هكذا يتم إلغاء الدين!

قبل آيام أعلنت وزارة التعليم عن تطبيق آلية تقييم جديدة لمواد الدراسات الإسلامية في جميع المراحل التعليمية، الابتدائية والمتوسطة والثانوية، تعتمد بشكل كامل على نظام التقويم المستمر، لتنهي بذلك حقبة الاختبارات النهائية لهذه المواد الأساسية، أو بالأحرى التي كانت أساسية!

لم يجعلوا مادة الدين أسوة مادة الفنية (الفنون التي يقال إنها جميلة أو الرسم)! وهذا حدث مهم يجب أن يذكر، مؤثر على أجيال تأتي إن بقي كما هو! ولم يكن تمهيدًا لما بعده! فلا تدري فهل هذه آخر خطوات قبل إلغاء الدين؟!

لقد جربت الوزارة إلغاء الاختبارات لكل المواد في مراحل ابتدائية ربما ناسبها ذلك، ثم عادت فأرجعتها لما وجدتها غير مجدية، مؤثرة على تحصيل الطفل الذي ضمن النجاح، وقل دافع أهله على العناية بضبطه أو أدائه في الاختبار آخر العام، ولما وجدت الوزارة تأثير التقويم المستمر سلبيًّا على أطفال الابتدائية عادت سيرتها الأولى! فما بالها تعود فتلغي اختبار الثقافة الإسلامية في كل المراحل الدراسية!

وقد درسنا في وقت كانت فيه المعاهد العلمية، وكانت فيه مدارس التحفيظ عامرة على شح فيها بعد ذلك كابدناه في الأبناء، فصار أحدهم إذا أراد إدخال أولاده مدارس تحفيظ قريبة يحتاج إلى أن يستعمل المعرفة أو الواسطة بسبب قلتها!

أما جيلنا فكان لا يدرس في المدارس العامة مادة واحدة اسمها الثقافة الإسلامية! بل كنا ندرس كتابًا في العقيدة، وكتابًا في الفقه، وكتابًا في الحديث، إلى جانب العلوم الأخرى التي تقترب من العلوم الشرعية، فكان هناك كتاب المطالعة، وكراسة التعبير، وكتاب البلاغة والنقد، وكتاب الأدب!

حتى الأقسام العلمية كانت تدرس في الثانوية العقيدة والفقه والحديث.

وكان ذلك منبثقًا عن رأي رشيد، ورؤية ثاقبة ملهمة وضعها أهل الاختصاص والدرجات العلمية من التربويين، لا من رؤية حالمة لمن لا علاقة له بالثقافة والعلوم!

كان أولئك يعون أن العلوم التي تنشأ منفصلة عن أصول الدين وعن الثقافة الإسلامية للبلاد وأهلها إنما تنشئ عمرانًا ومدنية بثقافة قوم آخرين! مدنية علمانية على أفضل أحوالها لا طعم فيها ولا رائحة ولا لون للدين ولا للأخلاق والقيم الإسلامية.

كانت السياسة التعليمة في السعودية تنص على أن من الأسس العامة التي يقوم التعليم عليها: “التَّصور الإسلامي الكامل للكون والإنسان والحياةِ، وأن الوجودَ كلَّه خاضعٌ لما سنَّه الله تعالى، ليقومَ كلُّ مخلوقٍ بوظيفته دون خلل أو اضطراب”.

وأيضًا على “المُثُلُ العليا التي جاء بها الإسلام لقيام حضارة إنسانية رشيدةٍ بنَّاءة تهتدي برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، لتحقيق العزَّة في الدنيا، والسَّعادة في الدَّار الآخِرة”.

وكانت غاية التعليم التي تنص عليها سياسة التعليم السعودية: “فهم الإسلام فهمًا صحيحًا متكاملًا، وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها، وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية وبالمُثُل العُليا، وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة، وتنمية الاتجاهات السلوكية البناءة، وتطوير المجتمع اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وتهيئة الفرد ليكون عضوًا نافعًا في بناء مجتمعه”.

وكان من الأهداف التعليمية: “تزويد الفرد بالأفكار والمشاعر والقدرات اللازمة لحمل رسالة الإسلام”، إلى غير ذلك مما لا تكاد تجده اليوم في صفحات الوزارة المختصة، والجهات الرسمية المعنية إلَّا قليلًا!

كانت السياسة التعليمة في السعودية تنص على أن من الأسس العامة التي يقوم التعليم عليها: “التَّصور الإسلامي الكامل للكون والإنسان والحياةِ، وأن الوجودَ كلَّه خاضعٌ لما سنَّه الله تعالى، ليقومَ كلُّ مخلوقٍ بوظيفته دون خلل أو اضطراب”.

ثم صالت الأيام صولتها على المقررات، وانتقص الدين شيئًا فشيئًا، إلى أن جاء هذا العهد الذي حوصر فيه التدين والدين، بدعوى إصلاح المناهج، ومحاربة التطرف، فوجدنا إصلاحهم تطرفًا لاستئصال مواد الدين! كان شيئًا فشيئًا! بالحركة البطيئة الهادئة التي تذيب المجتمع وتحافظ على انسجام خليط ما، وهو اليوم بالسرعة المضاعفة والحركة الخشنة الرعناء!

كانت مواد الدين كتبًا شتى مقررة على الجميع، ثم غدت كتاب ثقافة إسلامية وحيد، ولم يزل يهزل ويصغر ويقل عامًا بعد عام، إلى أن غدا ورقات! وتزامن ذلك مع ما آلت إليه أوضاع المعاهد العلمية، والتي تقرر دمجها مع التعليم العام قبل بضع سنين، دمجًا قسريًّا غير سلس نتج عنه اختلال وضع معلمي المعاهد العلمية حينها، فلا هم تبع وزارة التعليم ولا جامعة الإمام!

