هل أصاب مجاهدو غزّة حين باغتوا الصهاينة قبل عامين، فأشعلوا هذه الحرب الهائلة التي لا نزال نتابع أخبارها ومآسيها على مدى عامين؟
نقول لمن يسأل عن هذا: لا بدّ أن يُعلم أولًا أن جواب هذا السؤال لا أثر له في وجوب نصرة المجاهدين وتأييدهم كما فصلنا ذلك في القسم الأول من هذه المقالة.
ثم نقول بعد ذلك: لأي شيءٍ يتعين على كل أحدٍ أن يكون له رأيٌ في مثل هذه النازلة والأمر العويص؟
من كان بعيدًا عن أرض الجهاد، ولم يكن له فيه شأنٌ، ولا حلٌّ ولا ربطٌ، فحقه أن يحمد الله إذ لم يكن في موقع أولئك الذين تحملوا المسؤولية، واحتاجوا لاتخاذ مثل هذا القرار الكبير الذي يدركون قبل غيرهم عواقبه وتبعاته.
وإنّ من أظهر صور ضعف النظر وقصور الفهم أن يتوهّم أحدٌ أن قادة الجهاد هناك حين هاجموا الصهاينة كانوا يتطلعون لنصرٍ سهلٍ ساحقٍ في معركة حاسمةٍ يمحون بها عدوَّهم ويجلونه من أرضهم!
قادة الجهاد بفلسطين حين اتخذوا قرار مباغتة العدو لم يكونوا يفكرون بهذه الطريقة قطعًا، ومن له أدنى متابعة يدرك أنهم لم يكونوا في مقام الترجيح بين انتصارٍ آنيٍّ أو هزيمةٍ، ولا كانوا يختارون بين قرارين أحدهما أبيض والآخر أسود، بل كانوا في مقام النظر بين مفسدتين عظيمتين تتطلّبُ الموازنة بينهما الكثير من الحسابات الصعبة العسرة، فلأجل ذلك نقول: إن مَن كان في عافيةٍ وسلامةٍ مِن مثل هذا المقام العظيم، فليكف لسانه وأذاه، وليقصر دوره على نصرة المجاهدين ولو بالدعاء لهم بسداد الرأي قبل سداد الرمي.
أولئك الذين اتخذوا قرار مباغتة العدو هم أول من ذاق نتائج هذا القرار، فهم الذين يجوّعُون الآن ويقتل أهلوهم ونساؤهم وأطفالهم، بل هم الذين قُتل منهم المئات والألوف من الشهداء إن شاء الله، فهل يظن من يقع فيهم ويطعن عليهم أنهم اتخذوا قرارهم دون حسابٍ أو مبالاةٍ بهذا كله؟!
وإنّ من أظهر صور ضعف النظر وقصور الفهم أن يتوهّم أحدٌ أن قادة الجهاد هناك حين هاجموا الصهاينة كانوا يتطلعون لنصرٍ سهلٍ ساحقٍ في معركة حاسمةٍ يمحون بها عدوَّهم ويجلونه من أرضهم!
الذي يريد النظر في ميزان المصالح والمفاسد في هذه النازلة يحتاج إلى أن يحكم تصوره لها قبل أن يخوض فيها، وأدوات التصور هنا يجتمع فيها تصور تاريخ القضية، وفهم موازين الحروب المعاصرة، ومعرفةٍ بالشأن السياسي، ثم يأتي بعد ذلك تنزيل الحكم الفقهي.
وأما من ينظر للقضية من سطحها، ثم ينطلق وهو متكئٌ على أريكته ليستدعي كلام أهل العلم عن خطأ القتال وقت الاستضعاف، ويصوّر الأمر وكأن أهل غزّة كانوا آمنين مطمئنين لا بأس عليهم، إلى أن ذهبت طائفة منهم وتحرشت بالعدو فتسلط العدو عليهم! الذي يفكر بهذه الطريقة إنما يكشف عن ضعف تصوّره لما يخوض فيه، ولا عجب في وجود مثل هذا التصور الساذج عند تلك الفئة التي سبق أن قال قائلها: إن الله سيسألك في قبرك عن بولك، ولن يسألك عن فلسطين!
تسطيح القضايا المركبة من سمات أصحاب العقول الصغيرة والنظر الكليل، ونازلة فلسطين نازلةٌ بالغة التعقيد عمرها أزيد من ثمانين عامًا، والعدو فيها كان ولا يزال يجهد في قضم المزيد من أرض الإسلام، والحرب بينه وبين أهل فلسطين تتَّقِدُ تارةً وتخبو تارةً.
وحروب التحرير المعاصرة جدّت فيها أمورٌ ومناطاتٌ لا يستحضرها كثيرٌ ممن يتصدى للخوض فيها بغير معرفةٍ؛ فمن المستجدات أن بلاد الإسلام الآن اليوم ليست بلدًا واحدًا، بل دولٌ مقسّمةٌ ذات حدود سياسية مقفلة، فلا مجال هنا لما كان يحصل قديمًا من الانسحاب من أرض المعركة إلى داخل أرض الإسلام، ثم إعداد العدة، وإعادة الكرة على العدو. فأهل فلسطين لا سبيل لهم سوى إعداد ما يستطيعون من عدّة في أرض الحرب نفسها، فهل يتصور عاقلٌ أن بإمكانهم إعداد الطائرات والدبابات والصواريخ وهم تحت سلطة عدوهم خاضعين لحكمه؟!
حروب التحرير مع العدو الأقوى عتادًا لها أساليب يعرفها أهل الخبرة العسكرية، والحروب الطويلة التي خاضتها الشعوب المسلمة ضد المحتل الأجنبي في العصور الأخيرة استغرقت عقودًا طويلةً قبل أن تؤتي ثمارها، وخلال تلك العقود حصلت خسائر في الأنفس والأموال، وتخللها من القتل والتدمير ومن العذابات والمآسي أعظم مما نراه اليوم بغزّة كما لا يخفى ذلك على من له أقل اطلاعٍ على التاريخ المعاصر، والشعوب التي لا تريد أن تتحمل نتائج الحروب الحديثة بآلتها المدمرة ستبقى ذليلةً خانعةً خاضعةً لعدوها.
الذي يريد النظر في ميزان المصالح والمفاسد في هذه النازلة يحتاج إلى أن يحكم تصوره لها قبل أن يخوض فيها، وأدوات التصور هنا يجتمع فيها تصور تاريخ القضية، وفهم موازين الحروب المعاصرة، ومعرفةٍ بالشأن السياسي، ثم يأتي بعد ذلك تنزيل الحكم الفقهي.
ولو أنّ المسلمين بفلسطين أخذوا بما يدعو له أهل التخذيل لكانت قضيتهم قد حسمت لصالح عدوهم منذ أمدٍ طويلٍ، ولكان الصهاينة اليوم يسترخون مطمئنين في دولتهم التوراتية الكبرى التي يحلمون ويخططون لها، والممتدة (من الفرات إلى النيل)، لكنّ المصابرة والثبات وروح الجهاد التي عجز العدو عن إطفائها من نفوس المسلمين هي ما ظلَّت تعوق أطماع الصهاينة، رغم وقوف أعتى قوى الأرض معهم.
ولو أنا رجعنا قليلًا بالتاريخ إلى الوراء، وتذكرنا كيف كانت بلدان المسلمين المستضعفة تخضع للاحتلال الأجنبي بقوته وجبرته، ففرنسا تحكم (سوريا والمغرب والجزائر وتونس ولبنان)، وبريطانيا في (العراق وفلسطين ومصر والسودان)، وإيطاليا في (ليبيا والصومال)، ففي مثل هذا الحال، لو أنّ فقهاء ذلك الزمان مالوا إلى مثل ما يدعو إليه بعض المتحذلقين اليوم، وظلوا يعظون الناس عن خطأ الجهاد مع الضعف، وجرّموا من يفعل ذلك وعادَوه وأخرجوه عن طريقة أهل السنة، لو كان الأمر كذلك: لكن المسلمون إلى اليوم خانعين تحت حكم عدوهم، ولما كانت هناك أصلًا قضية اسمها فلسطين!
مجاهدو غزَّة حين باغتوا العدوّ فقتلوا منه وأسروا لم يبتدئوا حربًا جديدةً؛ فقد كانوا تحت حصارٍ جائرٍ بعدما أحكم فرعون مصر غلق المعابر عليهم، وكانوا يراقبون ويرون الخناق يضيق عليهم يومًا بعد يومٍ؛ فالمتطرفون الصهاينة وصلوا إلى رأس السلطة وشرعوا في تنفيذ مخططاتهم لمزيد من الاحتلال والتهجير، ودول الجوار منخرطة في مؤتمرات الاستسلام التي يصرّ الصهاينة على أن يكون من أول بنودها تهجير أهل غزّة من أرضهم؛ فلذلك كان المجاهدون بين خيار أن يباغتوا العدو، وبين أن ينتظروه ليكون هو صاحب المباغتة والمبادرة!
ولو أنّ المسلمين بفلسطين أخذوا بما يدعو له أهل التخذيل لكانت قضيتهم قد حسمت لصالح عدوهم منذ أمدٍ طويلٍ، ولكان الصهاينة اليوم يسترخون مطمئنين في دولتهم التوراتية الكبرى التي يحلمون ويخططون لها، والممتدة (من الفرات إلى النيل)، لكنّ المصابرة والثبات وروح الجهاد التي عجز العدو عن إطفائها من نفوس المسلمين هي ما ظلَّت تعوق أطماع الصهاينة، رغم وقوف أعتى قوى الأرض معهم.
ففي ظل هذه الأوضاع المركّبة اتخذ المجاهدون قرارهم، بعدما أعدوا ما استطاعوا من قوّةٍ، فحفروا الأنفاق، وصنعوا ما قدروا عليه من سلاح، وتدربوا على حرب الكر والفر، ولئن كان العدوّ نال منهم وأنهك أهليهم، فهم أيضًا لا يزالون يثخنون فيه وينالون منه، والحرب طويلةٌ لم تنته ولم تقترب نهايتها، وأضرارها الآنية والبعيدة على العدو لا تقتصر على عدد قتلاه، بل هي أعمق من ذلك بكثيرٍ، لكنّ هذه الأضرار لا يمكن أن يدرك غورها من عزل نفسه عن هذا الشأن، فلم يكن له عناية بمحنة الفلسطينيين أصلًا، فهو إنما يذكرهم في حالتين فقط:
- فإذا عقدت مؤتمرات الاستسلام والذل، انطلق يتحدث عن مشروعية التطبيع!
- وإذا نشب القتال مع العدوّ انتفض يطلق صيحات التخذيل والإرجاف من خلال ترداد عين الكلام الذي نهى الله عنه أهل الإيمان في قله: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزّىً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) [آل عمران: ١٥٦].
من رأى ما يتكلم به هؤلاء المرجفون من تخذيلٍ للمجاهدين مع تعظيمٍ لشأن عدوهم، فليتذكر أنَّ لهؤلاء أسلافًا كانوا يقولون لما اجتمعت أحزاب الكفر وتكالبت لغزو المدينة القليل أهلها: (وإذا قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) [الأحزاب: ١٣].
أقلُّ حق أهل غزة علينا أن نصبرهم، وأن نذكرهم بمثل قول الله تعالى حين واسى أهل الجهاد بقوله: (إن يمسسكم قرحٌ فقد مسَّ القوم قرحٌ مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) [آل عمران: ١٤٠].
وإن من أعظم الخذلان للعبد أن يختار لنفسه وقت التحام الصفوف التشاغل بتعداد معايب المجاهدين بدل الاعتذار والاستغفار من تقصيره في نصرتهم!