام (خليفة حفتر)، وقاتلوا معه، كل ذلك لأن بعض الدول الخليجية كان لها دعم سياسي لهذا العسكري الخارجي الطاغية، وعليه أفتى بعض شيوخ غلاة الطاعة – كربيع المدخلي – بدعمه تبعًا لهوى أمرائه!
ولقد كان أهل السنة الذين يحرمون الخروج على الحاكم الظالم: يحرمون قتل من خرج عليه أيضًا، ثم جاء من يحرم نصيحة الحاكم الظالم والإنكار عليه، ويوجب قتل الخارجين عليه، ثم جاء من يوجب قتل الناصحين والمنكرين، ثم جاء من يوجب قتل الخارجين على الكافر، ثم جاء من يؤيد المجازر، التي يرتكبها الطواغيت ويستنكرها كل إنسان! وهذا كما قال ابن تيمية عن البدعة: (البدع تكون في أولها شبرًا ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعًا وأميالًا وفراسخ!).
إن ما نتج عن القتال مع الطواغيت، هادم لسردية غلاة الطاعة عند كل ذي فطرة سليمة فضلًا عن الدين، فلقد قتل جنودهم الأطفال والنساء والشيوخ، ولقد استنكر جرائمهم كل إنسان سليم العقل والفطرة، ولقد أطبق المسلمون وأجمعوا على بغضهم وبغض جنودهم، ولم يبق إلا غلاة الطاعة انتكست فطرتهم وارتكست مواقفهم وتردوا في دركات الفتنة والإجرام تبعًا لطغاتهم وحكامهم بعدما حرفوا وبدلوا كلام الله وكلام رسوله وكلمات علماء الإسلام.
(أكثر الأمور فظاعة: كالحروب والمجازر الجماعية والاستعباد لم تحدث بسبب العصيان والتمرد، بل بسبب السمع والطاعة!) هوارد زين.