وكانت غاية التعليم التي تنص عليها سياسة التعليم السعودية: “فهم الإسلام فهمًا صحيحًا متكاملًا، وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها، وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية وبالمُثُل العُليا، وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة، وتنمية الاتجاهات السلوكية البناءة، وتطوير المجتمع اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وتهيئة الفرد ليكون عضوًا نافعًا في بناء مجتمعه”.

وكانت تلك الخطوة والتي اتخذت عام 2021م، لها ما قبلها فقد كانت أبواق الإعلام الرسمية تكتب في صفحات الشرق الأوسط وغيرها من الجرائد التي كانت وما زالت كلها تحت قبضة الأمن وعينه، حول المعاهد مطالبة بإلغائها لا مجرد دمجها، وذلك قبل ذلك بأكثر من عشر سنين، إلى أن مرر الدمج في توصية لمجلس الشورى عام 2015م، لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب من إلغاء ما هو أكبر من ذلك إلّا في هذا العهد.

مع ما جرى فيه قبل ذلك ولا يزال يجري من محاولات تحريف للدين، وانحرافٍ به عن دين الحق الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، نحو دين الملك! والذي يقول كهنته بلسان الحال: أهم شيء الدين، وأهم شيء في الدين التوحيد، وبلادنا بلاد التوحيد، فالوطنية هي التوحيد، والوطن يمثله الملك، فما يقرره ويراه هو الوطنية، وهي التوحيد، وهو الدين! في تحريف لمعنى الوطنية، ومعنى الدين، ومعنى التوحيد، القائم على ركنين: نفي الإلهية عمن سوى الله عز وجل من ملك أو متبوع أو مطاع، مع إيجاب البراءة من باطل هؤلاء، وكذلك البراءة منهم؛ وذلك بحسب أولئك على ما هو مقرر في اعتقاد أهل السنة من اجتماع البراءة والموالاة في المسلم بحسب معصيته وإسلامه، مع البراءة من الكافرين والطواغيت جملة وتفصيلًا.

أما الركن الثاني: فإثبات العبودية لله وحده، ومن ركائزه موالاة حزبه، ونصرة قضاياهم، ومحبتهم وإعانتهم.

والذين تراهم يحاربون اليوم على وسائل الإعلام بعد أن سكتت عن الواجب تجاههم المقررات، وربما قررت خلافه!

وقد كانت بدايات هذا الأمر الصارخة بعد أحداث سبتمبر 2001م، وكان البدايات متنوعة منها الحمقاء، ومنها الرصينة التي استعملت في غير سياقها لكونها وضعت في غير مواضعها، باجتهاد لفضلاء لا يخلو من نظر، كورقة المفكر الفاضل الأسير إبراهيم السكران فرج الله عنه وانتصر له ممن ظلمه، مع الأستاذ عبد العزيز القاسم في مؤتمر الحوار الثاني عام 2003م، وكانت بعنوان: قراءة في فقه التعامل مع الآخر والواقع والحضارة في المقررات، وكان فيها حق كثير، وباطل قليل مشتبه، لكنها قوبلت برفض كبير في حينها من الساحة الشرعية، مع احتفاء واحتفال بها في الساحة المناهضة للتدين، وكان بعض عقلاء الساحة الشرعية يوافقون الناقدين لها، الذين تصدوا للرد عليها وكان ذلك غير راجع إلى ما اشتملت عليه من مخالفة الدين، فالمخالفة المحققة عندهم في مسائل قليلة، ولكن النقد الذي له في الاجتهاد مجال إذا وضع في غير موضعه، وجعل في غير سياقه، كان بمثابة سكين في يد من يستعمله للفري في التدين والدين! وكذلك فعلوا!

ومن المفارقات أن الدولة في هذا العهد لما تجاوزت وحذفت وعدلت وأدخلت أضعاف ما انتقده القاسم والسكران سكت جمهور من أنكر على أولئك بالأمس!

ولعل بعضهم يغلي فؤاده وهو معذور، في زنزانته مأسور، أو خارجها شبه ذلك! يرى اليوم مقررات العلوم الشرعية على أعتاب أن تلغى، بعد فُرِّغت من لُبّ وجوهر كثير، وطُعِّمت بضده، ولا يستطيع أن ينبس ببنت شفة! وفي الكتاب: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [سورة النساء، الآية: 98-99]، لكن من شرح بذلك صدرًا، ولم يعبأ بما آل إليه الأمر، أو لم يبحث عن سبيل لإنكاره، فقد ركن إليه، لم يطلب حيلة ليقال لا يستطيع، بل ربما رضي ووافق، وقال: لا تكبروا الموضوع! وتلك لعمر الله هي الضلالة!

قال حذيفة: إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله؛ فإن دين الله واحد.

أما الذين يرون الإنكار على منكر المنكر، ويتقربون إلى الله بالسمع والطاعة في المعصية، ويتعبدون الله بمحاربة الدعاة إلى هداه، فضلالتهم أعظم، وبدعتهم أغلظ.

عافاك الله من رؤية دينه ينتقص، وقد جعل لك عينين ولسانًا وشفتين! وهداك النجدين، وعلمك بالقلم، ورزقك وسائل العصر التي منها تقرأ وهي بين يديك! وأنت ساكت، وقلبك لا يتحرك بل هو ساكن راكن، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله!